على قدر واضح من وجاهة الواجهات المنزلية يقوم بيت الحاجة أم علي ، فهو الأكثر سعة ورفاهية عيش في محلتنا الشعبية الفقيرة، والمحلة هي الجعيفر أما الزمن فينتمي الى أوائل خمسينيات القرن الماضي وكان من عادة هذه السيدة الكريمة مد يد العون للمحتاجين من سكان الطرف حتى إذا حل الشهر المبارك تحول منزلها الى خلية من بنات الطرف لمعاونتها حيث اعتادت ان تهيء كل يوم كمية كبيرة من طبيخ معين ثم توزعه على الجيران قبل مدفع الإفطار بخمس دقائق كما كان من عادتها استقبال نسوان الطرف في بيتها بعد صلاة العشاء وتمضي معهن سهرة ممتعة على اطباق الفاكهة والحلوى والشاي المهيل وحب الرقي وأخبار المحلة ، وكانت تشعر بسعادة عظيمة وهي تسمع إطراء النساء على سخاء يدها وجودة طعامها ولكن سعادتها الأعظم تكمن في الاستماع الى دعائهن ان يحفظ الله ولدها الوحيد الذي رزقت به بعد خمس بنات وليس الذكر كالأنثى!!ِكنا نحن أولاد الطرف بقيادة ولدها المدلل علي نمثل الجهاز التنفيذي المسؤول عن توزيع الطعام على الجيران وكان الطعام الذي هيأته السيدة في ذلك النهار الرمضاني هو ( الحلاوة ) المطيبة بالهيل ،المزينة بمبروش جوز الهند وحبات الفستق الأخضر ومسحوق الجوز العراقي وكانت حلاوة ام علي قد بلغت من ذيوع الصيت في محلتنا ما لم يبلغه مكتشف الكهرباء توماس اديسون !!
قبل خمس دقائق وعلى عادتنا اليومية بدأنا مهمة التوزيع، في أيدينا صحون الحلاوة وفي عيوننا فستقها الأخضر ، وفي أعماقنا شيطان يزين لنا المؤامرة والمؤامرة لن تنجح الا بموافقة القائد ومباركته وسرعان مااكتشفنا ان قائدنا لا يعارض ولكنه يطلب منا عهدا على ان يبقى الأمر سرا وعاهدناه عهد الرجال الأوفياء واقسمنا بشرفنا الرفيع على ان نكون عند حسن الضن وما هي الا رمشة عين وقبل ان يرتد الطرف الينا حتى تركنا الصحون صحراء جرداء لا خبر فيها للحلاوة ولا اثر وفعلنا مع الوجبة الثانية ما فعلناه مع الوجبة الأولى وانتهت مهمتنا على خير من دون ان يرانا احد او نترك أثرا للجريمة !في المساء وكما جرت العادة انعقد مجلس النساء وكنا نحن أفراد العصابة نرافق أمهاتنا طمعا في ( نمنمات ) أم علي الليلية وطالت الجلسة ونفدت الأحاديث من دون ان تأتي أحداهن على ذكر الحلاوة ، ولهذا عمدت السيدة الى ذكائها وتوجهت إليهن بسؤال (ظاهره بريء) ان كانت الحلاوة قد أعجبتهن؟ وكان ذلك السؤال بمنزلة القنبلة المدوية في سكون الليل إذ ما كان من النسوة جميعهن إلا الإنكار والعتب لان الحلاوة لم تصل إليهن !!
وقع المحظور وقرأنا الغضب ينهمر من عيني السيدة الطيبة كانت تدور فوق رؤوسنا تبحث عن المجرم الحقيقي وبسرعة لافتة للنظر تخلينا عن شرفنا وعهدنا واعترفنا بلا أكراه او تهديد على يد قائدنا المدلل أما نحن فأولاد ملائكة من نسل ملائكة ،وحملناه وحده وزر الجريمة ، والمسكين يتفرج مندهشا ان يكون رفاقه أنذالا الى هذا الحد !!ضحكت أم علي وضحك الاتحاد العام لنسوان الجعيفر وتعالى الضحك بطريقة غير مسبوقة ، ومضى الحادث بسلام إلا ان السيدة الكريمة لم تعد تأتمن أحدا منا على صحونها الرمضانية وخاصة إذا كانت صحون حلاوة !!

