لعله عام يعود إلى منتصف الخمسينيات أو أوائل الستينيات من القرن الماضي، وهي صغيرة بحجم الكف، حياتها وبيوتها وتقاليد سكانها، تجعلها اقرب إلى القرية من المدينة، على الرغم من أنها ناحية شاء قدرها الجميل أن تغفو على ضفة دجلة، وتدفع رجالها إلى العمل في الحقل الزراعي..
في ذلك العام، وفي موسم صيف على وجه التحديد، اطل الشهر الكريم، وكما جرت العادة، صامت الناس عن بكرة أبيها، صغيرها وكبيرها، رجالها ونساءها، ومثل كل مساء اذا حان موعد الافطار كان الجيران قد انتهوا من تبادل الصحون طلبا للأجر والثواب ، ومسعى لتعزيز أواصر الجيرة، ثم جلسوا الى موائد طعامهم البسيطة ، وهم يحمدون الله على عظيم نعمته.
دأب شباب الناحية بعد أن يفرغوا من صلاة العشاء، على تمضية الوقت في المقهى، حيث تمتد سهرتهم الى منتصف الليل، وهم يتداولون أمراً من أمور السياسة او قضية من قضايا الدين، فيما كان قسم منهم ويشكلون الاكثرية ينصرف الى لعبة النرد أو الدومينو، وما يرافق من ضحك وأجواء مرحة وكانت مقاهي الناحية، وعددها ثلاثة إذا لم تخذلني الذاكرة، ليست وحدها التي تسهر في رمضان إلى منتصف الليل، فثمة دكاكين، خاصة دكاكين الرقي والبطيخ والفاكهة والحلوى -على قلتها- تبقى كذلك تعرض بضاعتها حتى ذلك الوقت.
ذات ليلة والشباب في عز سهرتهم يتحاورون او يلعبون ارتفع صوت المؤذن من المسجد القريب وهو يدعو الصائمين إلى ان يستعجلوا بشرب الماء قبل أن يعلن وسط دهشة الناس «إمساك» وكررها ثلاث مرات بأعلى صوته ونظر كل من سمع دعوة الإمساك الى ساعة يده او بيته، كان الوقت لدى الجميع يشير الى الحادية عشرة ليلا، وهناك أكثر من أربع ساعات على موعد الإمساك!
سارع بعش الشباب إلى بيت المؤذن -وهو جزء من بناية المسجد- للاستفسار عن هذا التغيير المفاجئ، خاصة وان اغلب الناس مازال مستيقظا ولم يهيئ وجبة السحور وحين بلغوا البيت والتقوا المؤذن وأوضحوا له ان الليل في أوله، ومازال على وقت الإمساك أكثر من أربع ساعات فوجئ المؤذن وارتبك وأخذته الحيرة ونظر الى ساعته المنضدية الدقاقة ورفعها بين يديه وقرّبها من عينيه واكتشف المشكلة ففي ذلك اليوم كانت ابنته المتزوجة وأولادها في زيارته وكان حفيده الصغير، ابن السادسة من العمر كثير الحركة والبعث وقد رآه جده يلعب بالساعة فنهره وسفّه ولكنه لم يتصور انه قد تلاعب بالتوقيت والعقارب، وهكذا ابتسم الرجل لضيوفه واعتذر لهم بعد أن شرح طبيعة الإشكال وابلغهم انه سيتدارك الموقف في الحال!!
وبما عرف عن المؤذن من روح دعابة عالية وخفة دم يرتاح لها الناس اقترب من جهاز البث ومكبرات الصوت وقال بأعلى صوته (ايها الصائمون الكرام انتباه رجاء.. مو إمساك .. مو إمساك .. مو أمساك هذا حفيدي ملعون الوالدين لاعب بالساعة .. مو امساك .. مو امساك)، وضحكت الناحية ليلتها كما او تضحك من قبل ومازالت بعد خمسين سنه كلما حلت ليالي الشهر الكريم تستذكر حكاية المؤذن وتأخذها نوبة من الضحك !!

