شهد “الربيع العربي” موجة ترحيب من المجتمع الدولي، وساعدت الكثير من الدول الأوروبيَّة في إرساء دعائمه، ومثال ذلك ليبيا، التي رحَّلت القذافي، على سفينة من دم، إلى عالم البرزخ، ومصر، التي اكتشفت فيما بعد، أن الكثير من منسّقي الثورة ودعاتها كانوا يتقاضون أموالاً من قبل دول أوروبيّة، وكان الداعم الأكبر الولايات المتّحدة الأميركية، إلا أنه على الرغم من هذا، كان “الربيع” قادماً لا محالة، هكذا يقول كتّاب الغرب ومحللوه السياسيين؛ إذ كان صعود الخطوط البيانية للدكتاتوريات العربيّة ينبئ بسقوط مدوٍ للأصنام الرئاسية، خاصة أن الجوع أفلت لجام الخوف من الشعوب. والساحات كانت مهيأة تماماً لاحتضان الحشود التي أفلتت حناجرها وهي تطالب برحيل الأنظمة. 

لكن هل حقّق الربيع مبتغاه؟

السؤال يبدو مقلقاً لأعتى الدول المتقدِّمة ومراكز الدراسات المتخصِّصة. حيث أدى صعود الأحزاب الإسلامية -وفي أعمها الأغلب متطرِّف- إلى سدّة الحكم، إلى حذر شديد في التعامل الدبلوماسي. والدول التي رحبت بقدوم الربيع بدأت تخاف فصل الشتاء الذي تلاه، إذ بات الشتاء قاسياً وقارساً، لاسيما وأن الخطوط البيانية للحريَّات في الدول التي مرَّ بها “الربيع العربي” بدت مقلقة، بعد أن وصلت شخصيَّات إسلامية إلى مراكز متقدّمة في القيادة، وبالرغم من أن بعض تلك الشخصيات تحاول، جاهدة، أن تكون حيادية في مواقفها تجاه الداعين إلى أسلمة المجتمع -الغنوشي مثالاً- إلا أنهم يقعون في فخ المحاباة والتردد في اتخاذ مواقف عاجلة للملمة المواقف المتأزمة، كما حصل مع المتشددين في تونس الذين يهددون الحريَّات العامّة، أو كما حصل مع ليبيا التي كاد أن يجهز متطرفوها على العلاقات الدبلوماسية “الرضيعة” مع الغرب إثر مقتل السفير الأمريكي في بنغازي.

لكن تراجع الديمقراطية لم تشهده بلدان “الربيع العربي” فحسب، بل إنه عبر إلى دول وقارات أبعد من ذلك بكثير، بحسب منظّمة “فريدام هاوس”، الأميركية المعنية بالديمقراطية، وقالت المنظّمة إن “الحكم الديمقراطي تراجع على مستوى العالم كله عام 2011، وان المكاسب التي تحققت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الربيع العربي هي مكاسب هشة للغاية، وانه يمكن خلال حالة الفوضى التي أعقبته أن ينزلق الحكام مجدداً إلى الحكم الشمولي”.

لكن “فريدام هاوس” ترى أن تونس مؤهلة للحاق بركب الديمقراطيات الكبيرة، لكنها أخذت عليها مأخذاً واحداً وهو تراجع حقوق المرأة. ويبدو أن “حقوق المرأة” ستدور بشأنها دراسات كثيرة ومعمَّقة، وهي واقعية، لجهة أن المرأة ستعاني الأمرين في ظلِّ صعود المد الإسلامي، مما يحرمها من امتيازات كثيرة ليس حقوق العمل آخرها.

في آخر الأمر يجب أن تأخذ الثورات العربية، والثائرون على الأنظمة القديمة، بنظر الحسبان، الحكومات الجديدة التي يمكن أن تهدِّد ثوراتهم. ويجب أيضاً أن تنتبه المنظمات الحقوقية إلى تقارير تصدِّر مثل هذا القلق المشروع. 

هل فعلاً سيثار الانتباه؟!.

التعليقات معطلة