يذهب العاملون في حقل اللغة ، ان مفاهيمنا للمفردات المستعملة في حياتنا اليومية ، تتباين من ( بيئة ) الى أخرى ، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ، ان نظرة المدينة الى ( الكرم ـ الشرف ـ الضيافة ـ القانون ـ الشجاعة … الخ ) هي غير نظرة الريف إليها ، وهي كذلك غير نظرة سكان الصحراء او الهور او الجبل، الا ان التباين الأكبر في مدلول المفردات يتمثل في العصور والأزمنة والمراحل ففي خمسينيات القرن الماضي مثلا ، كانت كلمة ( الوطني ) تشير الى معنى بعيد عن معناها الحالي ، وخير دليل على ذلك ، اننا قتلنا نوري السعيد بطريقة ثأرية صبيحة 14 تموز 1958 ، لأنه بناء على مفاهيم تلك المرحلة كان ( عميلا ) للغرب ، يتحالف معهم ، ويعقد الاتفاقات ( السرية ) ، ولكن مدلول العميل لم يعد كذلك في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ، حيث قمنا نحن قتلة عميل الغرب ، بدعوة القوات الغربية بعظمة لساننا الى احتلال العراق ، ورحبنا بهم وصفقنا لهم ، وأكلنا وشربنا والتقطنا الصور التذكارية معهم ، وقامت بيننا وبينهم عشرات الاتفاقيات ( العلنية ) وفي وضح النهار ، ومع ذلك بقينا مرفوعي الرأس ، وظل برلماننا وطنيا وحكومتنا وطنية ، ونقطع لسان من يتهمنا بالعمالة وذلك هو حكم التطور والزمن والمرحلة !

واحدة من أكثر المفردات التي استوقفتني لكثرة تقلباتها ، هي كلمة ( مليونير ) فقد كان هذا الوصف في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي اقرب ما يكون الى وصف مجازي ومفردة خيالية استعملتها الناس للتهويل والمبالغة ،وانا شخصيا لا اعتقد ان هناك أسرة عراقية تمتلك مليون دينار يومها واغلب الظن ان من يمتلك في حينها ستة آلاف دينار او سبعة الاف او عشرة ألاف في الحد الأعلى،   هو المقصود بالمليونير ، اذا ما علمنا ان الالف دينار كانت قادرة على شراء قصر رئاسي ومركبة حديثة وبذلك فان المليون يسمح لصحابه ان يشتري المنطقة الخضراء والسفارة الأمريكية !

حافظت كلمة مليونير على هيبتها حتى ثمانينيات القرن الماضي عندما بدأ صدام حسين يفقدها هذه الهيبة شيئا فشيئا لعدة أسباب منها تصاعد نوبة ( التكريمات) الحادة وتوزيع الأراضي والمركبات والاموال الي اصبحت منذ التسعينيات بلغة الملايين وبات من اليسير جدا الحديث ليس عن مئة مليونير عراقي بل الف او عشرة الاف مليونير او اكثر جلهم من الحاشية المقربة ، ثم سقطت هذه المفردة المدهشة سقوطا مروعا بعد رعام 2003 على يد الحواسم ابتداء مرورا بالفساد المالي والسطو على المصارف والعقود الوهمية وانتهاء بالرواتب الفلكية لشريحة واسعة من كبار موظفي الدولة ( رئاسات ، نواب ، وزراء ، وكلاء ، مستشارين  ، سفراء ، … الخ ) ، وهكذا لم تعد مفردة مليونير تثير حساسية الفقراء ، بعد ان طغت على السطح كلمة (مليادير ) وهذه المفردة الجديدة قادت بالضرورة الى تغيرات جديدة في عدد من المصطلحات المعروفة من ذلك مصطلح ( تحت خط الفقر ) الذي اصبح او سيصبح في القريب العاجل إشارة الى اي موظف يبلغ راتبه الشهري مليون دينار فقط  خاصة بعد مساعي الدولة الحثيثة لاجتثاث البطاقة التموينية وهذا يعني على المستوى (الشرعي)ان هؤلاء الموظفين تحل عليهم الصدقة لو استمر هذا الانفجار السكاني لأصحاب المليارات مقابل اضمحلال القدرة الشرائية للمليون كما يعني على المستوى ( القانوني ) ان هؤلاء الموظفين يحق لهم رسميا تسجيل أسمائهم لدى شبكة الحماية الاجتماعية في ( العلن ) ومن دون الحاجة الى تزوير المستمسكات للحصول على رواتب الشبكة في ( السر) اما على المستوى ( الإداري ) فيعني ان الشبكة ستكون مسؤولة عن رعاية الأرامل والأيتام والموظفين !!.

التعليقات معطلة