أنهى دراسته الإعدادية ثم الجامعية، طالبا مشهودا له بالذكاء والنباهة والتفوق، وها هو يحصل على شهادة طبيب اختصاص في جراحة الجهاز الهضمي، ويلتحق بإحدى المستشفيات الحكومية، ولم تكد تمضي شهور قلائل على مباشرته حتى حظي بإعجاب المشرفين وزملائه القدامى، واستطاع في زمن قياسي ان ينال من الشهرة وذيوع الصيت، ما لم ينله غيره في عقود، ومع حلول السنة السادسة على ممارسته مهنة الطب، بات المطلوب الأول من مراجعي المستشفى.
أما عيادته الخارجية فتعمل بنظام الحجز المسبق الذي قد يمتد الى بضعة أسابيع! ذلك هو الدكتور محمد فهمي، ابن مدينة (الثورة) التي أنجبت الفقراء والمبدعين، كان الرجل شديد التأني في فحص مرضاه ، سواء في المستشفى أم في عيادته الخاصة ويحاول التعرف على تفاصيل حياتهم ومتابعة أوضاعهم الصحية حتى بعد تلقي العلاج، وغالبا ما كان يرفض استيفاء أجور (الكشفية) ولا يتردد عن توفير الدوار على حسابه إذا تلمس عوزا أو حاجة عند مريضه… وقبل هذا وذاك فالدكتور فهمي إنسان منظم، اخضع حياته لجدول زمني دقيق، ساعات محددة للعمل، ومثلها للراحة، وساعات مخصصة لمتابعة الجديد في عالم الطب والثقافة العامة من أدب وتاريخ وفكر وفلسفة، وساعات للمتعة ومتابعة التلفزيون والعروض السينمية والمسرحية وجولات حرة في شوارع بغداد ولقاءات مع أصدقاء .
ذات نهار استدعاه مدير المستشفى وابلغه ان (ديوان الرئاسة الموقر) يطلب حضوره بعد اختياره طبيبا خاصا من أطباء القصر الجمهوري نظرا لكفاءته العالية وسمعته الطيبة، إلا ان الدكتور فهمي اعتذر عن تلبية الأمر الرئاسي بأدب جم، لان تجربته المهنية مازالت متواضعة ، وهناك من هم أكفأ منه وأكثر خبرة. ولم يتحسب بالطبع الى ان مثل هذا الاعتذار على رقته وموضوعيته سيؤدي به الى الفصل من الوظيفة ويقوده الى المعتقل!.
ثلاث سنوات أمضاها في (التوقيف) من غير محاكمة أو قرار أو حكم بالسجن غادر بعدها غرفة الموقف الانفرادية ممنوعا عن ممارسة المهنة، وفي أول فرصة سانحة تهيأت له، هرب الى الخارج، وحصل على منصب رئيس قسم في إحدى المؤسسات الصحية بعد ان وقفوا على كفاءته العالية، وحظي براتب ومخصصات وامتيازات لم يحلم بها يوما، وظل كذلك حتى سقط النظام فعاد الى العراق، وكرمته إدارة المؤسسة بشهادة تقديرية ومبلغ 50 ألف دولار ومركبة حديثة، وأبلغته انه إنسان مرحب به في اي وقت.
عاد الرجل مغمورا بالحنين الى بلده، وقدم أوراقه مع من قدموا ليحصل على حقوقه ويزاول عمله الطبي، وفي اليوم الذي حددته اللجنة لمقابلة المفصولين، حضر الدكتور فهمي، وحضر معه مصادفة شخص آخر من أقاربه كان مفصولا ومحكوما بالسجن سبع سنوات بتهمة السرقة، وأمام اللجنة قدم قريبه كتابا صادرا من إدارة السجن يؤكد انه أنهى محكوميته ، واستطاع الحصول على قرار منها يقضي بعودته الى الوظيفة، واحتساب مدة الفصل لأغراض العلاوة والترفيع والتقاعد كونه مفصولا سياسيا، ولم يكن لدى الدكتور كتاب رسمي من اي نوع، لأنه كان (موقوفا) أما اللجنة فكان بين يديها كتاب صادر عن ديوان الرئاسة المنحل يشير الى تعيينه طبيبا على ملاك القصر الجمهوري، ونظرت إليه نظرة شك ، وسألته ان كان بعثيا وما هي درجته الحزبية…. كان الرجل لا يستوعب ما يرى ويسمع، ولم يرد على أسئلة اللجنة، وغادر مكانه شبه مطرود ومتهم، وحمل حقيبته عائدا من جديد الى البلد الذي احترم كفاءته.!!.

