لا أتصرف مثل النعامة ولا أطمر حقيقة شخصيتي كما تطمر النفايات النووية في السر والخفاء، هذا هو أنا رجل واضح وصريح ومن آيات صراحتي الاعتراف على الذات من دون حياء ولا حرج، لقد ولدتني أمي كائنا رجعيا لا يؤمن بتطورات العصر.. ويقف خارج الحضارة ولهذا لم أغير رأيي في وطنية نوري السعيد وعبقرية السياسية وإخلاصه للعراق، ولم يفتر حبي للملك فيصل الثاني وشخصيته المتوازنة وتطلعاته المستقبلية، ومازلت متعلقا بطراز البيت البغدادي، نافرا من البناء العمودي والشقق السكنية، ومن هنا كان موقفي سلبيا للكومبيوتر ومعطيات الانترنيت، ولعلني الصحفي الوحيد الذي مازال يكتب على الورق وليس على شاشة الكومبيوتر، وهو الأمر الذي سبب لي أكثر من مشكلة مع المطبوعات التي أتعامل معها وخاصة ما تتعرض له مقالاتي من أخطاء طباعية مؤذية إلى الحد الذي دفعني في تموز العام الماضي إلى التراجع على مضض عن موقفي واستعنت بالزميل خضير الحميري الذي أعطاني مفاهيم أولية عن هذا الجهاز، ولكنه سرعان ما تخلى عني لكوني بطيء التعلم ولا امتلك رغبة حقيقية للتعاطي مع الكومبيوتر وهكذا وجدت نفسي نصف متعلم نصف جاهل وان كان نصف الجهل هو الطاغي ولم تكن أمامي وسيلة إلا الجلوس وحيدا مع هذا الكائن الحضاري الغريب أحرك الفأر واضغط على الأزرار كيفما اتفق وأحاول أن أجرب واكتشف من دون أن تكون معي مؤهلات التجريب، وحصل ذات مرة و أنا أتنقل على غير هدى أن ظهر على الشاشة وجه كارتوني بلا ملامح واضحة وقال لي غاضبا ماذا تريد أيها الجاهل لقد أتعبت الكومبيوتر وأنت تعبث مثل الأطفال أصابني الرعب فهذه أول مرة اسمع صوتا يخاطبني وباللغة الفصحى وفي غمرة ارتباكي خطر على بالي أن اسأله عن الملف الأمني وكان سؤالي محض مصادفة تأملني الوجه الكارتوني وعيناه زائفتان بعيدا عني لا تحدقان في شيء ومرت خمس دقائق وهو صامت لم تصدر عنه كلمة واحدة وقد أثار سكوته مخاوفي مثلما أثار دهشتي إذ ليس من عادة الكومبيوتر أن يتلكأ في الرد أو يتأخر وبعد مضي عشر دقائق من الانتظار كأنها عشر سنوات سألني وقد علا الحزن صوته «أيها الجاهل عندما تسأل عن أي ملف يجب أن تحدد ماهية المعلومة التي تطلبها»، وارتكبت من جديد وسألته كذلك كيفما اتفق «أريد ان اعرف على وجه التحديد ما هو مستقبل الملف الامني في العراق؟ وعاد الوجه إلى صمته والدقائق تمر ثقيلة وصبري يقرب من النفاذ وقلت لنفسي لعل ما أراه أمامي هو (فايروس) أصاب الجهاز وكان هذا الرأي اجتهاد امني فانا لا اعرف شيئا عن الفايروسات وفيما كنت منهمكا في تخمينات لاحظت الوجه وقد كساه حزن عميق، واغرورقت عيناه بالدموع وفجأة راح يبكي وتعالى صوت بكائه وأنا أحاول تهدئته ولا اعرف كيف امنعه وصوته يتصاعد ويتصاعد ولم أتلق جوابا على سؤالي ويبدو أن العدوى انتقلت إليّ فأخذتني نوبة من البكاء الحاد وغادرت مكاني وخرجت الى الشارع وأنا ابكي بعنف كما لو أن ممول المجلة التي اعمل فيها قد وافاه الأجل ووصلت إلى السوق وأنا على تلك الحال، حتى ظنت الناس بي الظنون!!

