تتدهور الأوضاع في منطقة تعتبر من اهم مناطق العالم حيث تتصاعد حدة الازمات والاختناقات التقاطعات. وتزداد يوما بعد يوم نذر اندلاع المزيد من الأخطار الجسيمة المهددة باندلاع صراعات تعيد الاوضاع الى ماكانت عليه في ثمانينات القرن الماضي حيث كانت الحرب العراقية الايرانية تحصد آلاف الابرياء وتعرض الامن الوطني لكلا البلدين الى افدح الاخطار واسوء العواقب. فالقصف التركي للأراضي العراقية المتواصل واختراق اجوائه الاقليمية من قبل الطيران التركي، يتزامن مع افعال واعمال مماثلة تقدم عليها ايران. وما يجري الان في سوريا لا يتشكل بعيدا عن مجمل الاوضاع السادة في المنطقة.. حيث غياب التفاهم والتعاون الجدي والواضح بين الدول المعينة والتي أغواها الغرور وسطحية الفهم والانانية وتدني الكفاءة المصحوب باعتداء غير واقعي بالنفس مع ميل للاطماع التوسعية التاريخية مستحيلة التحقق.
وكل ذلك يضع الجميع امام مسؤولية البحث الجدي والحقيقي عن كل مايؤدي الى تطبيع العلاقات وارسائها على اسس تضمن الحفاظ على امن واستقرار الجميع بعيدا عن المساس الخطير بأسس وقواعد الامن الوطني وبالتالي الأمن الإقليمي في الحاضر والمستقبل.
ان ما يجري الآن في المنطقة يماثل ما كان يجري في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت حالات التخبط والضياع والانقلاب نتيجة خروج الدول الكبرى والدول المشاركة في الحرب بدمار كامل او شبه كامل فكانت في امس الحاجة لفترة اعادة تنظيم وترتيب وانتشار.
هذا الى جانب التدني المستمر في قدرات وامكانيات الدول المشاركة في الحرب وخصوصا الاوربية منها. الامر الذي فرض على دول المنطقة التفكير الجدي في ايجاد منظومة امن اقليمي قادرة ومقتدرة، ولم تجد بدا من اشراك دول من خارج الاقليم كاميركا وبريطانيا في هذه العملية.
ورغم الحماس الذي اظهره سياسيون من دول المنطقة في مؤتمر باندونغ في 19 آذار عام 1951 في تبني فكرة الحياد حيث اصدروا بيانا خطيرا عن الحياد حذروا فيه من الانحياز الى اية كتلة من الكتلتين المتنازعتين سواء كان ذلك في الحرب الباردة القائمة آنذاك ام في اي صدام مسلح محتمل قد يقع في اية لحظة. بيد ان هناك من لاذ في الصمت وهو يرى بأم عينيه كيف ان اسس وقواعد السلام والأمن تتداعى وتحتل تحت انفراط عقد التفاهم والحوار والتعاون في كافة المجالات والأوضاع التي تستدعي ذلك، وبوجود الضمانات الدولية القادرة على اعادة الحق لأهله وعدم السماح لحالات التفرد والتجاوز المزاجي الانفعالي او وفق منظومة الفعل ورد الفعل. ومن بين هؤلاء عدد من المسؤولين في العراق يتقدمهم نوري السعيد وفاضل الجمالي وفي تركيا وإيران، كانوا يتحينون الفرصة للاقدام على خطوة لابد منها لتحقيق الاستباب الامني، والاستقرار الاقتصادي والسياسي والانفتاح باتجاه التطور والنمو والخروج من عنق الزجاج الى العالم الرحب.
لم تكن الساحة السياسية العراقية خالية من مغصات لنوري السعيد، فظهور التيار المؤيد لعلاقات متطورة مع الولايات المتحدة الاميركية، كبديل عن الاعتماد العراقي على لندن، اوجد خللا كبيرا في التوازن الذي يميل لصالح نوري السعيد. بيد ان القاسم المشترك الاعظم، هو الذي جعل نوري السعيد يتحمس على نحو غير مسبوق لفكرة قيام حلف إقليمي يشكل قاعدة قيام نظام امن إقليمي جديد. رغم ان السياسية البريطانية لا تحبذ فكرة قيام الأحلاف، بخلاف السياسة الاميركية التي كرست جهودا ضخمة من اجل قيام عدة أحلاف مهمة في العالم كحلف الناتو وحلف جنوب شرقي آسيا وحلف بغداد وحلف الناتو وغيرها.
لقد كان تكليف الدكتور محمد فاضل الجمالي تشكيل وزارته الاولى في 17 ايلول 1953 بداية العمل الجاد باتجاه اظهار فكرة قيام نظام امن اقليمي جديد الى حيز العمل، رغم ان هذا التكليف حمل ايضا بداية صراع محتدم بين تيارين متعارضين متناقضين تيار يمثل التوجه نحو اميركا واخر محافظ يريد التمسك بالعلاقة التقليدية مع بريطانيا. ومن هنا فقد استقبل نوري السعيد هذا التغيير بموقف الرفض ثم الزعل والسفر الى خارج العراق، وكانه بذلك يريد ان يقول : (لا عين تشوف.. و لا قلب يحزن) فضلا عن انه اراد ان يضع بريطانيا امام الحقيقة التي بات يخشاها ويخافها محذرا ومنبها، من أن المصالح البريطانية في العراق باتت في خطر حقيقي.
وهكذا بدا واضحا ان اميركا انتصرت في صراعها مع بريطانيا وبات مفهوما تماما انها قد ملأت الفراغ.. شاء ذلك نوري السعيد او رفضه. ولم تكن زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الاميركي للعراق في 17 مايس 1953، الا تأكيدا واضحا لهذا الانتصار الذي تعزز بوصول الدكتور فاضل الجمالي الى رئاسة الوزراء بطريقة فاجأت الجميع باستثناء أولئك الذين كانوا على علم بما يجري خلف الكواليس، خصوصا بعد أن اضحى الأمير عبد الاله ولي العهد واحدا من بين ابرز المتحمسين لعلاقات عراقية أميركية بديلة عن علاقات عراقية بريطانية وان الاجتماعات التي كانت تعقد في البلاط برعايته كانت تمهد الطريق بهذا الاتجاه وتهيأ الأجواء لهذا التبدل. وكانت زيارة ولي العهد الأمير عبد الاله لواشنطن احد ابرز إجراءات التهيئة والإعداد.
لقد أدركت بريطانيا حجم وعمق الصراع الدائر في بغداد بين هذين التيارين فضلا عن امور اخرى تشكل في مجموعها وضعا متوترا مشدودا يهدد بأوخم العواقب واشد النتائج سوءا خصوصا بعد ان اشتد الخلاف بين بغداد والقاهرة على خلفية النزاع بينهما على الدور المحوري في المنطقة. من هنا اوعزت الى سفيرها في بغداد، بان يعمل جاهدا من اجل اقناع الأمير عبد الإله بضرورة واهمية مصالحة نوري السعيد والسعي الى اعادته الى بغداد والعمل على تسوية الخلاف، وبالفعل حصل ذلك واقتنع الأمير بالموضوع وهكذا سافر الأمير إلى باريس التي غادر اليها نوري قادما من لندن وهناك تمت تسوية الخلافات، وفي مقدمة تلك الخلافات موضوع قيام نظام امن إقليمي يضمن الأمن والاستقرار والسلام والتطور للدول المنضوية إليه وقد تم اللقاء بحضور احمد مختار بابان. مؤكدا وحدة التوجه العراقي للاستفادة من كل عناصر القوة والقدرة والتمكن المتاحة لصالح العراق شعبا ومملكة. ومن غير المسموح به تغليب الرؤى الشخصية والاجتهادات الذاتية على وجهة النظر او الرأي الجمعي. وهكذا بدأ نوري السعيد يضع اسس قيام هذا النظام بالتعاون مع الدكتور فاضل الجمالي من خلال وزارته الثانية عشرة التي ألفها بعد رجوعه من منفاه الاختياري الى العراق في آب 1954 حيث استمرت هذه الوزارة في الحكم ثلاث سنوات وهي اطول مدة قضاها رئيس وزراء في الحكم الملكي، مبرهنا خلالها على تضامن حقيقي لجهود جميع التيارات الوطنية العراقية بصرف النظر عن اجتهاداتها لخدمة العراق وتحقيق كل مايؤدي الى ذلك. وهكذا شمر الجميع عن سواعدهم لايجاد ارضية صالحة لتحركات الحكومة في إطار تنفيذ خطة استهدفت اخضاع كل الاجراءات والترتيبات الامنية للمصلحة الوطنية العراقية والاقتناع عن كل فعل او عمل لا يحقق ذلك قد توقفت موقفا سلبيا من مشاريع (النقطة الرابعة) و (فولبرايت) ورفض (فكرة اقامة قيادة الشرق الأوسط الموحدة) ورفض (المعاهدة الثنائية) ورفض مشروع جون فوستر دالاس (بإنشاء منطقة دفاعية تشترك فيها: تركيا وايران والعراق وباكستان وافغانستان ويطلق عليها (الحزام الشمالي).
لقد كان ظهور الحلف التركي – الباكستاني احد أهم مؤشرات نضوج فكرة قيام منظومة الامن المطلوبة التي تخدم قضايا المنطقة أولا دون التورط في عمليات تخدم ظروف وأوضاع الحرب الباردة والتنافس أو التنازع بين الدول الكبرى. خصوصا وان دول المنطقة تعي تماما مسألة ان الامن الاقليمي مسؤولية الجميع وان الامن الوطني مرتبط ارتباطا عضويا بالأمن الجماعي لدول المنطقة وإن أي تهديد للأمن الوطني هو تهديد للأمن القليمي بصرف النظر عن طبيعته ومصدره. ذلك ان تشابك المصالح وتماثل مصادر التهديد وتشابه التحديات والمشاكل والامتدادات الطبيعية بين مكونات السكان في جميع الدول المكونة للإقليم الذي يتواجد فيه العراق.
لقد بدأ البحث الجدي في موضوعتي الأمن الوطني والامن الاقليمي يطرح نفسه بقوة على أرضية الواقع العراقي بكل ابعداه ومكوناته وأطيافه. وقد اتجه هذا البحث والحوار باتجاهين مهمين: الأول، يقول ان الدفاع عن استقلال العراق وسيادته ووحدة اراضيه واجب طبيعي وحق مشروع وفرض وطني. وهو ينحصر بالعراق اولا واخيرا. ويترتب عليه النهوض بهذا العبء وتهيئة كل السبل والوسائل الكفيلة بتحقيق القدرات والامكانيات التعبوية والاستراتيجية من حيث الاسلحة والمعدات والدعم اللوجستي وكل ما يلزمه في الحاضر والمستقبل مع تامين مستلزمات حفظ الحقوق المادية والعينية للعراق وتحديد أوليات المصالح العليا للبلاد للذود عنها. والاستفادة القصوى من إقرار الامم المتحدة بالحق الطبيعي للدول (فرادى وجماعات) في الدفاع الشرعي، فمن الضروري ايجاد الوسائل الممكنة والناجحة في مجال تأمين الاحتياجات الضرورية لتحقيق دفاع ناجح عن السيادة والوجود.
الثاني: لقد وجد هذا الاتجاه ان الاهتمام بتعزيز وترصين إمكانيات منضومة الأمن الوطني لا يتناقض او يتعارض مع الامن الاقليمي بل ان ايجاد نظام امن اقليمي من شأنه دعم وتعزيز الامن الوطني، وذلك لوجود قواسم مشتركة بين عدد كبير من دول المنطقة في ما يخص الامن وفيما يخص التعاون ايضا في مجال الاستثمار والبحث العلمي ومقاومة الآفات الزراعية والقضاء على التهريب بكل انواعه وبشكل خاص تهريب المخدرات وغسيل الأموال وترويج العملة المزورة والاستغلال الامثل للموارد المائية وتفادي كل ما ؤدي الى تأزيم العلاقات وتوفير مناخات الازمات والصراعات الجانبية وتفادي الصدامات المسلحة بكل انواعها وسباقات التسلح والعسكرة وغير ذلك. خصوصا وان العراق خرج من حيث المبدأ من محيط الامن والوطني الى الأمن القومي بدخوله في معاهدة الدفاع العربي المشترك. وهذا يشجع على إيجاد علاقة بين جماعة الميثاق العربي، وجماعة ثانية ذات علاقة بالمنطقة المطلوب الدفاع عنها. جغرافيا واقتصاديا وسياسيا وتاريخيا وبشريا.
وقد أضاف هذا الاتجاه بعدا آخر لا يقل اهمية عن الابعاد الاخرى تلك ان رفض التمديد على المعاهدة العراقية – البريطانية التي تنتهي في عام 1957 يتطلب الاستناد الى منظومة امن اقليمية تستند عليها أسس وقواعد الاعتماد على النفس في الدفاع عن سيادة ووحدة العراق شعبا وأرضا والوقوف بوجه الأطماع من اية جهة جاءت ولأي غرض صارت.
هذه باختصار شديد الارضية التي وقفت عليها السياسة العراقية والساسة العراقيين وهذا لا يعني انعدام وجود معارضة لهذين الاتجاهين.. فقد امتلأ الشارع السياسي بمواقف متباينة ومتعارضة ولأسباب مختلفة. قسم منها للمزايدة واخرى للمتاجرة وثالثة لأجندات خارجية كانت ترى أن ظهور منظومة امن لدول المنطقة معناه نجاتها من الستراتيجيات.
وهكذا شرع المشاركون في الحلف بترتيب اوضاع الحلف من الداخل. حيث اتخذ له مقرا في العراق وتم تعيين هيكل الحلف ولجانه ومراكز البحث التابعة وسكرتاريته واجهزته الاخرى. وتوالت اجتماعاته ولقاءاته ومحاضر جلساته وخططه الانبية والمستقبلية وخصوصا على مستوى التنسيق والتكامل بين الدول الاعضاء وتحديد احتياجاته والتحديات التي يواجهها وسبل التصدي لها وكيفية التغلب على المشاكل التي تعاني منها الدول الاعضاء ووضع الخطط اللازمة لقيام تعاون اقتصادي وعلمي وسياحي وسياسي مثمر وقائم على اسس وثوابت راسخة وثابتة وكيفية الاستفادة من الخصاص الجيو سياسية التي تتمتع بها المنطقة وقربها من اوربا ومن البحرين الابيض والاحمر وبحر قزوين والبحر الاسود.
يقول سفير الولايات المتحدة الاميركية في العراق انذاك Gall man في كتابه Irak nder General narl ص128 : ان العراق حاول ان يضرب اكثر من عصور في ايجاد مثل هكذا حلف. منها:
1- انه اراد اولا ان ينتصر للعلاقة الوطيدة والعريقة بينه وبين بريطانيا ويهمش اميركا التي لم تتردد من الرد على هذه المحاولة بالوقوف الى جانب عبد الناصر في العدوان الثلاثي عام 1956.. وقد كانت هزيمتها في ذلك العدوان. نهاية وجودها في الشرق الاوسط.
2- انه اراد السيطرة والهيمنة المعلوماتية على جيوش دول لها فيه مطامع وتوجد لديها خطط للوصول الى تلك الاطماع.
3- انه اراد ان يكسر التحديات التي يواجهها بواسطة هذا الحلف وهي كثيرة. كمصر عبد الناصر، والسعودية والاكراد واسرائيل وسوريا.
4- انه اراد ان يحمي ثرواته الكثيرة والمتنوعة والمثيرة للشهية
ذلك هو التشخيص الواقعي والحقيقي لما حصل. وان هو لايخلون من بعض المبالغات، فالحلف لم يحقق الفوائد الايجابية للعراق وحسب، بل ان الجميع انتفع بشكل مباشر وغير مباشر فقد كان ضرورة قصوى للجميع ولعل مانحن فيه الان – واعني بـ (نحن) كل الدول التي ساهمت في قيام الميثاق – يوكد ذلك ويغرض الجميع العودة اليه لتفادي ماهو افضع واشنع واسوء
ان اولئك الذين يوغلون اكثر فاكثر في الامعان بسياسة الانفراد لتحقيق الاطماع التوسعية. عليهم ان يدركوا حقيقة انهم يحاولون اطفاء الحرائق ببراميل البارود. متناسين حقيقة ان لاسبيل للوصول الى الاستقرار السياسي والهدوء الامني والانفتاح باتجاه الاستفادة القصوى في كل الامكانيات المتاحة في المنطقة ليعم الازدهار والتقدم والرفاهية من خلال التعاون البناء المجسد بمنظومة امنية اقليمية تحقق كل ماترجوه وتتمناه شعوب المنطقة الذي ترى انها مهددة في الوقت الحاضرة بانقلاب امني لن يبقى ولن ينذر. بالطبع ليش ضروريا استنساخ التجربة السابقة في مضمار الامن الاقليمي بل ربما ليس من الضروري ان يكون هناك حلف او ميثاق. بل كل ماهو ضروري في الوقت الحاضر ان يكون هناك لقاء منظم يستوعب مهمة تطبيع العلاقات وارسائها على ثوابت تسهم في قيام انفتاح مباشر بين هذه الدول تحت اي مسمى كان يعمل على تفادي اخطار الانجرار الى صراعات ثنائية او ثلاثية او جناعية بين دول المنطقة تكون حصيلتها المأسي والدمار والخراب.. والحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات وحصدت مئات الالاف من البشر وعرضت امن واستقرار واستقلال البلدين لاخطار حقيقة. وما يجري الان على الحدود السورية التركية والحدود العراقية التركية والحدود العراقية الايرانية خير تعبير دقيق عن الحاجة الفعلية للتفاهم المبني على الفهم الدقيق والواقعي بحجم المخاطر الانية والمستقبلية، بعيدا عن المزايدات الطفولية والرؤية المغرورة.