من هو (العربي)؟ سؤال أرقني منذ سنوات بعيدة، وعلى كثرة ما افترضت إلا انني لم أصل الى إجابة مقنعة، فهل الأمر يتعلق باللغة أو السكن أو الشعور أم النسب؟ أم أن العربي هو كل من يتحلى بالكرم أو الشجاعة وحسن الضيافة؟ وكلما أستقر رأيي عند هذه الصفة أو تلك واخضعتها للنقاش الموضوعي، خطأ ما ذهبت إليه.

على أية حال، حصل ذات وقت قريب، أن كنت اتابع حوارا على إحدى الفضائيات ، حيث استضاف مقدم البرنامج شخصيتين معروفتين، ولكنهما متعارضتان في وجهة النظر حول القضية المطروحة للنقاش، وقد تولى مقدم البرنامج التعريف بضيفيه على النحو التالي (أرحب بالدكتور جابر، الأستاذ في جامعة كذا، وهو علم من اعلام الفكر والثقافة، وقد صدرت له ثلاثة مؤلفات، هي كذا وكذا وكذا)

ثم التفت الى الشخصية الثانية (كما أرحب بضيفي الآخر، الدكتور مراد) ولكوني أعرف الدكتور مراد جيدا، فهو أستاذ في واحدة من أرقى الجامعات، وعضو المجمع العلمي العربي، ورصدت له 4 مؤلفات في العلاقات السياسية الدولية، و3 مؤلفات في حقل الفلسفة، زيادة على كتاب في جزءين حول آثار الغزو المغولي، فقد تصورت إن المقدم يجهل هذه المعلومات ولهذا غمط حق الرجل في التقديم!

كان السؤال الأول من نصيب الدكتور جابر الذي تحدث قرابة 7 دقائق، حتى إذا انتهى من كلامه، توجه المقدم الى الدكتور مراد (أستاذ ما تعليقك على ما قاله الدكتور جابر؟) ، رد عليه (أنا احترم ما ورد في حديث زميلي من أفكار، ولكن هناك ثلاث ملاحظات جوهرية يرفضها المنطق العلمي، أولها…) وقاطعه المقدم (أستاذ عن إذنك… سنذهب الى فاصل اعلاني ثم نعود) وحين انتهى الفاصل، قال المقدم (أستاذ مراد… ورد الان على خاطري سؤال مهم، اتوجه به الى الدكتور جابر، وسأعود الى ملاحظاتك لاحقا) ، وطرح السؤال على الدكتور جابر الذي أفاض بالشرح واستغرق قرابة تسع دقائق، حتى إذا انتهى، التفت المقدم الى الدكتور مراد، وسأله عن رأيه من افكار، فرد عليه (أود قبل ذلك أن اصوب لزميلي جملة من الأخطاء التاريخية، فهو لم ينتبه الى اعوام الحوادث التي استشهد بها، ونسب أقوالا الى غير اصحابها، كما أنه) وقاطعه المقدم (في الحقيقة هناك قضية ساخنة تستحق التوقف، سنرى وجهة نظر الدكتور جابر فيها، ثم أعود إليك!) 

وتحدث الدكتور جابر ما طاب له من الوقت، وفجأة نظر المقدم الى ساعته وقال (كان بودي مواصلة هذا الحوار الممتع، ولكن الوقت ادركنا مع الأسف، شكرا لضيفي الكريمين) وصرخت بفرح غامر (الان عرفت من هو العربي، حاكما أو محكوما أو مقدم برامج، إنه من يسمع ما يناسبه فقط، ولا يصغي الى كلام الآخر ، حتى لو كان من ذهب) وقفزت من مكاني وطبعت قبلة على وجه المقدم ـ حتى ظنت زوجتي بي الظنون ـ فقد أجاب عن  سؤال حيرني  العمر كله!!  

التعليقات معطلة