قاطعته الأكف بالتصفيق الحار للمرة الخامسة وهو يلقي محاضرته، ولم يكن ذلك غريبا على سلمان الصالح، الرجل النابغة في علم الاقتصاد، و(الباحث العلامة) كما تسميه المؤسسات العلمية الرسمية ووسائل الإعلام، وقد كانت محاضرته في هذا المساء، بالغة الاهمية، لانها تناولت الاقتصاد العربي، واشرت نقاط قوته ومصادرها، والسبل العملية الكفيلة  بنهضته والارتقاء به الى مصاف الدول الاقتصادية العظمى في العالم، وكان الصالح في ذلك كله، بعيدا عن الصراخ والهذيان العاطفي والتهريج الخطابي، معتمدا على لغة الارقام الدقيقة والحقائق الموضوعية!

على كثرة الذين عقبوا وأثنوا ثناءً جميلا على المحاضر والمحاضرة، الا ان العبارة التي اطربت الصالح، هي التي وردت على لسان أمين عام الاقتصاديين العرب، حين اشار الى ان (هذا الرجل يعد بحد ذاته ثروة، وعلى الامة مجتمعة ان توليها ما تستحق من الرعاية والاهتمام)، وكانت تلك العبارة التي علقت في ذهن الصالح قد اثارت حماسته، ودفعته الى الإعلان المبكر بأنه يشرف على الانتهاء من دراسة مستفيضة، تمثل اهم مشروع بحثي انجزه في حياته، لأنه يتناول السبل العملية التي تتيح للعرب توظيف اقتصادهم لخدمة اهدافهم المشروعة وخدمة الانسانية، ولذلك دوّت القاعة من جديد بعاصفة من التصفيق، حتى ان رئيس منظمة تربية العجول العربية وتسمينها، انتظر زمنا طويلا الى أن تهدأ العاصفة ، لكي يرتقي خشبة المسرح ويطبع قبلة على جبينه، فيما استثنته رئيسة منظمة النساء التقدميات من القرار الخاص بمنع (تعدد الزوجات)، وهو الأمر الذي جعل حناجر الرجال ترتفع بالهتافات والاناشيد القومية!!

مزهوا نهض الصالح، شاقا طريقه بصعوبة، وهو يتلقى كلماتهم الترحيبية ودعواتهم له بالتوفيق وطول العمر، وعند البوابة الخارجية كان الجميع في وداعه وابتسامات السعادة تعلو وجوههم، ثم توجهوا الى مركباتهم الفخمة واسترخوا على مقاعدهم الوثيرة، وانطلقوا حالمين بمستقبل اقتصادي رغيد! 

في تمام الساعة التاسعة ليلا من ذلك المساء الشتائي البارد، عبر الصالح وحيدا الى الجهة الثانية من الشارع، والسماء تنث نثا خفيفا لم يلبث ان اشتد، وكان وهو يتحظى تحت مظلة احدى العمائر محتميا من المطر، قد راودته مئات الافكار قبل ان ينتبه الى ان الساعة قاربت منتصف الليل، وان احدا من سواق الاجرة لم يوافق على نقله الى منزله البعيد، والبرد لم يعد يحتمل، والجوع انهكه، فاطلق ضحكة مدوية شقت الظلام، وهو يصرخ باعلى صوته (أنا بحد ذاتي ثروة) وتعالت ضحكاته المدوية، وهو الامر الذي أثار حفيظة الشرطة العربية الحريصة على حفظ الأمن والهدوء، فألقت القبض عليه بتهمة الاخلال براحة المواطنين، واطلاق عبارات غامضة تثير الشك، واحتجزته سبعين يوما في ذمة التحقيق!

ملاحظة: 9 ،99 من علماء ومبدعي العرب يحظون بالرعاية والتكريم والميداليات الذهبية، بعد انتقالهم الى رحمة الله تعالى.. لذا اقتضى التنويه!!

التعليقات معطلة