Pdf copy 1

المستقبل العراقي /حليم الاعرجي 

لا أحد يدري على وجه اليقين، الوقت الذي يحتاجه العراق من اجل تكريس وتعريق أفكار وآراء وتوجهات واصطلاحات دخلت قاموس أدبيات النشاط السياسي والفكري لتحل محل مفردات أفكار وآراء وتوجهات عاش فيها وعاشت فيه ردحا طويلا من أزمن مورست خلالها شتى أنواع الأساليب القمعية والتعسفية في إطار قيم وأخلاقيات وممارسات أنظمة نخبوية استبدادية ديكتاتورية أحادية، بحيث أصبحت الأساليب القمعية ضد حقوق وحريات الشعب تقليدا تقف دون اختراقه او تعويق تفاقم شروره نخب سياسية واجتماعية واقتصادية وتجارية ارتبطت مصيريا ومكانيا بالنظام الأوتوقراطي الذي تمكنوا بشتى الوسائل والأساليب الإرهابية الترويعية تأسيسه على حساب الملايين من الشعب المظلوم الذي وقع تحت طائلة الاضطهاد من خلال فرض القوانين والقرارات القمعية الاستثنائية حتى بات ذلك قاعدة ثابتة في الحياة إلى درجة صار فيها الشعار الأوسع انتشارا والأكثر خطوة لدى الطبقة الحاكمة، هو إذا قال فلان قال العراق وفلان هذا ليس شرطا صدام حسين إذ تكررت نسخته لمرات عديدة قبله وبعده، وبذلك فهو تقليد ونموذج جاهز للإجهاز على كل تطلع مشروع لأي فرد أو مكون أو طيف من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية. 

لقد ظلت سياسة استصغار الشعب ومكوناته الأساسية والعمل على تكريس مفاهيم التعسف والتهميش وإظهار الكثيرين منهم بمظهر الأدنى والأقل قياسا بغيرهم من المحسوبين على النخبة الحاكمة او الموالية، وإشاعة مفاهيم وترتيبات كان من شأنها تقيم الشعب الى شرائح وملل ونحل وطبقات نوعية ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وعشائرية وقومية واثنية ودينية ومذهبية ومناطقية تتصدرهم بلا منازع الفئات المنتمية الى طبقة النبلاء الذين يملكون مفاتيح كل الابواب والشبابيك بلا استثناء فهم مصدر ثقة في كل شيء تبيح لهم ما ليس متاحا لغيرهم فلهم مواقع المهمة والمناصب العالية والحساسة ويتمتعون بالامتيازات والمكافئات العينية والمعوية ويستلون من اموال الشعب ما يحلو لهم ويرغبون وان شاءوا ان يفسدوا فلهم ذلك ولكن عليهم بلا زعل أن يختفوا خلف الأبواب الموصدة او بعيدا عن الانظار في ما تشتهي وترغب أمزجتهم من دول العالم وفي دول العالم تقابلهم طبقة محرومة من ابسط حقوق الإنسان عدا حقوق المواطنة بل هو موضع شك الآخرين من المتنفذين، رغم أنه هو مادة شعاراتهم وكحلهم الذي يكحلون به عيونهم من باب الزينة والتجميل. 

لقد دخل شعبنا منذ بداية العقد الثاني من القرن الماضي في دوامة سياسة الكذب سياسة الوجهين في الظاهر شيء وفي الداخل شيء آخر مختلف تماما، كان نفقا مظلما لا يستطيع فيه الإنسان رؤية موطئ قدمه، كما لا يستطيع التكهن بما سيكون او بما ستؤدي الى الاحداث من خلال تحليل ودراسة المقدمات لمعرفة النتائج فاذا كانت المقدمات كاذبة وغير صحيحة فكيف اذن يمكن الوصول الى توقع نتائج محتملة!! 

يقول الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، استنادا على ما سمعته من الشيخ الأستاذ المحامي والاديب والمفكر المعروف عاد تكليف الفرعون انه اتفق مع ياسين الهاشمي خلال مؤتمرات الصليخ أن تأتي وزارة شعبية بديلا عن وزارة جميل المدفعي واتفقنا أن تكون هذه الوزارة الشعبية نقطة تحول حقيقية في تاريخ العراق الحديث بحيث ينهض الحكم على مبادئ الديمقراطية الحقيقية، باعتماد صناديق الاقتراع بانتخابات برلمانية حرة، تأتي بالاغلبية المهيأة باستلام السلطة وان تكون هذه السلطة سلطة عادلة غير غاشمة وان يكون استقلال حقيقي للقضاء وفصل الصلات الثلاث عن بعضها وفي ضوء ذلك تحركت عشائر آل فتلة في المشخاب تساعدها وتعاضدها جماهير الشعب في الفرات الاوسط وفي بغداد فسقطت ألوية الديوانية والحلة وكربلاء واضطرب الحال في بغداد حيث سيطرت الجماهير على الشوارع والساحات وكذلك حصل الشيء نفسه في الرميثة والسماوة والبصرة والعمار والكوت والموصل والرمادي وغيرها، الأمر الذي اضطر البلاط الى سحب الثقة من المدفعي والطلب منه تقديم استقالته وقد حصل ذلك فعلا وعرف البلاط ان الأمور لا تعود الى سابق عهدها الا بتكليف ياسين الهاشمي بتشكيل وزارة جديدة وإرغام جميل المدفعي على الاستقالة وبالفعل أجبرت وزارة المدفعي على الاستقالة وعهد بتشكيل الوزارة الجديدة لياسين الهاشمي. 

ويستمر الشيخ عبد الواحد الحاج سكر في حديثة فيقول: كانت فرحتنا لا توصف فقد انتصرنا.. هكذا اعتقدنا وهكذا تصورنا الامر قياسين صعد الى الوزارة بنتيجة تخطيط وترتيب وتضحيات واستعداد لتقديم المزيد الى ان يتحقق هدفنا الذي اعتقدنا أنه هو الذي يقودنا إلى ما كنا نحلم به لأننا لم نتعلم الكذب ولم نتصور أن يلجأ الإنسان للكذب تحت اي اعتبار ولأجل اي هدف فالانسان اما ان يكون صادقا او ان لايكون اصلا وهكذا كان الاعتقاد اننا قد حققنا ما ننشده وعلينا الانتظار… انتظار ما ستسفر عنه الايام من انجازات كبيرة ضخمة لصالح الديمقراطية والحرية والاغلبية المهمشة المظلومة!!! ولكن أية من هذه الـ”لكن”، فبعد ان استلم الهاشمي الوزارة، كشر عن انيابه وابرز مخالبه وتنكر لقرارات الصليخ وحل الحزب واندفع يطارد المظلومين ويزيد اضطهاد المحرومين فكان لابد من القيام بما ينبغي القيام به حيال تنكر الهاشمي للأكتاف التي حملته والسواعد التي خلقت منه رئسيا للوزارة في حين ما كان له ان يكون وزيرا وكذلك رفعت أخيه، ولان الله بالمرصاد للكاذب فقد حق عليهما عذابه حيث طرد الهاشمي على اثر انقلاب بكر صدقي وقتل الثاني أما نحن فقد تحملنا وزر ما لم يكن في الحسبان. 

هكذا هم الطغاة كما تعلمنا من التاريخ وكما يوضع لنا كتاب طبائع الاستبداد للمفكر العربي الكبير الكواكبي فهم اناس شاذون ليسوا أناسا اسوياء كي نتعامل معهم بشكل سوي وطبيعي. 

حدثني المرحوم الشيخ وداي العطية رجل الريف المثقف، وأحد ابرز شيوخ الحميدات في الشامية في لقلاء جمعني به في كربلاء عام 1972 عن لقاء تم بينه وبين صدام حسين في عام 1966 في كربلاء وكان بصحبته احد أولاد الشيخ وداي وهو حسن الذي شغل منصب متصرف لواء كربلاء بعد انقلاب 8 شباط 1963، فجرى الحديث بينه وبين صدام ونقل عنه إن صدام قال وبالحرف الواحد: 

إذا تمكنا من العود ثانية الى السلطة فلن نكون سببا في قطع رزق احد.

ولن نؤذي أحدا ولن نغمط حق احد ولن نقدم على اي عمل تؤدي نتائجه المباشرة او غير المباشرة الى منع الناس من التمتع بالحرية الكاملة، حرية الرأي وحرية التنظيم الحزبي وحرية التظاهر لو قدر الله وتمكنا من العودة سنعوض الفقراء ما فاتهم ونحقق لهم كل ما يحملون به ويتمنونه. 

ويمضي الشيخ وداي العطية وهو صاحب كتاب الديوانية في حديثة فيقول لقد صدقت اقوال صدام فقد كان حديثه واضحا مباشرا غير ان السنين التي أعقبت انقلاب 17 تموز عام 1968 أوضحت تماما انه كان كاذبا في كل ما قاله!! 

واضيف الى ما قاله الشيخ وادي العطية أن دموية وظلم وقسوة صدام حسين تجاوزت الحدود المعقولة والمنقولة ولا يمكن ذلك في الميل السلطوي الجائر وحسب، بل لأن الطغاة مصابون في العادة بأنواع عديدة من الجنون والخبل خاصة جنون العظمة وجنون الاضطهاد وجنون الغطرسة والتعالي وغالبا ما يكونون من أخبل واجن الناس ياكلهم القلق والهوس والعرب من الموت لذلك يسخرون كل إمكانيات الدولة والسلطة من اجل حمايتهم وبسبب ذلك يصابون بلوثات عقلية وخرف، من هنا بات من الصعب ان لم يكن من المستحيل تصديق ما يقولونه وما يعدون به شعوبهم.

ان الكذب والخداع وصناعة الاوهام لإشغال الناس عن الحقائق القائمة على الارض ليست جديدة في علم السياسة وتطبيقاته المختلفة خصوصا ان الشائع بين الناس ان السياسة هي فن الخداع والتدليس للجمهور لتحقيق مآرب سياسية تعكس أهدافها الحقيقة بشكل مباشر او فن اشباع عواطف الشعب الجاهل بما يخبئه المستقبل بالوعود الكاذبة لخدمة مصالح السياسيين. 

المرعب في الأمر أن البعض يعتمد تفسير الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر للسياسة حيث يقول ان السياسة هي ثاني أقدم مهنة في التاريخ بعد مهنة الدعارة وتستر كان في أسلوب واحد في التسويق فكما ان العاهرة تزين نفسها وتتبرج لجذب الزبائن كذلك الحال النسبة للسياسي بيد ان المفهوم الحقيقي للسياسة شيء آخر مختلف تماما انه فن استخدم الممكن على طريق الوصول الى الأهداف المؤجلة او البعيدة المنال.

البعض يفهم السياسة على نحو فيه شيء غير طبيعي من الإبهام والغموض حيث يقول هذا البعض إذا تكلم السياسي وفهمت قصده من الكلام يبقى هذا الكلام بعيدا عن السياسة اي ان السياسة عمل فيه الكثير من الخدع والنذالة والنفاق واللعب بالألفاظ وما يظهر امامك ما هو الا تجميل وتجمل فهي قائمة على آلية تنهض على قواعد تستمد وجودها من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وكل شيء مباح وهي بذلك تكون أقذر لعبة عرفتها البشرية بحسب ما يراه البعض بيد ان هذه الرؤية فيها الكثير من السوداوية المبالغ فيها فالسياسة كما يراها آخرون، هي لا تعني الكذب والنفاق والدجل والتضليل فهذه الصفات هي جزء من منظومة متكاملة تشكل السلوك اللااخلاقي في كل نشاطات الحياة فهذه الصفات تجدها في السياسة كما تجدها في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والدين، فليس كل من تزي بالزي الديني وحسب نفسه متدنيا هو في حقيقة امره كذلك، الا اذا لم يمارس تلك الصفات اللااخلاقية فمن كذب لا دين له ومن نافق ودجل وخان الأمانة ليس له دين تلك هي الحقيقة. 

من هنا ينبغي أن نتصدى بالتوضيح والتحليل حقيقة أن السياسة اجل واكبر وأرقى من ان تقرن بهذه الصفات اللااخلاقية.. السياسة هي فن العمل على فضح ودحض الاكاذيب وتعرية الدجالين والمنافقين وفضح اسرارهم وهتك استارهم وازاحة الستار عن خفاياهم فالسياسي الذي يحيط نفسه او نظامه بالألغاز والاحاجي والأسرار هو سياسي كاذب ومنافق ودجال لان الذي يفتش عن الدحور والانفاق المظلمة شخص يخفي ما يخجل منه أو يخاف عليه أو يخشى منه فالأمر في كل الأحوال يحتاج إلى الشفافية وليس تهويل الكيان السياسي او الاحزاب لشخوص قادته المعرفية أو القيادية وإحاطتهم بهالة من الغموض والأسرار الخفية فذلك وبالدليل العملي والتجربة الفعلية يكشف حقيقة أن مرد ذلك محاولة اشباع عواطف الجمهور الذي يطرب للاكاذيب والحكايات الوهمية والوعود الكاذبة. ان السياسة هي علم لادارة شؤون الدولة والمجتمع.. وهي تتطلب في الاداء والتخطيط والإعداد نخبة مختارة من أصحاب الكفاءات والتخصصات المتعددة في النظم السياسة تمارس دورها بنزاهة ووضوح وشفافية وصدق بعيدا عن اللف والدوران وليس من بين ركائزها الكذب والخداع فهذه صفات تحتاج إلى عناصر وضيعة بلا أخلاق وقد تأتي للعملية السياسية عن طريق غير شرعي وغير سوي كما يفعل البعض عندما يتآمرون او يمارسون الإرهاب وفق قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” وبذلك فأنهم يمارسون السياسة وفق منطق بعيد كل البعد عن القيم والأخلاق زاعمين ان السياسة هي كذب ونفاق ودجل وخداع وفي ذلك بهتان واضح، فالسياسة علم له أصوله وقواعده وحيثياته ومكوناته وله فلسفة خاصة ومستقلة تنطلق من الرغبة في التفكير في ما تطرحه الحياة السياسية من مشكلات تستعصي على الفهم والحل وهي تختلف عن علم السياسة من جهة إنها إحصاء وترتيب للنظم السياسية وتختلف عن علم الاجتماع السياسي من جهة ما هو بحث في الأبعاد الاجتماعية للتجربة السياسية. 

ما نريد الوصول اليه هو ان ما يقوله البعض ويفعله ويمارسه لا يمت الى السياسة وبالتالي للعملية السياسية التي انطلقت في العراق بعد عام 2003 لتؤسس وضعا يناقض ما كان عليه في الشكل والمضمون، بهدف الدخول إلى عالم التقدم والرخاء ومساواة من يحيط بنا او بعيد عنا، وتعويضنا ما فاتنا طوال أكثر من نصف قرن كان فيها العراق يدور في حلقة مفرغة تكالبت عليه المحن والإحن والمصائب نتيجة فعل السفهاء والرعاع وسقط المتاع من الجهال والفاسقين والباحثين عن الجاه والسحت الحرام…. وهناك مثل عراقي يقول، اعطي الخبز لخبازته حتى لو أكلت نصفه.. ومعنا المثل هو ان العمل ينبغي أن يتسلمه المقتدر المتمكن الكفء وليس الامعات او خدم الاجندات الاجنبية او مفتقري الدراية والاعلمية والمفهومية والباحثين عن فرصة الظهور والبروز والشهرة. 

اسوء ما عنينا ونعاني منه، هو هذا الذي يطبقه البعض “اروايك حنطة وأبيعك اشعير” يضحك بوجهك ويتعامل معك وكأنه من اخلص الناس للفكرة او العقيدة او وجهة النظر التي تؤمن بها، ويصرح ويعلن ويتحدث بلسان طويل، لكنه يخفي اشياء في داخله بلؤم وخسة وانحطاط ولدينا امثلة كثيرة من واقع حال العملية السياسية في العراق ومن المشاركين فيها .. أمثلة تتحدث عن طائفيين وعنصريين وقتلة وعملاء وجواسيس في حقيقتهم بيد انهم يظهرون خلاف ذلك وما حصل من الهاشمي نموذجا. 

البعض يقول تلك هي السياسة واقول ان الغدر والباطنية واللؤم وعدم الوضوح صفات الساقطين اجتماعيا وليست صفات السياسيين الشرفاء من المحترفين او الهواة، ولدينا نماذج منهم كثيرون لسنا بحاجة الى ذكرهم فهم معرفون. 

  

التعليقات معطلة