تعد الأزمة مع الكويت واحدة من اخطر التحديات التي تواجه البلاد والمنطقة، وتحتاج للمزيد من الحكمة والتعقل لإيجاد حلول منطقية بطرق لا يكون بينها إراقة الدماء وزهق الأرواح وهدر الاموال، ومازالت أبواب الحل متوافرة أمام العقلاء في كلا الطرفين لقطع الطريق على المتطرفين.!
ولكي نتوصل لتلك الحلول المنشودة لابد من التعرف الصحيح لجذور تلك المشكلة والمخاوف التي رافقتها عبر التاريخ المعاصر، ولعل أولها وفي مقدمتها سياسات الدول الكبرى التي كانت ومازالت تزرع عوامل الأزمات وتضع الاسافين بين البلدان وهي ترسم الحدود وتنصب الحكام في إطار نظرياتها التقليدية «فرق تسد» والخروج من الباب والعودة من الشبابيك، ومصداقية ذلك ما جرى في اتفاقية سايكس بيكو من تقاسم النفوذ في منطقتنا العربية والشرق الأوسط وزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، ويستكمل السيناريو الغربي بحزمة من السياسات الخاطئة للحكام العرب المتسلطين مع غياب شبه مطلق للإرادة الشعبية لغياب الديمقراطية وتسلط نظام الحاكم الأوحد والحزب الواحد او القبيلة والعائلة.
ما يجري الآن هو حصيلة الاستعمار الجديد الذي جعل حدود العراق رخوة مع جيرانه وبسبب الحروب الطائشة فتح النظام السابق شهية الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا للعودة إلى المنطقة لتسليحها والهيمنة على نفطها، بل احتلالها المباشر، والغريب ان الأمور كلها تؤطر بقرارات أممية من المنظمة الدولية وغطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان وحسن الجوار، ولعل اخطر ما رسم للعراق وحتى للكويت من مخطط مشبوه هو القرار 833 الذي رسم الحدود ومنح حقوق للكويت وانتزع استحقاقات عراقية بالقوة مما جرده من سيادته وسلب سيادته وجعل حكام الكويت يتصرفون بعنجهية، معتقدين بان ذلك خيرا لهم وان امريكا ستواصل حمايتهم واستمرارهم بإبقاء العراق أسيرا للعقوبات الدولية وللفصل السابع ودفع التعويضات غير الشرعية، وهذا الأمر يشكل عند الرأي العام العراقي خنجرا في الخاصرة او علاماته إنشاء ميناء مبارك الذي يعبر عن استفزاز لا مبرر له إطلاقا، بل تأكيدا لسياسة الدول الكبرى في ابتكار الأزمات.
ولعله من مصلحة الكويت قبل العراق لتنام الجارة الصغيرة مطمئنة آمنة هو العودة لترسيم الحدود في إطار عقلية حسن الجوار وليس من منطق فرض شروط المنتصر على المنهزم في الحرب وتحت تهديد العصا الغليظة كما حدث مع صدام، ولابد من إسقاط القرار الجائر 833 لأنه جوهر الابتلاء ولابد لكل العراقيين توحيد خطابهم إزاء هذه القضية وطرق أبواب مجلس الأمن الجائر لإسقاط هذا القرار بكل السبل المتاحة الآن ولابد من تحركات دبلوماسية وشعبية وإعلامية لإقناع الرأي العام الكويت للتخلي عن هذا القرار الانتحاري والبدء بحوار بناء للخروج باتفاقية مشرفة تضمن حقوق كل الأطراف، فالعناد وفرض الأمر الواقع سيستنزف كل الطاقات وهذا ما تريده الأطراف الطامعة بالمنطقة وثرواتها.
ليعلو صوت العقلاء في كلا البلدين لإسقاط القرار التعسفي 833 الذي عاقب الشعب العراقي بدلا من النظام السابق وزرع الفتنة بين البلدين… فهل سنسمع هذا الصوت أم نترك الأمر لنقيق الغربان ونداء المتطرفين والمتصيدين بمياه الخليج التي تلوثت بهذا القرار الجائر؟

