Pdf copy 1

زميلتي إنعام عبد المجيد (لا يقصد بها مقدمة البرامج المتألقة على قناة الفيحاء)، مهووسة بالأرقام منذ تعرفت عليها أيام الدراسة الجامعية في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، ومع انه مضى على تخرجنا أكثر من أربعين سنة، إلا أنها لم تتخل عن هوسها الذي تحول الى حالة مرضية يصعب شفاؤها! 

السيدة عبد المجيد كانت ومازالت أسيرة الهواية الرقمية، فيوم كنا طلبة في الجامعة، عمدت الى فتح سجل ضخم في بيتها، تدون فيه الصغيرة والكبيرة من مفردات حياتها الخاصة والعامة وكل ما يحيط بها أو يصادفها من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، عدد طلبة الكلية والأستاذة والقاعات والكراسي والمصابيح، وعدد الصفحات التي يتألف منها كتاب (المعلقات السبع)، وعدد الأبيات الشعرية لكل معلقة وعدد كلماتها والشيء نفسه مع (ألفية ابن مالك) وكتب المنهج الأخرى ولم يفتها تدوين عدد الأشجار على جانبي الطريق بين الكلية وبين منزلها وكذلك أعمدة الكهرباء والدكاكين والمطاعم والشحاذين.. الخ ان كل ما تقع عليه عيناها يتحول الى أرقام وأعداد تكتبها على أوراق صغيرة، ثم تنقلها الى السجل، ومع الأيام بات لديها 19 سجلا من الحجم الكبير، قبل ان تتحول الى حافظة الكومبيوتر، والأمر الغريب في هذا كله، أنها تدرك جيدا مثلما ندرك، ان هذه الهواية في أحسن أوصافها، لا تضر ولا تنفع، غير أنني من باب المصادفة فقط، اكتشفت ان هذا الهوس يمكن ان يمثل خزينا معرفيا نجهل قيمته، ففي آخر مرة زارتنا فيها الى البيت بصحبة زوجها، تبادلنا أطراف الحديث ووقفنا طويلا عند أزمة السكن، وجهود الدولة منذ ثماني سنوات لحل هذه المشكلة وكنا أنا وزوجتي وزوجها نناقش هذا الموضوع بكلام عام لا يخلو من لغة إنشائية حول حاجة البلد الى آلاف الوحدات السكينة وتأثيرات هذه الأزمة على ارتفاع الإيجارات وعرقلة مشاريع الزواج، وغير ذلك من أحاديث عائمة تفتقر إلى الدقة إلا أن القضية لم تكن كذلك بالنسبة لها، فقد قالت ما معناه: ان الإحصائيات التي معي تفيد بان نفوس العراق الآن هو 35 مليونا و714 الف نسمة، الموجود منهم فعليا على ارض الوطن هو 31 مليونا و971 ألف نسمة يحتاجون الى قرابة 5،5 ملايين وحدة سكنية بواقع 6 أشخاص لكل وحدة، وعدد الوحدات القائمة حاليا هو 4،6 ملايين وحدة منها 1,6 مليون وحدة غير صالحة للسكن، وبهذا فان العراق يحتاج الى 2,5 مليون وحدة، وبما ان الدولة أعلنت عبر الثماني سنوات أنها ستبني 6 ملايين وحدة فان الزيادة ستصل إلى 3,5 ملايين وحدة سكنية فائضة عن الحاجة، ويكون البلد والحالة هذه ليس فقط أغنى بلد نفطي بل أغنى بلد عقاري على مستوى العالم وستتفوق وارداتنا من العائدات العقارية على وارداتنا من النفط، ولكن المسألة التي تؤرقني على حد تعبيرها (من سيؤجر ثلاثة ملايين و500 ألف وحدة سكنية بمقدورها استيعاب 21 مليون نسمة أي أكثر من نصف سكان العراق!؟) ولأنها أتعبت رأسي بأرقامها المزعجة قلت لها مازحا سنقوم بتأجيرها لأصدقائنا الأتراك والإيرانيين وأشقائنا السعوديين والكويتيين والسوريين، وما علينا سوى تغيير المسميات فنقول ونحن مرفوعو الرؤوس (قوات الإيجار متعددة السكن) بدلا من التسمية القديمة (قوات الاحتلال متعددة الجنسية) التي قد تثير حساسية البعض وبذلك نستطيع التعايش معهم بسلام. وهذا بالتأكيد أفضل من دخولهم البلد بجوازات سفر مزورة وأحزمة ناسفة!! الغريب ان مزحتي حظيت بترحاب الجميع، ولم يعترض احد على هذا الوضع الجديد. وكأن الاحتلال الإيراني والسعودي لبلادنا يختلف عن الاحتلال الأمريكي!! 

التعليقات معطلة