مدن تحت المدن، وشوارع خلف الشوارع، وبيوتات لا تحمل من معنى بيت، سوى الاسم. أطفال يحملون عبء البراءة على ظهورهم الغضة، لعبتهم الطين، وملاعبهم مياه آسنة مسورة بالبرد القارس أو القيض المرسل من شمس لا ترحم. ورجال جل همهم رغيف خبز يتسربل من بين الأنامل المخشوشنة بفعل ملامسة الحجر القاسي، وقلق من اليوم والغد الذي لا يحمل سوى ملامح الجوع والعوز والتشريد. ونساء لا يعرفن من ترف الأنوثة سوى لهب نار التنور وأدخنة المواقد التي تلوك ما يشبه الطعام.

هذا هو المشهد المتكرر في المدن التي تحت المدن، مدن من الصفيح وأخرى من الطين واللبن، سقوفها من قصب البردي أو من حطام أثاث المرفهين، وسكانها لا يعرفون ما يجري حولهم لأنهم مشغولون بتدبير رغيف الخبز.

إنهم المهمّشون في الأرض.

في كل مدن العالم، المتطور منها والمتخلف وما بينهما، لا أحد يحسب لهم حساباً، إلا عندما يحين وقت الانتخابات، فهم في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط، متساوون مع الجميع، لأنهم صوت، أو لأكون أكثر دقّة، مجرد رقم، لكنه مهم في ترجيح كفة مرشح على حساب كفة آخر، ولذا يتذكرهم السياسيون وسماسرة الدعايات الانتخابية، يغدقون عليهم بالوعود بغد مشرق يحول بيوتاتهم المتهاوية إلى قصور، ويحتضن أطفالهم في روضات ومدارس متميزة، ويوفر لهم بدلات أنيقة تمهيداً لزجِّهم بوظائف تليق بهم كمواطنين من الدرجة الأولى، ولنسائهم وعود بعطور الشانيل وفساتين ديور.

ولأن سماسرة الانتخابات في مدننا أكثر واقعية من أترابهم في مدن العالم المتطور والمتخلف وما بينهما، فأنهم يحملون لهؤلاء المهمشين في مدنهم التي تحت مدننا، البطانيات والصوبات النفطية وأكياس الاسمنت مقابل شراء أصواتهم، ولأنهم لا يعرفون الثمن الحقيقي لهذه الأصوات، يبيعونها بالجملة مقابل كسرة دفء، وحلم يعلمون علم اليقين انه لن يتحقق، لكنهم بحاجة لهذا الحلم الذي يسرقهم لبعض الوقت من دوامة البحث عن رغيف الخبز.

بالأمس، عرضت إحدى الفضائيات مشاهد عن إحدى مدن المهمشين، وأجرت لقاءات مع بعض قاطنيها، كان الفزع يطل من بين حدقات عيونهم، فهم هذه المرة ليسوا مهددين برغيف الخبز أو بتسونامي البرد الذي أجتاح العراق خلال الأيام الماضية وحسب، بل مهددون بطردهم من بيوتاتهم التي لا تشبه البيوت إلا بالاسم فقط، ورميهم بالعراء لتكتمل حلقة معاناتهم، ويواجهون غول الحياة مجردين حتى مما يشبه السقف أو الجدار، أليس هذا اغتيالاً مع الترصد وسبق الإصرار؟

ترى أيعلم هؤلاء المهمشون شيئاً عن الكومبيوتر والانترنت؟ أيعلمون بوجود الدش والستلايت وأجهزة التلفزيون المسطحة؟ أيعرفون شيئاً عن المايكرويف والغسالات الاوتوماتيكية والاغطية المدفأة كهربائياً؟ الجواب حتما سيكون لا.. وهذا الجواب يولد سؤالاً أكثر خطورة من الأسئلة الماضية وهو: لم لا؟

إذا كان السياسيون وسماسرة الانتخابات يقايضون حياة هؤلاء المهمشين بأثمان بخسة، لأنهم لا يعرفون القيمة الحقيقية لأصواتهم، فإن دور الإعلام والمثقفين ليس الدفاع عن حقوق هؤلاء وحسب، بل الواجب الأهم هو تعريفهم بحقوقهم كمواطنين وكيفية انتزاعها من براثن الفاسدين والمفسدين، كي ينتقلوا من صفة المهمّشين إلى صفة الفاعلين المتفاعلين مع المجتمع وتنتهي مرحلة صمت الحملان.

التعليقات معطلة