Feature

وأنا انثر ورود المحبة على كردستان، وأشارك شعبنا الكردي في أرجاء العراق، أفراحه البهية، ومسراته اللذيذة بعيده القومي، متمنيا له وللوطن الجميل، كل خير وعافية، استميح الجميع عذرا في العودة الى الذاكرة، والتنقيب بين أوراقها الذابلة، عن زمن الطفولة والبراءة. 

مشهدان يعودان الى ستين سنة مضت، علقا في قرارة الروح، لا ادري أيهما أحب الى القلب، ففي 21 آذار من ذلك العام الخمسيني، هيأنا معلم الرياضة، الأستاذ جواد، بملابس رياضية وزي الكشافة (نحن تلاميذ مدرسة الكرخ الابتدائية للبنين)، ثم اصطحبنا الى مكان محدد لنا عند احد شوارع بغداد -ربما كان قريبا من المحطة العالمية- لنقف مع تلاميذ وتلميذات المدارس الأخرى، ومعلميهم، ومعلماتهم، من اجل استقبال (الملك) والتصفيق له، حيث يمر قريبا منا بسيارته التي  (تتخطى) ببطء، وكأنها في نزهة، وابتسامة ناعمة ترتسم على وجهه!

كان ذلك من دواعي بهجتنا التي لا تضاهى، ليس فقط لأننا أدخلنا السعادة الى قلبه، بل كذلك لشعور كل واحد منا، ان الملك قد خصّه بتلك التحية، وابتسم له وحده! وكنا ندعو ذلك اليوم (عيد الشجرة)، من دون ان اعرف سبب التسمية أو لماذا لا احصل على (عيديات) كما هو الحال في الفطر والأضحى؟ على ان (بركات) ذلك اليوم لم تقتصر على الموكب الملكي صباحا، فمع بداية الليل، انصرفت عوائل كثيرة الى تهيئة (صينية) شديدة الشبه بصينية (زكريا)، وذلك احتفاء بمناسبة تدعى (دورة السنة)، كنت أحفظ طقوسها عن ظهر قلب فهي الكرزات والحلوى بأنواعها، والخس والشموع والأباريق الفخارية الصغيرة، وصحون المحلبي والحلاوة والدولمة والكبة، وقد جرت العادة ان يقرأ احد الصبيان شيئا من الكتاب الكريم على الصينية بحضور أفراد الأسرة وأنا يومها ولد مطلوب لهذه المهمة، فقد ختمت القرآن في صغري عند (الملاية)، وامتلك صوتا في التجويد -على رواية أمي- أحلى من صوت (محمد رفعة)  وهكذا حلفتني جارتنا أم محمود بالقراءة بعد ان وضعت درهما في يدي!!

أظهرت أفضل ما عندي من مواهب، -مع أنني كنت اقرأ بعين وأراقب الصينية بعين أخرى- ونلت استحسان الحاضرين، وملأت الخالة ام محمود حبيبي بالكرزات ثم اصرت ان أشاركهم الطعام، وذهلت لأن الدولمة كانت محشوة بالرز واللحم، فهذه اول مرة اعرف ان اللحم يضاف إليها، في بيتنا تكون الحشوة من الرز، كان طعمها لا يقاوم، حتى أنني أكلت كمية مخالفة لشروط الأدب واللياقة والصحة!!

في اليوم الثاني،  وأثناء (الاصطفاف سأل المدير التلاميذ) (ما هو أجمل شيء رأيتموه البارحة؟) وارتفعت مئات الأصابع، وكان الرجل يصغي الينا واحدا واحدا ويسمع الإجابة نفسها (ستاد.. أجمل شيء هو جلالة الملك المفدى) ويعقب الإجابة تصفيق حار، وحين جاء دوري قلت له (ستاد أجمل شي هو دولمة أم محمود) ولا ادري لماذا تحول التصفيق الى ضحك، حتى ان المدير سقط أرضا، مع أنني لم اكذب والله العظيم!! 

التعليقات معطلة