مع ان نوم ليلة هانئة واحدة لا تعكرها أخبار الفضائيات حول جريمة إرهابية قذرة تستهين بدم الأبرياء، او تصريح لهذا المسؤول او النائب يثير الفزع في النفس، وينذر بما لا تحمد عقباه ، بات واحدا من أماني العراقيين التي تضاف الى أمانيهم المؤجلة، إلا أنهم عن ذلك بالقيلولة وهي إغفاءة ما بعد الظهر، وبذلك أصبحنا اول شعب في تاريخ البشرية يقلب موازين الطبيعة وهو يسهر الليل وينام النهار!
وما دمت من أبوين عراقيين بالولادة، وامتلك بطاقة تموينية تعاني من نقص حاد في مفرداتها، وهو الأمر الذي يعزز نقاوة دمي العراقي، فإذن لا أنام لا أنام من كل 24 ساعة سوى 3 ساعات بعد الغداء، وبناء على هذه الوقائع الموضوعية، فقد تحولت كوابيسي الليلية الى كوابيس قيلولية، كان آخرها الذي داهمني الأسبوع الماضي، حيث رأيت فيما يرى النائم رجلا عملاقا سريع الانتقال والغضب، ولكنه شديد العفو والتسامح، يرتدي زيا شعبيا عراقيا ، ويتحدث بلهجة بغدادية أصيلة لا تشوبها لكنه أعجمية، وهو يقف مرفوع الرأس، فيما كان يجلس في مواجهته قرابة 5 آلاف شخص، ليس فيهم ولا بينهم احد، إلا وقد علت ملامحه آثار الترف والنعمة والنغنغة، وقد أدركت بعد خطابه الرقيق، أنهم يمثلون بعض كبار المسؤولين عن سياسة البلد وحاضره ومستقبله ، وحين انتهى من مجاملات التحية والثناء على الجهود والتضحيات الجسام التي بذلوها لخدمة الوطن والمواطنين، اخبرهم بنبرة يشوبها الحزن ، ان العراق يواجه مرحلة اقتصادية صعبة بسبب مشكلات عالمية اثرت تأثيرا سلبيا حادا على صادرات العراق النفطية، وهو الأمر الذي سيؤدي الى التراجع الكبير في عمليات الاعمار وتقديم الخدمات، وربما تضطر الدولة الى تخفيض 50% من رواتب الموظفين، ولهذا رأينا ان الحل الأمثل هو ان (تتنازلوا) عن رواتبكم ومخصصاتكم لمدة شهرين فقط، وبناء على ذلك أيها الحضور الكرام، أصحاب الفخامة والمعالي والسيادة، فان من يوافق على هذا الحل يبقى في القاعة لكي يوقع استمارة التنازل، ومن يرفض يغادر القاعة رجاء، والقرار غير ملزم وانتم أحرار في القبول او الرفض!! وقبل انصرام الدقائق الخمس الأولى، وبعد مشهد مثير من التدافع بالأيدي والأكتاف، حتى سقط بعضهم أرضا وتعرض للكدمات، لم يبق في القاعة غير 50 شخصا، قسم منهم كان مترددا بين البقاء أو المغادرة، عندما طلب الرجل العملاق استدعاء الذين غادروا القاعة، وحين التأم شمل الجميع خاطبهم قائلا: (أيها السادة الافاضل حماة البلد .. معذرة لهذه المزحة الثقيلة ، انها دغدغة طريفة من دغدغات الكاميرا الخفية) وفيما ضحك الجمهور من أعماقه، فان الخمسة آلاف مسؤول، تنفسوا الصعداء ، وشعروا بسعادة غامرة! الغريب أنني استيقظت من القيلولة وجسدي يهتز ضحكا بحيث استغربت زوجتي ، لأنها لم تعهدني اضحك حتى في أحلامي .