في عام يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو من قرون الظلام التي شهدها العراق، تولى (نامق أغا) مهمة الإشراف على ضرائب (ولاية بغداد)، فكان المسؤول الأول عن كل مبلغ ضريبي، صغيرا أم كبيرا، يدخل الخزينة، ويبدو أن نفسه الأمارة بالسوء قد سولتْ له أمرا وهي ترى الأموال تتدفق آلافا مؤلفة، غير أن تلك الوسوسة الشيطانية كانت تصطدم بموظف من موظفيه يدعى (طلعت أفندي)، مهمته إدخال الأرقام وما يرد إلى الخزينة من ضرائب في سجلات خاصة وكان هذا الرجل معروفا بالفطنة والدهاء.

طال انتظار الآغا ونفد صبره وقرر المجازفة، وهكذا زار الأفندي زيارة رسمية لا غبار عليها، وعبر التلميح وجسّ النبض، اكتشف الآغا، أن الأفندي أشد وسوسة ورغبة منه للتلاعب بالأرقام والسجلات لولا الخوف منه، وضحك الرجلان من أعماقهما، واتفقا على أن تذهب نسبة 70% من أموال الضرائب إلى الخزينة، و 30% يتقاسمانها مناصفة، وتعاهدا وأقسما بشرفهما على ألّا يخون أحدهما الآخر أو يشي به، وأن يبقى هذا الاتفاق سرا بينهما، لا يطلع عليه أقرب المقربين!

في أقل من سنة واحدة، جمعا من الأموال الطائلة ما جعلهما أثرى شخصين في بغداد، بيوت وبساتين وخانات ومزارع وحقول دواجن وخراف وأبقار وحمير وخيول، ولا أحد يدري مصدر الثروة، ومن باب التحوط والتقرب إلى الوالي، كانا يقومان بتقديم الهدايا الثمينة؛ مرة عباءة مطرّزة بخيوط الذهب، ومرة خاتم من الماس، ومرة سجادة حرير، ومرة أطباق من الفضة، ومرة… والوالي يتلقاها بعين الاستحسان والسكوت.

ذات مساء فوجئ الأفندي بزيارة الآغا إلى بيته، وكان يرتعد خوفا وهو يخبر (شريكه)، أن السنة الجديدة أصبحت على الأبواب، واللجنة المكلفة بتدقيق السجلات ستقوم بجولتها التفتيشية بعد عشرين يوماً، ولا بد أن تنتبه إلى التلاعب خاصة، إذا قارنت واردات هذه السنة بواردات السنة الماضية!

ضحك طلعت أفندي، الرجل الداهية، وردّ على صاحبه “اطمئن مولانا.. لا تشغل بالك ولا تهتم، “آني أعرف باللجنة وموعد زيارتها، وكل شي محسوب على 24 حباية!!”” اطمأن الآغا وعاد إلى عياله مرتاح البال ونام ليلته قرير العين، فقد كان يدرك (مواهب) شريكه، وربما يعمد إلى إسكات اللجنة بالرشوة، إن لم يكن قد رشاها واتفق معها في وقت سابق!

قبل وصول اللجنة بثمانية أيام تعرض مبنى الضريبة إلى حريق هائل، وقد تعاون الموظفون وفي مقدمتهم طلعت أفندي على إخماده بسرعة، ولم تتعرض البناية إلى أضرار كبيرة باستثناء غرفة السجلات التي أكلتها النيران عن بكرة أبيها، ولهذا قدم الوالي شكره إلى الموظفين وفي مقدمتهم الموظف الذي بذل جهدا متميزا في إخماد الحريق، حتى أن نصف طربوشه قد احترق، ومن يومها والحرائق لم تتوقف في بغداد لأسباب مجهولة!

ملاحظة: في تلك المرحلة، لم تكن الكهرباء معروفة في العراق، وإلا لكان (التماس الكهربائي) هو المتهم الأول في إشعال الحرائق!.

التعليقات معطلة