Pdf copy 1

رحب الصديق علي الدراجي (رئيس مجلس الادارة) ، ترحيبا حارا بالمقترح الذي تقدم به رئيس التحرير ، الزميل حسن كامل ، والقاضي بايفادي الى جمهورية (الاكواغولا) في مهمة سياسية ، الهدف منها كتابة تقرير مفصل عن طريقة اختيار الوزراء ، ومع انني توجهت بالشكر العظيم الى الرجلين على ثقتهما العالية واختياري لهذه المهمة ، ولكنني اعتذرت عن هذا التكليف لسبب منطقي لا يحتمل الجدل ، فانا احمل شهادة الماجستير في الفيزياء الصوتية من الجامعة الاميركية في بيروت ، بينما المهمة ذات طابع سياسي مئة بالمئة ، الا ان اعتذاراتي جميعها باءت بالفشل ، وهذه محنة تعاني منها بلدان العالم الثالث ، لان عليك ان تنصر صديقك ظالما او مظلوما ، ولكن المحنة الاصعب حين تعمل معه في مكان واحد ، لانه باسم الصداقة والميانة قد يدوس في بطنك ، وقد يأكل حقك من حيث لا يقصد ، وقد يكلفك بما لا طاقة لك به ، وقد تموت على يديه من الكبت والقهر ، وأنت ساكت لا يحق لك ان تعترض أو تفتح فمك كما تقضي اعراف الصداقة !! أمري الى الله ، حزمت حقائبي وتوجهت برا ولم اسلك طريق الجو المختصر والمريح لان اجور نقله عالية ، ومبلغ الايفاد الذي صرفه لي الصديقان العزيزان على قلبي ، كان اشبه بالعقوبة ، فهو لم يجبرني فقط على عدم ركوب الطائرة ، بل اجبرني كذلك ان اعيش مثل القرود على الموز لانه ارخص اكلة شعبية ، وهكذا وصلت بعد 4 ايام من السفر المتعب الى هذه الجمهورية الافريقية التي نالت استقلالها حديثا ، ومنذ وصولي وانا أعمل بدأب ومثابرة ارضاء لضميري واكراما للصديقين العزيزين ، ونجحت في اقامة علاقات واسعة مع منظمات المجتمع المدني وبعض الشخصيات الفنية المتميزة ، وبخاصة راقصة الفرقة الوطنية للفنون الفولكلورية ، ولكن اهم نجاح حققته ، هو انجاز المهمة التي اوفدت من اجلها ، فقد اكتشفت ان لديهم طريقة فريدة في تعيين الوزراء ، (بالمناسبة ليس لديهم سوى 7 وزراء ، لان الجمهورية صغيرة ولا يزيد تعداد نفوسها على مليوني نسمة) ، ويطلقون عليهم اسم (الوزراء المعلمون) ، وهو اسم غريب الى حد ما في تقديري ، وربما غير مطروح في اية تجربة اخرى ، ويقصد بهذه التسمية ، ان الوزير مثل معلم المدرسة الابتدائية تماما ، فكما يقوم المعلم بتدريس اللغة والرياضيات والتاريخ والرسم والعلوم والنشيد والجغرافية ، واية مادة تسند اليه بحسب الحاجة ، فان الوزير لديهم يمكن ان يتولى اية وزارة ، وقد صادف في اثناء وجودي هناك ان تم نقل وزير التموين (وهو خريج معهد التمريض) لتولي حقيبة الحرب ، فيما تولى وزير الحرب (وهو خريج معهد الفندقة) وزارة التموين ، ومن هنا فان الاختصاص لا يؤخذ بنظر الاعتبار ، كما ان ابدال وزير في الحكومة – عند فشله – بوزير من خارج الحكومة غير وارد ، بل يصار الى تكليفه وزارة أخرى!.

الحقيقة كنت سعيدا بالمعلومات السياسية الجديدة التي توصلت اليها حول مفهوم (الوزير المعلم) ، ورفعتها في تقرير مفصل الى الزميل حسن كامل ، الذي ما كاد يطلع عليها ، ويصغي الى حماستي ولغتي الانشائية وانا اباهي بالنتائج المبهرة التي اكتشفتها ، حتى استلقى على قفاه من الضحك ، وانا مثل الاطرش بالزفة ، الى ان قال لي:”يبدو انك تجهل بان هذه التجربة مطبقة عندنا منذ ثماني سنوات !!” ، كنت في غاية الحرج والارباك حين جاء الصديق علي الدراجي مسرعا على صوت الضحكة المدوية ، وعندما وقف على التفاصيل ، لم يضحك ، ولم يعرضني الى الحرج والارباك ، ولكنه قال لي: “الجريدة أعطتك 600 دولار مبلغ الايفاد ، وسوف نتولى استقطاعها من راتبك بواقع 100 دولار كل شهر لانك فشلت في انجاز المهمة و ..” ولعل ما لا يصلح للنشر وما خفي كان أعظم ، ولهذا امضيت خمسة عقود من حياتي الصحفية وانا اتجنب العمل مع الاصدقاء ، ولكن ما باليد حيلة ، فهذه هي مشيئة الحظ .. مع الأسف.!!

التعليقات معطلة