انقطعت عن ارتياد المقهى منذ سنتين تقريبا، ولزمت بيتي متفرغا للعبادة والاستغفار، ولم اغفل في كل صلاة عن دعوة الله سبحانه وتعالى ان يهدي المسؤولين ويحنن قلبهم، علهم يلتفتون ولو بنصف عين الى المتقاعدين الذين ستكون لهم وقفة قاسية معهم يوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا سلطان ولا أفراد حماية!.
قبل أسبوعين قررت الذهاب الى المقهى ولقاء أصدقائي الذين اشتقت إليهم من دون التفريط بطقوس عبادتي، وكنت سعيدا لأن (الشلة) موجودة بأكملها، وكان الأصدقاء أكثر سعادة بعودتي، ولأن المكان ذو صفة عامة، فقد كانت ترتاده على الدوام وجوه غريبة أو جديدة، ولعل أطرف تلك الوجوه التي انضمت الى شلتنا وعرّفني الأصدقاء إليها، شاب مرح خفيف الظل كثير الأسئلة والاعتراضات وقد أدركت من أول جلسة معه، إنه شخصية غريبة الى حد ما، فهو لا يتابع ما تبثه الفضائيات أو تنشره الصحف من أحداث وأخبار، ومع ذلك يدافع عن الحكومة أكثر مما تدافع هي عن نفسها، وقد أخبرني أحد الأصدقاء همسا وهو يضحك (ان شلتنا تدعوه رجل الحكومة غير المناسب) لأن الحكومة على حد تعبيره، تقرّ أحيانا بأخطائها، وتعد الناس بتجاوزها، أما هو فيرفض حتى الاعتراف بأخطائها ويحاول تبريرها بمئة وسيلة وحيلة !.
في اليوم الثاني وأنا جالس مع الشلة، وكان حديثنا حول النائب صباح الساعدي وملابسات قضيته. حضر رجل الحكومة وأستمع الى نهاية الحوار، وثناء بعضنا على شخصية الساعدي – ولم يكن على علم بالشكوى ومذكرة إلقاء القبض – ولذلك تحدث طويلا عن النائب وكيف وقف ضد النظام الدكتاتوري السابق، وكيف تعرض للأذى. وكيف تعاون مع الحكومة وساعدها في الكشف عن ملفات الفساد والمفسدين، ثم تمنى لو ان أعضاء البرلمان جميعهم تحلوا بشجاعة هذا النائب المستقل، وباختصار قال كلاما جميلا بحقه لو أراد الساعدي ان يقول عن نفسه قبل الانتخابات لعجز عن ذلك، حتى إذا انتهى فاجأه أحد الحضور بأن هناك دعوى قضائية من رئيس الحكومة مرفوعة ضد الساعدي، وهناك مذكرة إلقاء قبض بحقه.. وفي الحال، ومن دون تردد قال رجل الحكومة: أنا واثق ان تهمة النائب تمت على وفق المادة (4) وكنت أتوقع ذلك، فالمعلومات المتوفرة عندي، وهي مؤكدة، ان الساعدي كان يعمل سرا مع فدائيي صدام، وظهر أخيرا انه مشمول باجتثاث البعث، واغلب الظن ان له علاقة خفية بتفجيرات كربلاء !.
استمعنا إليه بصمت، ولو لم نكن على دراية تامة بشخصيته الغريبة، لأخذنا الشك الى حد اليقين، ان الساعدي ان لم يكن زعيم دولة العراق الاسلامية، فهو أمير بارز من أمراء القاعدة، ولذلك لم نعلق على كلامه، ولم نعترض، وكتمنا ضحكات مؤجلة، فالحذر واجب أمام رجال الحكومة، حتى لو كانوا من أقرب الأصدقاء !!.

