مات ملوك العراق ولم نعرف تواريخ ميلادهم، وربما كانوا يجهلونها كذلك، ومات رؤساء الجمهورية الأربعة، قاسم وعبد السلام وعبد الرحمن والبكر، وهم على ما أظن يجهلون تواريخ ميلادهم مثلما نجهلها، إلا آخر الرؤساء (صدام حسين) فقد سن سنة غريبة عندما ابتدع للعراقيين مناسبات وأياما تفوق أيام السنة، فلا نكاد ننتهي من الاحتفال بتتويج جلالته إمبراطورا على العراق، حتى نحتفي ببيعته حاكما مطلقا مدى العمر، ولا نكاد نفرغ من يوم النداء حتى نباشر في أسبوع قادسيته، وهكذا من تاج المعارك الى ام المعارك أو من عروس مندلي إلى عروس الثورات، ومع ذلك فان سيد الأيام وقمتها هو 28 نيسان لان شمس العراق في ذلك النهار المبارك أشرقت من (العوجه) بخلاف الحسابات الفلكية، ومن هنا فان الاحتفال بعيد ميلاد القائد اكتسب أهمية استثنائية خارج قوانين الحصار وحسابات الميزانية، وعلى ذمة معارض يساري فان ما انفق على يوم ميلاد القائد في إحدى السنوات، بلغ (4) مليارات دينار في وقت كان محرما على المرأة الحامل ان تتوحم بشيش كباب!
على أن (28 نيسان) بقدر سيئاته الكثيرة، وفي المقدمة منها ما كان يتعرض له السواق من حجز ومطاردات وإكراه، لنقل آلاف (المدعوين) إلى مقر الاحتفال المركزي، فقد كان يوم ضوء للناس، شبيه بأيام انعقاد القمة،، لا ينقطع فيه التيار الكهربائي، مثلما كان يوم سعد للإعلاميين، ينتظرونه بفارغ الصبر، لان أبواب السماء، تتفتح عليهم بالتكريمات الرئاسية، وكانت القنوات التلفازية والجرايد، تجند كتابها ومنتسبيها، وتتنافس لإظهار هذا اليوم بأفضل صورة وعلى ضوء هذا التنافس، يقوم محرار المكتب الإعلامي للرئيس، ومحرار وزارة الإعلام، بالتعرف على من هم أكثر ولاء ومن هم المشكوك بولائهم!!
واشهد للتاريخ ان اكثر المتحمسين هم (صغار الإعلاميين)، فقد كانوا يتوسطون ويتقاتلون فيما بينهم، لكي تظهر (أعمالهم) في ذلك اليوم، وظهور الاسم يعني ان صاحبه مبشر بالجنة، فهناك مبلغ مالي بانتظاره، يساعده على الوقوف امام دكان القصاب بشجاعة، ويحضرني هنا موقف واقعي، حيث ظهر تحقيق صغير في احد المطبوعات لا يزيد حجمه على ربع صفحة مع صورتين، كتبوا تحته (فريق العمل) والطريف أن هذا الفريق مكون من خمسة محررين وثلاثة مصورين لانجاز مادة صحفية هي عبارة عن لقاءات سريعة مع مواطنين يعربون فيها عن حبهم للقائد، ولكن أن الأطرف ان الرئيس في ذلك العام كان منزعجا فلم يكرم أحدا، ولهذا سمعت بملء أذني (الزملاء) الثمانية وهم يشتمون صدام حسين ويوم ميلاده الأغبر… همسا!!
بعد 2003 توقف هذا التقليد (مع الأسف) وهو امر قد يؤدي الى توتر العلاقة بين الإعلاميين والحكومة، لذلك أناشد المنظمات الإنسانية للتدخل العاجل وتضمين الدستور فقرة تنص على أن عيد ميلاد رئيس الجمهورية (يجب) أن يكون معروفا، ومن (واجب) الإعلاميين تغطيته، وانا على ثقة عالية، ان فخامات الرؤساء لن ينسوا فقرة (التكريمات)، وبخلاف ذلك فان الإعلاميين، بحكم ما يتمتعون به من حرية التعبير والرأي، سيضطرون إلى البحث عن مصادر خارجية لتمويل أقلامهم، وقد يحتفلون بعيد ميلاد اوباما مثلا او عمر البشير او ساركوزي اذا فاز في الانتخابات، او الأسد في حال بقائه في السلطة!!

