Pdf copy 1

جميع الذين أسهموا في النضال ضد النظام السابق، ممن شاركوا في إسقاط النظام المقبور، بهذه الطريقة أو تلك، يجمعون على ان حكم صدام حسين قد وضع الشعب العراقي كاملا بما يشبه السجن الكبير، واقفل الأبواب عليهم، فلا يسمعون عبر معتقلهم المظلم غير خطابات القائد، ولا يحتفلون بغير أيامه وأعياده، وتلك هي حال العراقيين، لا انترنيت ولا ستلايت ولا هواتف محمولة ولا تكنولوجيا متطورة ولا ديمقراطية ولا أحزاب ولا صحافة حرة ولا صوت آخر ولا هم يحزنون!

وفجأة انتفضنا وحطمنا قيودنا وقلنا لأنفسنا كما قال الرفاق الماركسيون، البروليتاريا لن تخسر إلا أغلالها، وهذا ما حصل فعلا، فبعد الاعلان عن ثورتنا المجيدة في التاسع من نيسان، وبمؤازرة المخلصين من أصدقائنا الاميركان أسقطنا تمثال الصنم في ساحة الفردوس، وحصلنا على حريتنا وتنفسنا الصعداء… ولأننا كنا مثل جائع لم يذق الطعام منذ ثلاثة أيام، حتى إذا عثر عليه أكل واكل الى ان أصيب بالدوار والتخمة وسوء الهضم.. فقد هجمنا بكل تواريخ الحرمان، على اطباق شهية من الأكلات لم نتذوق طعمها من قبل، قدمت امامنا بانواع لا تحصى ولا تعد، ليس ابتداء بمئة وعشرين حزبا سياسيا وثمانين تنظيما إرهابيا، وليس انتهاء، بمئة وتسعين منظمة مجتمع مدني، واربعمئة وسيلة إعلامية، وغرقنا بأطنان من المصطلحات والمفردات التي تظهر بسرعة وتختفي بسرعة، وتتسيد الساحة قبل الانتخابات وتغيب بعدها، حتى بدا كل شيء في حياتنا (مؤقتا) ولا يعرف الاستقرار او الثبات، ها نحن منذ اللحظة الاولى للثورة المباركة نتنقل بسرعة البرق من الإدارة المدنية إلى مجلس الحكم ورئيس كل شهر إلى حكومة انتقالية ووطنية وحكومة شراكة، وإذا سأل احدنا متى نهنأ بالراحة والامن والأمان، قالوا لك: انها حالة مؤقتة والخير في الطريق، وهكذا الأمر بالنسبة للبطالة، انها حالة مؤقتة وسيتوفر العمل للجميع، ولا تختلف الحالة في أمور الكهرباء، والقطع المبرمج، إنها مؤقتة، ومشكلات الهاتف والماء الصالح للشرب وأبنية المدارس الطينية ومئة مليون طن من النفايات والأنقاض والاسلاك الشائكة والحواجز الكونكريتية.. متى.. متى تنتهي.. والجواب جاهز ومعروف، كلها مؤقتة!! 

تسع سنوات، وكل شيء مؤقت حتى أصبح بقاؤنا على قيد الحياة حالة مؤقتة يقررها إرهابي او حزام ناسف أو كاتم صوت، واذا كنا الى حد الان نتحدث بلغة خطابية رنانة عن وطن واحد، وعن عراق متماسك وشعب متآزر، فان أخشى ما تخشاه ان يكون كل ذلك حالة مؤقتة!! 

ملاحظة: لا يجوز التشاؤم، ففي البلد كذلك ثوابت لا يرقى إليها التغيير تحت أي ظرف.. لعل في مقدمتها رواتب المسؤولين الفلكية والموقف من كرسي الحكم!!

التعليقات معطلة