مرت استقالة النائب في البرلمان العراقي السيد جعفر الصدر في وقتها مروراً هادئاً دون إثارة وسائل الإعلام بالشكل المعتاد لحدث مثل هذا في العراق .. ولعل تتابع الأحداث خاصة في تونس ومصر وليبيا والبحرين ، وكذلك الشأن الداخلي ، قلل من أهمية هذا الموضوع الحيوي بالنسبة للإعلاميين وصائدي الأخبار ألا وهو (استقالة نائب) . والسيد الصدر الذي عاش في المهجر بعد استشهاد والده السيد محمد باقر الصدر (قدس) على أيدي الطغمة البعثية في ثمانينيات القرن الماضي عاد إلى العراق ليشارك في الانتخابات النيابية التي ظهرت نتائجها في 732010 ويفوز بمقعد في البرلمان العراقي الجديد .
جعفر الصدر الذي حمل هالة اسم والده وتلقى حب واحترام العراقيين ، تميز بالهدوء والسكينة.. وقلة الظهور في وسائل الإعلام ، مع انه إحيط بالترحيب عند عودته إلى العراق والاشتراك في العملية السياسية . وكان لانضمامه إلى كتلة دولة القانون دفعاً اعتباريا لهذه الكتلة لما يمثله من رمز مهم في حياة الشعب . الغريب في هذه الاستقالة إنها غير متعارف عليها في العراق بحكم الامتيازات المادية التي يتميز بها البرلماني , بحيث ليس من السهولة ان يفرط بها بعد ان حصل عليها بشتى الطرق . بل ان المتعارف عليه أيضا هو الصراع والسعي واللهفة للحصول على مثل هذا المنصب الرفيع .
ولعل قضية استقالة رئيس البرلمان السابق محمود المشهداني وما رافقها من امتيازات مادية في ذاكرة العراقيين . إلا ان السيد جعفر الصدر وحسب ما تشير قضية استقالته إلى انه فوق المناصب وفوق المكاسب وقد قالها بصراحة : “إنا لم اسع للوصول إلى مجلس النواب من اجل الحصول على امتيازات مادية أو معنوية” مما قد يعلق به من أدران السلطة .. وهو موقف ليس اقل أهمية من موقف السيد المالكي عندما تنازل عن نصف راتبه ، في خطوة عملية القصد منها تشجيع الآخرين لاتخاذ خطوات مماثلة لوضع حد للامتيازات ومعدلات في الرواتب لا تتناسب ودخل الفرد العراقي بكل المقاييس ..ما جعل هذا الأمر احد أسباب التذمر في الشارع وموضوع نكتة وتندر في إي مكان يحل فيه العراقيون ويتحدثون عن حسنات وسيئات مجلس النواب . مصدر مقرب من السيد جعفر الصدر قال : ان الاستقالة جاءت كمحاولة لمزيد من الاقتراب من تطلعات العراقيين إلى العدالة الاجتماعية ، والحرية السياسية ، ومكافحة الفساد المزمن الذي ينسف أسس الدولة .
السيد الصدر قال حسب ما نقل عنه ” إني شاركت في العملية السياسية ورشحت للانتخابات البرلمانية في محاولة لخدمة شعبنا وبلدنا , إذ كنت أراقب العمل السياسي من الخارج .. وقررت العمل من داخل العملية السياسية , وكنت آمل ان أقدم شيئاً لشعبنا لكنني لم استطع” يقولها بمرارة , ويضيف ” لقد وجدت تعميقاً للمحاصصات والتكتلات حتى داخل الكتلة الواحدة , والمزايدات, وهناك تهميش وإقصاء داخل الكتلة الواحدة .. وهناك مشكلات كثيرة في ظل وجود تحديات داخلية وإقليمية لم يتم التصدي لها” . إلا ان السؤال الأكثر أهمية في هذه القضية .. هو هل ان تخلي السيد الصدر عن عضويته في البرلمان العراقي ستؤدي إلى نتائج ايجابية ، وهل ستبقى صرخة بوجه كل من حاول تخريب العملية السياسية من الداخل ؟ ..
وهل ان هذا الانسحاب تخلي عن المسؤولية ؟ ..
وترك الركب وسط الطريق .. أم انه شرارة ستفتح النار على البرلمان الذي يحاول ان ينأى بنفسه عن كل ما يحصل في العراق ملقياً اللوم على السلطة التنفيذية ؟ ..
ومع مرور أكثر من أربعة أشهر على الاستقالة ، ولم يحصل شيء مما ذكرنا !!..
الأيام القادمة ستجيب بوضوح بعد ان تتكشف خفايا وأسرار الاستقالة.