إكرام الميت دفنه. الأرض تحفظ وديعتها. وغيرها، العشرات من المقولات التي تختزل قيما إنسانية في بضع كلمات، تبرز العلاقة بين الأحياء والأموات.

الحروب بين الدول، أفرزت ظاهرة المقابر الأجنبية. وفي معظم البلدان العربية، ثمة مقابر بريطانية أو تركية أو لدول أخرى، نتجت عن الحروب التي شهدتها المنطقة، ولاسيما الحربين العالميتين، الأولى والثانية.

 واذكر، إنني ترعرعت في بيت جدي الذي يتوسط المسافة بين المقبرة العثمانية والمقبرة البريطانية. والمقبرتان حصيلة معركة طاحنة دارت بين الجيشين البريطاني والتركي، يقول كبار السن أن الأرض التي شيّد عليها منزل جدي والمنازل المجاورة، كانت ميدان تلك المعركة الطاحنة، وفي فصل من رواية لوالدي لم تنشر بعد، يتحدث عن أكداس الجماجم والعظام البشرية التي أخرجتها الحفارات العملاقة من الشارع الممتد أمام البيت، حين كانت تمد أنابيب المجاري العملاقة مطلع سبعينات القرن الماضي.المقبرة البريطانية، حديقة غناء، تداخلت فيها الزهور مع شواهد القبور، ينتصب في وسطها قبر مود الذي يعتليه سيف طويل وصليب أطول، يتحدث الفصل من الرواية، عن شباب يرتادون المقبرة للعب، والمطالعة أثناء فترات الامتحانات. والموتى..؟ لم نقلق نومهم الأبدي، يخبرني أبي، تنفيذاً لتوصيات أهالينا، بل كنا نترحم عليهم، لأنّهم موحدون من أهل الكتاب، كما يقول أبي نقلاً عن جدي.

هذه الذكريات ومنظومة القيم، قفزت إلى ذهني مرة واحدة، وأنا أقرأ تقريراً، نقلا عن صحيفة الغارديان، يتحدث عن مجموعة من التسجيلات التي تُظهر قيام عناصر ليبية مسلحة باقتحام مقبرة لجنود الجيش البريطاني الذي قاتلوا في شمال أفريقيا بالحرب العالمية الثانية، وقيام العناصر بهدم شواهد القبور وتحطيم الصلبان في الموقع. وتتابع الصحيفة بالقول: «أحد الرجال في الفيديو يقول لعناصره: «حطّموا صلبان هؤلاء الكلاب»، بينما ظهر عنصر آخر وهو يعتلي السلم وبيده مطرقة لتحطيم نصب على شكل صليب كبير عند سور المقبرة.لنتذكر أن بين فصل الرواية وتقرير الغارديان نصف قرن من الزمن، حقق فيه العالم انجازات كبيرة، لاسيما في مجال الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية صغيرة. ولنتذكر أنه عصر تلاقح الأفكار، بين الشعوب على أقل تقدير. ولكن، لنتذكر أيضاً أن القوى المهيمنة على العالم، تواطأت مع قوى الظلام المحسوبة على الإسلام، من أجل تحقيق أهدافها الخاصة. لكن حسابات حقل القوى المهيمنة على العالم، لا تتطابق بالضرورة مع بيدر الشعوب، بل لا تتطابق بالضرورة، مع بيدر قوى الظلام التي تواطأت معها. ألم تلتفت القاعدة إلى الولايات المتحدة، بعد أن أنهت مهمتها في أفغانستان، وأسقطت نظامها الشيوعي وهزمت الجيش السوفيتي فوق أراضيها، لتجد نفسها فور إنهاء المهمة، في حالة بطالة وإهمال كاملين من واشنطن وحلفائها.

الظلاميون ذاتهم، الذين قاتلوا تحت راية حلف الناتو، لم يستنكروا الصليب أو أهله، طالما يحقق لهم مصالحهم في الحكم والسيطرة والنفوذ، لكنهم ينبشون القبور، ويقتلون الموتى، تحت ذريعة محاربة الصليب. هل هي إعادة إنتاج لتجربة القاعدة مع حكم نجيب الله والولايات المتحدة الأميركية؟.قد تكون بداية أُخرى، وقد تكون أخطر من الأولى، ولكنها في كل الحالات، دعوة مفتوحة لواشنطن وللقوى الغربية الأخرى، للتعاون مع القوى الديمقراطية، ومع القوى الإسلامية المتنوّرة بكل مذاهبها، لأنها الضمانة الوحيدة لعالم يسوده الأمن والسلم الأهلي. 

التعليقات معطلة