Pdf copy 1

في عام 1958 ، استقر سكني في حي زيونة بعد ان أمضيت قرابة أربعين سنة – هي مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب- متنقلا بين محلات الكرخ القديمة ،وعلى وجه الخصوص الرحمانية والجعيفر ولم يكن هذا التغيير السكني الحاد، والانتقال من بيئة الى بيئة ، أمراً هينا ولعل الأشهر الأولى بالنسبة لي كانت امتحانا عسيرا .. فقد وجدت نفسي فجأة من غير أصدقاء ولاتاريخ ولامعارف ولامقهى طرف بل ومن دون عادات وتقاليد شعبية ، على ان المصادفة الحسنة خدمتني خدمة لم احلم بها ، إذ لم يكد العام الأول ينصرم حتى انتقل الى الحي نفسه ساكن جديد، وهو الحاج سلمان الصالح الذي كان جارنا في محلة الجعيفر ، وكنا نرتبط معه ومع أسرته بعلاقة ود كبيرة.

صحيح ان بيت الصالح في زيونة ماكان قريبا من بيتي ولكن المهم انه في الزقاق ذاته ، وهكذا استعدت ايام وذكريات ونكهة الكرخ القديمة ، واصبحنا  لانفترق ابدا .. كنت في قمة السعادة لان شخصية الرجل لم تتغير ، فهو كما عرفته منذ زمن بعيد انسان طيب كريم النفس سخي اليد، هادئ لايغضب ، واذا غضب او انفعل أطلق تعليقات غريبة لاندري كيف تواتيه وكيف يبتكرها عابقة بروح الدعابة والنكتة ولكنها مهذبة وليست مؤذية ولهذا كنا نستفزه او “نتحارش” به عن قصد لكي ندفعه الى إطلاق ماتجود به قريحته من تعليقات تثير جوا من المرح والضحك! 

أذكر مرة في عام 1992 – على اغلب الظن ، انه انزعج من ابنه الذي تأخر في الوصول الى البيت واقلق الأسرة ، وكان الولد طالبا في المرحلة الأخيرة من كلية الهندسة فما كان منه وقد اطمأن على عودته وسلامته، إلا ان صرخ في وجهه منفعلا (أنت لو ولد زغير ، بيها باب وجواب بس اشو رجال ومشورب شدعي عليك، الله يعذبك مثل ماعذبتني ويخلي الحكومة تعينك موظف) وقد ضحكنا طويلا وكان ابنه أكثر ضحكا لأن راتب الموظف او الموظفة في تلك المرحلة لايكفي لشراء ربطة عنق او حمالة صدر ، ويمثل مأساة معاشية لاترحم ولهذا ترك ثلاثة أرباع موظفي الدولة دوائرهم وانصرفوا الى القطاع الخاص ، ثم عادوا بعد سقوط النظام الى وظائفهم بصفة مفصولين سياسيين!!  

قبل سنة تقريبا ، تتكرر موقف مماثل معي ، فقد أوصاني الرجل مرات عديدة ان اشتري له كتابا تراثيا في شارع المتنبي ، وعلى كثرة مروري بالشارع وترددي عليه ، كنت أنسى اقتناء الكتاب ، ولهذا ماكان منه ، وقد اعتذرت له في آخر مرة عن إحضار الكتاب بسبب النسيان إلا ان قال لي غاضبا: (تره هذي لاصارت ولاجرت ، الله يعذبك مثل ماعذبتني ، ويخلي الحكومة تعينك رئيس الوزراء متدري على ياصفحة تلتفت !)     

دوت أصواتنا بالضحك واستلقى بعضنا على قفاه ولكن أحدا لم يتجرأ على سؤاله : لماذا إذن يود الجميع ان يصبحوا رؤساء وزراء إذا كان هذا المنصب مؤذيا؟ فقد يكون جوابه غير صالح للنشر!!. 

التعليقات معطلة