Placeholder

تعـمـيـم الفـسـاد

لم يمضِ على نبؤات رئيس هيئة النزاهة المستقيل القاضي رحيم العكيلي الوقت الكثير، حتّى تحقّقت. الرجلُ، يعلم بما ينتجه “الفاشلون”، هكذا وصف العكيلي مرَّة الحكومة، وهذا ما دفعه إلى تقديم استقالته بعد أن عجز عن دحض الفساد من المؤسسة الحكومية.

تنبأ العكيلي أن يُحارَب بعد ان استقال من منصبه، وتوقَّع أن تلفَّق له تهم من الأحزاب السياسية، وهذا ما حصل أيضاً، إلا أنَّه، وقف أمام كلّ القضايا الكيدية التي رُفعت ضدّه، ومثل أمام القضاء، وأثبت كيدية التهم الموجّهة له، من دون جعجعة إعلامية، ومن دون رفع شعار التظلَّم، ولم يمل من التصرفات الطفولية التي قام بها بعض السياسيين. 

العكيلي بقي صامداً في منصبه من قبل. لم يغيَّر موقفه، خاصَّة وأن منصبه من كان سيغنيه لو استغلّه لصالحه. لكنه نأى بنفسهِ عن كل الأموال. ونأى بنفسه عن الدخول في سيرك الفساد الذي أخذ يتوسَّع يوماً بعد آخر. وأخذ مهرجوه يزدادون زينة وتقافزاً. والحبل الذي كان مخيفاً أيام كان العكيلي في منصبه، بدا الآن حبلاً سهلاً وطيَّعاً. يعبره الفاسد دون أيّة حسابات لسقطة مدويَّة. الدويُّ رحل مع العكيلي.

وفور تداول مجلس النوّاب، بشكل شفاهي، عودة العكيلي إلى منصبه، شنَّت شلَّة من النواب حملة إعلامية وقضائية على العكيلي. أصبح العكيلي بعثياً ويجب اجتثاثه. وفاسداً في منصبه ويجب مقاضاته. وأهدر المال العام. وأعطى مجالاً واسعاً للمفسدين ليسرقوا أموال الشعب. العكيلي بين ليلة وضحاها صار المُفسد الوحيد في العراق. وسيكون العراق بمأمن في حال لم يعد إلى منصبه. وبغية الضغط على القاضي النزيه أكثر، طالب مكتب رئاسة الوزراء بإخلاء المنزل الذي يقطنه العكيلي خلال 24 ساعة، على الرغم من صدور القرار قبل 20 يوما من تسليمه بيد القاضي. هكذا اضطر إلى أن يخلي المنزل، لكنه يشكو من عدم تفريغ جميع حاجياته وأثاثه منه. هل هي حرب معلنة على النزاهة من قبل الحكومة؟.

بعد ما تقدَّم، سيكون الجواب قطعاً: نعم. النزيه ليست له مكانة في العراق الجديد، لم تظهر أيَّة قضية على القاضي رحيم العكيلي، لا في زمن النظام السابق، ولا في “العراق الجديد”. الرجل كان بعيداً عن أية قضيّة فساد. ومهنياً في المناصب التي حلَّ بها. هكذا يذكر كل من يعمل في هيئة النزاهة. ولهذا السبب فهو مكروه من قبل الكثير من العاملين معه بسبب تشدَّده. لكن الحكومة لم تكتفِ “بتهجير” العكيلي من بيته، فقد سحبت أفراد حمايته منه، وأخذت القضيَّة منحى خطيراً، الحكومة تعمل على اغتيال كل نزيه في مؤسساتها. ليس هناك تفسير آخر للأمر. ثمَّة نكتة رواها صديقي “الحكومة تسحب المنزل وثم البيت وثم أقسام السلاح”. وأقسام السلاح هنا، لا بدَّ أن تكون بوجه الشرفاء.

شكراً لبناء العراق بهذا الشكل. 

Placeholder

“القاعدة” .. لا قاعدة لها

ما بُنيَّ على باطل فهو باطل, وما بنته أمريكا من قواعد وثكنات وأوكار وجيوب ومافيات طائفية في السر والعلن هو الباطل بعينه, فالباطل باطل بغض النظر عن الواجهة الجهادية المزيفة التي يتستر خلفها, ورحم الله الشاعر لبيد بن ربيعة العامري, الذي قال في مطلع قصيدته التي نسجها بعد إسلامه:

ألا كُلُّ شيءٍ ما خلا اللهُ باطِلُ

لقد تحول تنظيم القاعدة إلى ماركة مسجلة لمنتجات صناعة الموت والدمار, وصارت القاعدة هي الغطاء التسويقي لكل العمليات الإرهابية, التي يراد منها تشويه صورة الإسلام والمسلمين, حتى باتت (مظلة القاعدة) هي المظلة التي تستظل تحتها المجاميع المسلحة المتشددة لتمرير أفكارها الخبيثة الداعمة للتطلعات الأمريكية التوسعية, من خلال تبنيها لكل المواقف التي تضيف الرياح القوية للمهزلة, وأصبح الناس على قناعة تامة من تناغم أنشطة القاعدة مع أنشطة الناتو أو البنتاغون, فوجود تنظيم القاعدة يبرر سلوكيات أمريكا بذريعة مكافحة الإرهاب, وبالتالي فإن واشنطن في أمس الحاجة لبقاء القاعدة في المخابئ الغامضة لكي تحافظ على سوسيولوجيا الخوف, التي تخدع بها الرأي العام العالمي, فالقاعدة تعمل بالأساس لصالح القوى الشريرة, وهكذا فإن تنظيم القاعدة هو أفضل من أدى دور العدو الايجابي الذي خدم التوجهات الأمريكية بشكل مباشر أو غير مباشر.  

فالمنطق العقلاني يقول، إن أسامة بن لادن خدم المصالح الأمريكية سواء أكان مجنداً بشكل مباشر أو غير مباشر, وجاءت مسرحية مقتله في أعقاب الأحداث الدراماتيكية التي عصفت بالعواصم العربية الجمهورية, واستثنت العواصم العربية الملكية, فكان الربيع البترولي (الربيع العربي) هو الجسر الذي عبرت فوقه التنظيمات الإسلامية المرتبطة بعلاقات ودية مع البيت الأبيض, فظهرت علينا أمريكا فجأة لتقول لنا بأنها اكتشفت مؤخراً إن المافيات الطائفية المسلحة لم تعد متوحشة مثل السابق, وإنها تخلصت من شكوكها القديمة ولم تعد تخشاهم, وستوفر لهم الدعم الكامل وتقدم لهم السلاح والعتاد لتساعدهم في المضي قدما نحو تنفيذ أجندتهم الفوضوية التكفيرية في العالم العربي. 

 فالقاعدة الآن تقضي بوجوب قيام تنظيم القاعدة بتلقي المساعدات المغرية من أمريكا نفسها, ما يعني إن تنظيم القاعدة لم تكن لديه قاعدة فقهية ثابتة في المواجهات الحقيقية مع الذين كانوا يسمونهم (معسكر الشر), و(جند الشيطان), و(أعداء الحق), وإنها دخلت معهم الآن في شراكة تحالفية ميدانية طويلة الأمد. .

http://www.youtube.com/watch?v=_rwZfZqvYs0&feature=related

فالقاعدة لا قاعدة لها, وليس أدل على ذلك من تجحفلها اليوم مع الفلول الأمريكية المتغلغلة في بعض العواصم العربية, فقد ظهر (الظواهري), الزعيم الجديد للقاعدة, في خطاب بثته قناة (السحاب), حث فيه سراياه (الجهادية) ليأخذوا دورهم في الإطاحة ببعض النظم العربية (الجمهورية فقط), وجاء خطابه متزامنا مع زيارة (هيلاري كلينتون) لمصر, وتحدثها مع نخبة من الإخوان المسلمين باللهجة التي تحدث بها (الظواهري), فالهدف المشترك الذي يربط القاعدة بالبنتاغون هو العمل على إثارة الفوضى والقلاقل في المدن العربية الآمنة. 

 ظهر الظواهري هذه المرة أنيقا نظيفا مسترخيا, وكأنه من أمراء روسيا القيصرية في قصورهم المهيبة الفاخرة, كانت صورته مختلفة تماما عن صورته (الجهادية) القديمة في كهوف كندهار, ظهر وكأنه فقد ذاكرته متجاهلا وعوده وتهديداته بنقل المعارك إلى عقر الديار الأمريكية, باعتبارها من الإستراتيجية الثابتة التي آمن بها تنظيم القاعدة  في محاربة (الكفر) منذ نشأته, فظهر على حقيقته مؤيدا داعما للتطلعات الأمريكية الرامية إلى نقل المعركة إلى الديار العربية والإسلامية, ما يوحي بأن القاعدة لا قاعدة لها, فحيثما وجدت القاعدة وجدت الأطماع الأمريكية. 

 لو عدنا قليلا إلى الوراء لوجدنا إن تنظيم القاعدة نشأ أول مرة في أوكار جهاز المخابرات المركزية الأمريكية لمواجهة المد السوفيتي في أفغانستان, ثم استعانت به أمريكا بعد رحيل السوفيت لتشويه صورة الإسلام والمسلمين, وتسويق الفوضى الخلاقة, وارتكاب المجازر باسم الدين بقصد الترويج لثقافة العنف وزعزعة استقرار المدن العربية والإسلامية. 

والله يستر من الجايات

Placeholder

المؤتمر العالمي للإرهاب في القدس كان البداية .. الأسلمة … والبحث عن شرعية “الحرب” على الإرهاب

 المستقبل العراقي / حليم الاعرجي 

لا احد في وسعه ان ينكر حقيقة أن جذور ما يسمى بـ “الإرهاب العالمي المعاصر” ظهرت ونمت في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي والأميركي، حين قامت الولايات المتحدة الأميركية بدعم “المجاهدين الأفغان” ذوي الأصول الوهابية ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان وبالتأكيد فان بعض فصائل هؤلاء “المجاهدين” التي كانت مدعومة بالولايات المتحدّة الأميركية أصبحت لاحقا أدوات تم تدريبها وتمويلها من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتصبح ضمن شبكة أسامة بن لادن وهذه حقائق ثابتة، لا سبيل لإنكارها او عدم الاعتراف بها وقد استمرت العلاقة بين المخابرات الأميركية وهذه الفصائل، حتى بعد ان تدخلت الولايات المتحدة الأميركية مباشرة في احداث أفغانستان وأطاحت بحكومة طالبان لتؤسس وضعا بلغة الغموض ويخضع لصناعة الفوضى الخلاقة ولتتسع دائرته بحيث تشمل باكستان ومناطق أخرى في العالم وهنا لابد من ان نتساءل: ترى هل بدات فلسفة الحرب على الارهاب وكينونتها ، مع الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ام ان له بداية اخرى وضعت ما حصل في أفغانستان في صياغة فكرية تنظيمية وفي اطار محدد ووفق آليات عملية تنفذه على الأرض..؟

البعض يحاول ان يثبت تاريخ البدء بشن الحرب على الارهاب على خلفية ما حدث في أيلول سبتمبر 2001 في حين أن الواقع يقول إن الحرب علـــى الإرهاب وتوفير أرضيتها الفكرية ومنطلقاتها السياسية وآفـــاق اهدافها المرحلية والستراتيجية ، بدأت قبل احداث أيلول باثني عشر عاما … اي منذ عام 1990 حيث كان العالم يشهد انحلال وتداعي الكتلة الشرقية وظهور بوادر السقوط السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في تلك الظروف الغامضة ووسط تلك التحولات المخيفة اجتمعت نخبة من الناشطين في مجال دعم اسرائيل واحلال السلام وانهاء الصراع العربي الاسرائيلي ينتمون الى عدة دول اوروبية وأميركية واسترالية وآسيوية وافريقية في مؤتمر عالمي عقد في القدس في فلسطين المحتلة لدراسة “الارهاب في العالم” وكيفية مواجهة هذا الارهاب ومحاولة وضع تعريف شامل وواضح لكلمة إرهاب والافعال او الحوادث او الوقائع التي توصف بـ”الإرهاب” وعرف المؤتمر فيما بعد بـ”مؤتمر القدس” حول الإرهاب العالمي.

واذا اردنا ان نفهم طبيعة هذا المؤتمر وغاياته ونواياه ومراميه فلابد من ان نعرف منظم هذا المؤتمر الواقف خلفه والداعي إليه.

كانت فكرة المؤتمر قد طرحت من قبل بنيامين نتيناهو الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء الإسرائيلي ويلعب الآن دورا كبيرا من خلال موقعه كرئيس للوزراء في الوقت الحاضر في رسم مستقبل إسرائيل على الصعيد الاقليمي في قضيتي حل القضية الفلسطينية وفق مشروع الدولتين، وموضوع الملف النووي الإيراني الذي تعتقد إسرائيل انه يشكل عليها خطورة، بسبب كونه يتجاوز احد أهم الخطوط الحمراء للإستراتيجية الاسرائيلية التي تتعدى مفاهيمها الأمنية حدود إسرائيل إلى كامل الحدود الاقليمية لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.

المهم ان فكرة نتيناهو تلقفها شقيقه الذي يحمل معهد “جونوثان نتيناهو” اسمه وكان عقيدا في الجيش الإسرائيلي وتم قتله على يد إحدى الفصائل الفلسطينية فأسس شقيقه معهدا متخصصا بالأبحاث والدراسات الإستراتيجية احياءً لذكراه وقد تبنى هذا المعهد ما وصفه بـ “الارهاب” في اشارة واضحة للمقاومة الفلسطينية على اساس انها من وجهة نظره ارهابا ، ولذلك عمل على مدى اكثر من عقدين من الزمن بالتهيئة والاعداد لاعمال تدخل في هذا الاطار وقد توجه عمله هذا بـ”المؤتمر العالمي” للإرهاب حيث قام المؤتمر من خلال توصياته بوضع الايديلوجية لما يسمى ” الحرب على الارهاب ” ثم قام بتأسيس منظمة وجعل مقرها في روسيا لمحاربة الارهاب وتوفير الدعم المالي واللوجستي لها.

لقد شكل ذلك حافزا قويا للبروفسور فيليب بول من جامعة سان فرانسيسكو الاميركية لاعداد دراسة مفصلة مدعومة بالوثائق عن حركة الإرهاب العالمي للفترة من 1968 ـ 1978 وقد لاقت هذه الدراسة إعجابا وقبولا من قبل الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ولعبت الدراسة دورا كبيرا في اعادة النظر بالخطط الأميركية، بتجديد قواعدها وحيثياتها، واسسها وارستها على نوع معين من الشرعية السياسية.

لقـــد تضافرت النتائج المتحققة من المؤتمــر العالمي للارهاب الذي عقـــد في القــدس مــع دراسة البروفيسور فيليب بول، لتوجد أسسا جديدة في السياسة الاميركية في اطار العمل ضد الارهاب وكان ابرز تلك الاسس واشدها اثارة تبني الولايات المتحدة الأميركية أسلوب إقامة العلاقات المباشرة مع الحركات والتيارات المتطرفة في العالم، وتوثيق العلاقات المباشرة مع الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية… حتى وصل الامر درجة قيام تحالفات تنطوي على قدر كبير من التعاون المباشر وغير المباشر في أجواء شهدت نشاطات غير محدودة لوكالة المخابرات الأميركية CIA  لإيجاد أسس وقواعد التعاون في إطار من السرية وكان من بواكير هذه الجهود إيجاد “جيش” من ” المجاهدين”. 

لقد حلت عبارة ” الارهاب ” على نطاق واسع منذ ان جرى استخدامها من قبل مؤتمر الإرهاب العالمي محل عبارة “العنف” قد اشتد الحوار والنقاش على هذا التوصيف الذي ظل عاما بعيدا عن التحديد حيث كان انصار  توصيف العنف يؤكدون ان لهذا التوصيف عمقا تاريخيا في حياة البشر وقد استخدم للاشارة الى الاعمال المجردة من قيم الرأفة والرحمة والانسانية وهو توصيف ينطبق على الفعل شكلا وموضوعا اما ” الارهاب ” فلا يتحقق ذلك التطابق بين المضمون والتوصيف اذ ليس شرطا ان يكون الارهاب مقترنا بالعمل الفعلي، فقد ترهب إنسانا وتخيفه بالتهديد والتلويح وبهذا المعنى يصبح الإرهاب “تخويفا”.

لقد كانت د وافع المؤتمر بالتمسك بهذا التوصيف معروفة رغم انه لم يتطرق اليها بالتصريح او التلميح فهو اراد ان يوصف العمل الفدائي الفلسطيني حصرا بوصف يستمده من القرآن الكريم وكان كل شيء يوحي بان هناك مخاضا اسرائيليا اميركيا ليس طبيعيا ويراد له ان يلعب دورا بارزا ومؤثرا على المستوى العالمي في كبح جماح المسلمين العرب وغير العرب الذين بدءوا يتحركون على مختلف المستويات  باستخدام النفط وأمور ستراتيجية أخرى في التأثير على الرأي العام العالمي، حيث كان لهم مكان الصدارة في حركة عدم الانحياز مجموعة الـ” 77 ” والوحدة الافريقية وفي اميركا اللاتينية وفي آسيا ويملكون صنع القرار في منظمة الاوبك ولديهم منظمة خاصة بهم تعني بشؤون التنسيق والمشاريع المشتركة وهي منظمة “اوابك” وكان بهم التأثير الفعال في المنظمة الدولية وصدور قرار الجمعية للأمم المتحدة بإدانة إسرائيل بجريمة “العنصرية” كان انتصارا باهرا للقضية الفلسطينية فكان لابد من رد يسقط كل ذلك ويظهر الطرف الآخر ” ارهابيا ” ليست له قضية عادلة ، ليس له موقف انساني وكان لهم ما ارادوا … اذا وجدوا العينات التي تستجيب لهم وتجسد ما ارادوه برداء اسلامي كاذب .

لقد حل ” الخطر الاسلامي ” محل ” الخطر الشيوعي ” واذا كانت اسرائيل واميركا قد فسرا معنى “الخطر الشيوعي” بالتحليل والنقاش والاستناد على المعطيات القائمة على الارض فأنهما كانا عاجزين عن فعل ذلك مع ما وصفاه بـ “الخطر الاسلامي” وكان لابد من ان يستندا على معطيات واقعية قائمة على الأرض من هنا جاء دور الاسلمة فكرا وسلوكا وبالاعتماد على ” تفكير” الآخر ومعاقبته بالقتل عن طريق الذبح “الحلال”.

وبحسب ما يذكره الدكتور نور علي الاكاديمي والسياسي الباكستاني، باشرت واشنطن باتخاذ خطوات فعالة وعملية في هذا المجال لاستثمار الغزو السوفيتي لأفغانستان  بالسعي إلى تنظيم الكثير من الراغبين بالجهاد ضد السوفيت وربطهم بوكالة المخابرات الأميركية من حيث النقاط التالية:

1 ـ التمويل وتتكفل به الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص والسعودية كعامل مساعد تحول فيما بعد إلى ممول أساسي ووحيد.

2 ـ التدريب والتأهيل اللوجستي والايديلوجي والتركيز على قاعدة “التكفير ” وان لا حياة ولا وجود للكافر وان قاتل الكافر في الجنة ويشارك الرسول محمد “ص” في أكله وصحبته ..

لقد تجاوزت الولايات المتحدة الاميركية كل التصورات والتوقعات في استغلال الشعور الديني السائد لدى الشعب الافغاني بشكل خاص والشباب المسلم في باقي الدول الإسلامية وبشكل محدد في السعودية ومصر وشمال افريقيا وتوظيف كل ذلك في خلق مقاومة للنظام الشيوعي الكافر وبادرت أميركا الى طبع كتيب صغير باللغة الأفغانية يشرح مضامين وأهمية الجهاد في الإسلام بلغة بسيطة.

كان اسامة بن لادن احد اهم الشخصيات المحورية في هذه العملية وهو أسامة ابن الشيخ محمد بن لادن، مؤسس إمبراطورية المقاولات والانشاءات التي سيطرت على معظم المشاريع في السعودية بدعم حكومي مثل: شبكات الطرق والمطارات وقد انتقل نشاطه في المقاولات إلى الاردن والكويت والامارات  وغيرها .. وكان يتمتع بصداقات وعلاقات عائلية وطيدة مع عائلات أميركية كبرى كعائلة بوش الأب والابن.. وكان على علاقة حميمة بهنري كيسنجر وشخصيات أميركية كثيرة.

كان الشيخ أسامة من غلاة الوهابية دينا ولذا كان مقربا جدا من العائلة المالكة في السعودية وقد دخل عالم “الجهاد” بدفع وتأييد وتحريض من صديقه بوش الابن.لقد بدأت قرارات وتوصيات مؤتمر “الإرهاب” العالمي في القدس يؤتي ثماره فقد بدأت عمليات “غسل الدماغ” تتواصل في باكستان وافغانستان والسعودية وأخذت النجاحات التي حققها “المجاهدون”  ضد السوفيت تصغي عليهم هالة من الفخر الممزوج بـ ” ثقة ” بالنفس تتعزز كل يوم وبدا الاعلام الاميركي والغربي والاسرائيلي يخلق من ذلك اساطير ماطرة بـ “مخاوف” يفصح عنها هنا او هناك إلى أن رفع الغطاء عما يجري في الخفاء عند إنهاء الاحتلال السوفيتي وانبثق نظام طالبان بتشجيع وتأييد اميركي “مقصود”.

لقد كانت الرؤية المحددة للإستراتيجية التي حددها المؤتمر، هي العمل على ايجاد مصادر التهديد والخطر من خلال خلق بؤر تفرز ظواهر مظاهر يمكن استثمارها في الترويج للحرب على الإرهاب منها:

1 ـ استغلال العمليات التي تستهدف الطائرات وامن النقل الجوي بالخطف او الإسقاط او التفجير.

2 ـ استغلال عمليات احتجاز المدنيين وخصوصا في المدارس والمعاهد العلمية والتربوية .

3 ـ استغلال عمليات استخدام اساليب واسلحة ووسائل الدمار الشامل. 

4 ـ استغلال عمليات التفخيخ والذبح ضد المدنيين وجاءت في أسس هذه الستراتيجية تأكيدات بضرورة ان تستخدم كافة الوسائل الإعلامية لتسليط الضوء على هذه الممارسات لزيادة كراهية الناس لها ورفضهم التعاطي او التعاطف مع مرتكبيها بصرف النظر عن المستهدف… والآن من هم مهندسو ومنظمو ومعدو هذا المؤتمر ولماذا اجرى التعتيم عليه وطمس معالمه؟.

حسب وثائق فيليب بول ، فان الحاضرين يفصحون بوضوح عن اهمية ومكانة هذا المؤتمر الذي مهد الطريق لإعلان اميركا “الحرب على الارهاب” وهم :

1 ـ مناحيم بيغى رئيس منظمة اراغون ورئيس وزراء لعدة دورات. 

2 ـ بنزيون نتنياهو بروفسور في جامعة كورنيل. 

3 – شيمون بيريز زعيم حزب العمل الاسرائيلي. 

4 ـ الجنرال حاييم هيروتز رئيس مخابرات اسرائيل في حينها .

5 ـ الواء ماييراميت رئيس مخابرات اسرائيل سابقا .

6 ـ العقيد هارون ياريف رئيس مخابرات سابقا.

7 ـ اللاوء سلومو كازيت رئيس مخابرات سابق.

8 ـ بول جونسون رئيس تحرير جريدة “نيو ستيتسمان” الاميركية. 

9 ـ سيرهيو فريزر نائب عن حزب المحافظين البريطاني .

10 ـ ريتشارد باليبس بروفيسور متخصص بالشؤون الروسية ومستشارا لدى الرئيس ريغان.

11 ـ ري كلــن نائــب رئيــس وكالة المخابرات المركــــــزية الاميركية سابقا.

12 ـ اللواء جورج كيفان قائد القوة الجوية الأميركية .

13 ـ جــــــورج بــــوش ” الأب” رئيس المخابرات الأميركية سابقا ورئيس الولايات المتحدة لاحقا ووالد الرئيـــس الســابق جورج بوش الابن.وهنا نتساءل .. ترى كيف تغير التوجه في التثقيف والإعداد النفسي من مجاهدة الكفار السوفيت الى “مجاهدة” الكفار الأميركيين وكانت البداية أحداث أيلول “سبتمبر” وهذا ما سنتحدث عنه في حلقة جديدة من هذا  الموضوع.

  

  

Placeholder

مقامات«عبد الإله الصائغ» الشجية

• حين يتباهى النبيون – أمام القدرة الجليل- فأنهم يتباهون بعلماء أمتهم..لأن مداد أقلامهم بمنزلة دماء الشهداء..

وحين تتباهى الشعوب -مع نظرائها- فإنها تتباهى بالمبدعين والأعلام –اول ما تتباهى– لأنهم من يجمّلون الحياة.. ويحملون مصابيح المستقبل المنشود؛ولم اجد في عموم قراءاتي ان امة من الأمم تباهت بسياسييها او بحكامها الا من رحم ربي ومن عصم من السرقة والفساد والجمع بين التديّن والركض وراء مغريات الدنيا.

• لعراقنا أعلام تنحني لأسمائهم الهامات؛وتفخر بهم البلدان التي يحلون بين ظهرانيها؛والامثلة تقصر عن الإتيان بالأدلة؛ فهل يمكن لورقة مقتطعة ان تعطي صورة كاملة عن غابة مترامية الاشجار؟!

من هؤلاء الاعلام..البروفيسور عبد الاله الصائغ؛ الاكاديمي الذي تُدرّس كتبه كـ(مقررات) في عدة جامعات تمتد على جغرافية الوطن العربي؛ والاستاذ فوق منابر الدرس؛ الذي انار درب الطلبة ومدّهم بالمعلومة والتوجيه والمساندة لما يقرب من 40 عاما؛ حتى إذا امضّه قيد حريته؛ امتطى الهجرة والتغرّب بين فيافي المطارات والمرافئ؛ ليحط رحال شيخوخته أخيرا؛ في بلد لا عواطف فيها ولا قيمة للإنسان إلا بما يملك من (مادة) ويكنز من مال؛ وأنى لمثله ذلك!!

• اثناء تعقيبات واخبار (الفيسبوك)عرفت حالته المرعبة التي وصل إليها؛ فقد ألمّ الشلل بنصف جسده السفلي؛ فاتصلت للاطمئنان لأجده في (مستشفى امريكي) يستعد لعملية هي الأصعب في العمود الفقري؛ وتكاليفها هي الاغلى؛ وتناهى إليّ صوت الشاعر فيه متمثلا بأبيات هي الأدق في التعبير عن حالته (وصرنا نلاقي النائبات بأوجه – رقاق الحواشي كاد يقطر مــــاؤها

 إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت – علينا الليالي لم يدعنا حيـــاؤها)

فكان لزاما علي ان اضمّ صوتي لأصوات اصدقائه ومعجبيه ومجايليه ومن يعرف قدره؛ واناشد الحكومة؛ ووزارة الثقافة؛ والفضائية العراقية -الوريث الشرعي لتلفزيون العراق- واتحاد الادباء؛ وحكومة الموصل المحلية (التي تتلمذ على يديه العشرات من طلاب أحيائها) وحكومة النجف (وفاء لمسقط رأس وانتسابا للآل بيت؛ وخدمة لأرشفة تاريخها الاجتماعي والثقافي) ووزارة التعليم العالي ممثلة بوزيرها الدكتور علي الاديب؛ وسأستعين بخطاب نشره الأستاذ الدكتور (جعفر عبد المهدي صاحب) مؤخرا؛ جاء في بعض فقراته؛ وبعضها على لسان الصائغ نفسه (إن معالي وزير التعليم العالي السيد علي الأديب قد جاء الى امريكا؛ وحدثه الدكتور طاهر البكاء وزير التعليم العالي السابق بما معناه إن خسارة الصائغ لا تعوض وهو مريض ويحتاج الى ضمان صحي  كما حدثه البروف عبد الهادي الخليلي في الاتجاه ذاته وكنت واقفا فصافحنا ماشيا وقال اكتبوا لي طلبا حول الصائغ) ثم يضيف الدكتور جعفر (والله لو كان هذا الرجل أمريكيا لوضعوا له تمثالا أمام بيتهم الأبيض، ولو كان إسرائيليا امام كنيستهم، ولو كان روسيا أمام كريملنهم، ولو كان ألمانيا أمام بوندستاغهم. فما هي الصورة في عراقنا؟!!

 هذا وضع يكتنف احد رموز أكاديميينا ومفكرينا وأدبائنا المعاصرين، أنه البروفيسور الدكتورعبد الإله الصائغ، فما هو رد فعلكم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه وأنتم في موقع المسؤولية الأول في عراقنا الحبيب أيها السيد الوزير؟)

• واحدة من مهازل التاريخ؛ إن الفرات..تشرب من مائه الكلاب والبهائم ومنع عن الحسين ابن بنت رسول الله!!

وواحدة من المهازل المعاصرة؛ ان عراقنا اليوم يغرف من خيراته الأميون ومزورو الشهادات ويموت بحسرتها أصحاب العلم والشرفاء!!

• حكومتنا الموقرة.. هل نسمع خبرا يطمئن؟

    مع ثقتي …….

Placeholder

تعـمـيـم الفـسـاد

لم يمضِ على نبؤات رئيس هيئة النزاهة المستقيل القاضي رحيم العكيلي الوقت الكثير، حتّى تحقّقت. الرجلُ، يعلم بما ينتجه “الفاشلون”، هكذا وصف العكيلي مرَّة الحكومة، وهذا ما دفعه إلى تقديم استقالته بعد أن عجز عن دحض الفساد من المؤسسة الحكومية.

تنبأ العكيلي أن يُحارَب بعد ان استقال من منصبه، وتوقَّع أن تلفَّق له تهم من الأحزاب السياسية، وهذا ما حصل أيضاً، إلا أنَّه، وقف أمام كلّ القضايا الكيدية التي رُفعت ضدّه، ومثل أمام القضاء، وأثبت كيدية التهم الموجّهة له، من دون جعجعة إعلامية، ومن دون رفع شعار التظلَّم، ولم يمل من التصرفات الطفولية التي قام بها بعض السياسيين. 

العكيلي بقي صامداً في منصبه من قبل. لم يغيَّر موقفه، خاصَّة وأن منصبه من كان سيغنيه لو استغلّه لصالحه. لكنه نأى بنفسهِ عن كل الأموال. ونأى بنفسه عن الدخول في سيرك الفساد الذي أخذ يتوسَّع يوماً بعد آخر. وأخذ مهرجوه يزدادون زينة وتقافزاً. والحبل الذي كان مخيفاً أيام كان العكيلي في منصبه، بدا الآن حبلاً سهلاً وطيَّعاً. يعبره الفاسد دون أيّة حسابات لسقطة مدويَّة. الدويُّ رحل مع العكيلي.

وفور تداول مجلس النوّاب، بشكل شفاهي، عودة العكيلي إلى منصبه، شنَّت شلَّة من النواب حملة إعلامية وقضائية على العكيلي. أصبح العكيلي بعثياً ويجب اجتثاثه. وفاسداً في منصبه ويجب مقاضاته. وأهدر المال العام. وأعطى مجالاً واسعاً للمفسدين ليسرقوا أموال الشعب. العكيلي بين ليلة وضحاها صار المُفسد الوحيد في العراق. وسيكون العراق بمأمن في حال لم يعد إلى منصبه. وبغية الضغط على القاضي النزيه أكثر، طالب مكتب رئاسة الوزراء بإخلاء المنزل الذي يقطنه العكيلي خلال 24 ساعة، على الرغم من صدور القرار قبل 20 يوما من تسليمه بيد القاضي. هكذا اضطر إلى أن يخلي المنزل، لكنه يشكو من عدم تفريغ جميع حاجياته وأثاثه منه. هل هي حرب معلنة على النزاهة من قبل الحكومة؟.

بعد ما تقدَّم، سيكون الجواب قطعاً: نعم. النزيه ليست له مكانة في العراق الجديد، لم تظهر أيَّة قضية على القاضي رحيم العكيلي، لا في زمن النظام السابق، ولا في “العراق الجديد”. الرجل كان بعيداً عن أية قضيّة فساد. ومهنياً في المناصب التي حلَّ بها. هكذا يذكر كل من يعمل في هيئة النزاهة. ولهذا السبب فهو مكروه من قبل الكثير من العاملين معه بسبب تشدَّده. لكن الحكومة لم تكتفِ “بتهجير” العكيلي من بيته، فقد سحبت أفراد حمايته منه، وأخذت القضيَّة منحى خطيراً، الحكومة تعمل على اغتيال كل نزيه في مؤسساتها. ليس هناك تفسير آخر للأمر. ثمَّة نكتة رواها صديقي “الحكومة تسحب المنزل وثم البيت وثم أقسام السلاح”. وأقسام السلاح هنا، لا بدَّ أن تكون بوجه الشرفاء.

شكراً لبناء العراق بهذا الشكل. 

Placeholder

“القاعدة” .. لا قاعدة لها

ما بُنيَّ على باطل فهو باطل, وما بنته أمريكا من قواعد وثكنات وأوكار وجيوب ومافيات طائفية في السر والعلن هو الباطل بعينه, فالباطل باطل بغض النظر عن الواجهة الجهادية المزيفة التي يتستر خلفها, ورحم الله الشاعر لبيد بن ربيعة العامري, الذي قال في مطلع قصيدته التي نسجها بعد إسلامه:

ألا كُلُّ شيءٍ ما خلا اللهُ باطِلُ

لقد تحول تنظيم القاعدة إلى ماركة مسجلة لمنتجات صناعة الموت والدمار, وصارت القاعدة هي الغطاء التسويقي لكل العمليات الإرهابية, التي يراد منها تشويه صورة الإسلام والمسلمين, حتى باتت (مظلة القاعدة) هي المظلة التي تستظل تحتها المجاميع المسلحة المتشددة لتمرير أفكارها الخبيثة الداعمة للتطلعات الأمريكية التوسعية, من خلال تبنيها لكل المواقف التي تضيف الرياح القوية للمهزلة, وأصبح الناس على قناعة تامة من تناغم أنشطة القاعدة مع أنشطة الناتو أو البنتاغون, فوجود تنظيم القاعدة يبرر سلوكيات أمريكا بذريعة مكافحة الإرهاب, وبالتالي فإن واشنطن في أمس الحاجة لبقاء القاعدة في المخابئ الغامضة لكي تحافظ على سوسيولوجيا الخوف, التي تخدع بها الرأي العام العالمي, فالقاعدة تعمل بالأساس لصالح القوى الشريرة, وهكذا فإن تنظيم القاعدة هو أفضل من أدى دور العدو الايجابي الذي خدم التوجهات الأمريكية بشكل مباشر أو غير مباشر.  

فالمنطق العقلاني يقول، إن أسامة بن لادن خدم المصالح الأمريكية سواء أكان مجنداً بشكل مباشر أو غير مباشر, وجاءت مسرحية مقتله في أعقاب الأحداث الدراماتيكية التي عصفت بالعواصم العربية الجمهورية, واستثنت العواصم العربية الملكية, فكان الربيع البترولي (الربيع العربي) هو الجسر الذي عبرت فوقه التنظيمات الإسلامية المرتبطة بعلاقات ودية مع البيت الأبيض, فظهرت علينا أمريكا فجأة لتقول لنا بأنها اكتشفت مؤخراً إن المافيات الطائفية المسلحة لم تعد متوحشة مثل السابق, وإنها تخلصت من شكوكها القديمة ولم تعد تخشاهم, وستوفر لهم الدعم الكامل وتقدم لهم السلاح والعتاد لتساعدهم في المضي قدما نحو تنفيذ أجندتهم الفوضوية التكفيرية في العالم العربي. 

 فالقاعدة الآن تقضي بوجوب قيام تنظيم القاعدة بتلقي المساعدات المغرية من أمريكا نفسها, ما يعني إن تنظيم القاعدة لم تكن لديه قاعدة فقهية ثابتة في المواجهات الحقيقية مع الذين كانوا يسمونهم (معسكر الشر), و(جند الشيطان), و(أعداء الحق), وإنها دخلت معهم الآن في شراكة تحالفية ميدانية طويلة الأمد. .

http://www.youtube.com/watch?v=_rwZfZqvYs0&feature=related

فالقاعدة لا قاعدة لها, وليس أدل على ذلك من تجحفلها اليوم مع الفلول الأمريكية المتغلغلة في بعض العواصم العربية, فقد ظهر (الظواهري), الزعيم الجديد للقاعدة, في خطاب بثته قناة (السحاب), حث فيه سراياه (الجهادية) ليأخذوا دورهم في الإطاحة ببعض النظم العربية (الجمهورية فقط), وجاء خطابه متزامنا مع زيارة (هيلاري كلينتون) لمصر, وتحدثها مع نخبة من الإخوان المسلمين باللهجة التي تحدث بها (الظواهري), فالهدف المشترك الذي يربط القاعدة بالبنتاغون هو العمل على إثارة الفوضى والقلاقل في المدن العربية الآمنة. 

 ظهر الظواهري هذه المرة أنيقا نظيفا مسترخيا, وكأنه من أمراء روسيا القيصرية في قصورهم المهيبة الفاخرة, كانت صورته مختلفة تماما عن صورته (الجهادية) القديمة في كهوف كندهار, ظهر وكأنه فقد ذاكرته متجاهلا وعوده وتهديداته بنقل المعارك إلى عقر الديار الأمريكية, باعتبارها من الإستراتيجية الثابتة التي آمن بها تنظيم القاعدة  في محاربة (الكفر) منذ نشأته, فظهر على حقيقته مؤيدا داعما للتطلعات الأمريكية الرامية إلى نقل المعركة إلى الديار العربية والإسلامية, ما يوحي بأن القاعدة لا قاعدة لها, فحيثما وجدت القاعدة وجدت الأطماع الأمريكية. 

 لو عدنا قليلا إلى الوراء لوجدنا إن تنظيم القاعدة نشأ أول مرة في أوكار جهاز المخابرات المركزية الأمريكية لمواجهة المد السوفيتي في أفغانستان, ثم استعانت به أمريكا بعد رحيل السوفيت لتشويه صورة الإسلام والمسلمين, وتسويق الفوضى الخلاقة, وارتكاب المجازر باسم الدين بقصد الترويج لثقافة العنف وزعزعة استقرار المدن العربية والإسلامية. 

والله يستر من الجايات

Placeholder

سيكولوجية «التهمة والتشهير» في الاجتماع والسياسة العراقية

تعيش الأطراف السياسية العراقية, ولاسيما أحزاب السلطة ومنذ تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة وتحديدا لعام 2010 تقاذفا للتهم وتبادلا للتشهير الذي يصل الى حد التسقيط, مما جعل المواطن العراقي يعيش في حيرة مما يجري بين الأحزاب والسياسيين, ومما زاد الطين بله تسابق الفضائيات والصحف لاحتضان ونشر غسيل التهم والتشهير من خلال الاستضافات التي ينقصها الاختيار الأفضل, ومن خلال نشر وترديد التهم والتشهير على أنها مقولات ومواقف جديرة بالمتابعة وهي ليست كذلك, وهذا المشهد الذي مضت عليه سنوات وتحديدا بعد 2003 أدى الى انخفاض منسوب النضج السياسي في العراق , ونتيجة لذلك نحاول وباختصار إلقاء الضوء على الخلفية السيكولوجية لهذه الظاهرة .

تستقر في قعر الاجتماع العراقي ثنائية سلوكية غير محببة أخلاقيا ومرفوضة شرعا وتلك الثنائية هي :-

1 – التهمة

2- التشهير

وللتهمة ترسب اجتماعي قديم في العراق ترجع أصولها الى الاختلافات في المواقف والرؤى وعلى رأسها: الاختلافات العقائدية التي كانت سببا للاختلافات السياسية التي تشظت الى سلطات زمنية تختزن الشك والريبة فيما بينها, ومن هنا أصبحت “ الملل والنحل “ موضع اهتمام المحققين والدارسين عبر تاريخ العراق وعاصمته بغداد المدينة الرئاسية لمدة خمسة قرون والتي لم تنصفها السياسة بفريق السلطة الزمنية بمقدار ما أنصفتها الثقافة بحوارات العقول الكبيرة التي بسطت هيمنتها في علم الفقه وعلم الكلام وجعلت من حواضر الكوفة والبصرة ينابيع وروافد لمائدة بغداد الثقافية التي ازدهرت بتلاميذ جعفر بن محمد الصادق حيث كان أبو حنيفة يستمع لصبي ابن ثماني سنوات هو موسى بن جعفر الكاظم ليأخذ منه مفردات علم البيئة ليقول: لو لم احصل إلا على هذا لاكتفيت ؟

وفي الوقت الذي كان علي بن موسى الرضا تعقد له مجالس الحوار بأمر من المأمون , ليطأطئ  العلماء رؤوسهم قائلين: صدقت يا ابن رسول الله , كان في الجانب الآخر فريق يتحرق غيضا, فينشغل بصناعة التهمة, مما جعل والد بوران زوج المأمون يقول للمأمون في معرض سؤاله عما يريد من مكافأة لما صنع له من نثر اللؤلؤ والذهب على رأسه ليلة زفاف المأمون: أحفظ لي قلبك؟ اي من التهم والتحريض و التشهير الذي انتشر حسدا بين أعوان السلطة ووصلت تداعياته الى الكتاتيب وغرف الدرس التي لم ينضبط جميع طلابها بأخلاقية العلماء والحفاظ على أمانة العلم .

ومن هنا رأينا كلما أوغلت السلطة الزمنية بالشدة والتنكيل كلما زاد المناوئون وكثر المتزلفون والمنافقون, وارتفع منسوب التهمة والتشهير تحريضا للحكام وتسقيطا للآخر سياسيا وعلميا .

وظلت التهمة منذ العصر البابلي القديم المشحون بالاستقطاب والغزوات والأسر  “ أسرى اورشليم “ مرورا بالعصر الأموي ذي الهوية التمردية بالعصيان على الشرعية, والعصر العباسي الحافل بسيكولوجية الشك والريبة التي من جرائها يتهم الإمام أبو حنيفة بالموالاة للإمام جعفر بن محمد الصادق .

ولم تفارق التهمة سلاطين بني عثمان, بل ازدادت وانتشرت في مكاتب الولاة والولايات, وكانت حصة بغداد منها كبيرة لمكانة بغداد التاريخية في نفوس الأتراك الذين يقول مثلهم الشعبي المعروف “ لا مدينة كبغداد “ .

ان الحسد والغيرة يقفان وراء التهمة, وروح التشفي والانتقام تقف وراء التحريض والتشهير, وهذه جميعها تعشش اليوم في مكاتب الأحزاب التي لم تعرف جغرافية الاجتماع وطقوسه ولا مناخات السياسة وتقلباتها .

فالاجتماع العراقي على مستوى الفرد والجماعة, وعلى مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة والحوزة والمؤسسات الحكومية مستباح بالغيبة والنميمة المؤسسين للتهمة والمصدرين للتحريض والتشهير والراعيين للتشفي والانتقام, والحزبي والسياسي ورجل السلطة ورجل الحوزة والجامعة هم إفراز طبيعي لحاضنة اجتماعية تختزن في يومياتها التي تتوزع على العلاقات كل من :-

1-  الغيبة

2-  النميمة

3-  التهمة

4-  التشهير

5-  التسقيط

6-  التشفي

7-  الانتقام

وهذه أمراض سلوكية تقف ورائها نفوس مريضة تتخذ من شعارات الدين , والديمقراطية غطاء, وبذلك يتساوى العلماني مع المتدين, والليبرالي المادي مع الثيوقراطي .

وعلى قاعدة “ فاقد الشيء لا يعطيه “ لذلك لا يمكن لأحزاب السلطة من عرب وأكراد وتركمان ووجودات عراقية أخرى, بالطريقة التي ظهرت فيها وبالآلية التي تمخضت عنها الانتخابات المطعون في مصداقية مفوضيتها من قبل أحزاب السلطة قبل غيرهم, والمشكوك في عذرية صندوقها الانتخابي وطلاسم المعلوماتية المسخرة بأيادي أجنبية غير حريصة على امن واستقرار العراق

فان التراشق بالتهم بين أحزاب السلطة, وشيوع التشهير وسيلة للتسقيط , لم يكن وليد الخصومة السياسية اليوم, وإنما هو ترسب قديم واختزان لا شعوري استوطن ذاكرة البعض ممن حرموا من نعمة الدين الصحيح “ وهو “ الدين القيم “ و “ الدين المهيمن “ وحرموا من نعمة الأخلاق المظهر الحقيقي للتمدن والتحضر والوسيلة المثالية للتنمية البشرية في كل مجالاتها .

وهذا التراشق بالتهم لم يتوقف عند أحزاب السلطة ومحازبي الكتل السياسية, لأنه موجود قبل ذلك في الأسواق وبين أرباب المهن وتجد له سوقا رائجة فيما يسمى بالأحياء الصناعية “ محال تصليح السيارات وبيع أدواتها الاحتياطية “ وهي مصادر تلوث البيئة العراقية ليس بمخلفات قطع الحديد والمعادن البالية وما يعلق بها من فضلات زيوت محروقة وتسرب بنزين ونفط, وإنما هي مصدر ملوث للأخلاق لاسيما للأحداث من صغار السن الذين يتسربون من المدارس الى هذه الأماكن باكرا مما يجعلهم صيدا رخيصا لأصحاب الشذوذ, مثلما أصبح حقل التعليقات في المدونات يعج بنفايات الكلام الذي لا يعرف أصحابه غير التراشق بالتهم والإكثار من التشهير والتسقيط باستعمال الألفاظ الطائفية التي لا تجد لها رصيدا عند أئمة المدارس الفقهية وأصحاب المذاهب .

وهذا السيل من الانحدار التعبيري يتساوى فيه الجميع , والاستثناء قليل ونادر , وللتخلص من ثقافة التهمة والتحريض والتشهير نحتاج الى مشروع إحياء القيم , وهذا لا يتم الا بيقظة الضمير ؟

Placeholder

فأر في لبدة أسد

وهذا الفأر الذي ينطنط في لبدة الأسد, ليس غير المسؤول الأصغر من منصبه,  وهو اصغر من منصبه عندما لا يستطيع النهوض بمسؤولياته ويعجز عن أداء واجباته وإعطائه كامل حقه,  وما هو منتظر منه …وهذا  الفأر علامة فارقة للمرحلة, بدلالة عشرات الآلاف من الشهادات الدراسية المزورة..  وكذا آلاف قضايا الفساد والمفسدين …والدلالة الأهم معاناة المواطن في شتى المناحي والمجالات, مع تدني أو انعدام الإنتاج في مختلف الميادين.. وتراكم الخراب يوما بعد يوم.. حتى ليتساءل المرء عن حجم الأموال الخرافية المطلوبة لإعادة الإعمار… ولو أن كل المسؤولين قد أدوا استحقاقات مواقعهم ومناصبهم ولم يكونوا دمى أو أطفالاً يبتسمون لأنفسهم في أراجيح السلطة ودواليبها الهوائية لأنجزت الخطط العملاقة التي تقفز بالعراق إلى مصافات الدول المتقدمة في الإنتاج والتصنيع والثقافة والتنمية الاجتماعية والازدهار الحضاري …ولما كان للمتخلفين والهمج هذا التأثير والحضور وما انتهى بالبلد إلى هذا الوضع الأمني والمعيشي والحياتي.لا شك أن بقاء الرجل في منصب اكبر منه ولا يستطيع إيفاءه حقه, ولأي سبب كان إنما يعبر عن دناءة وعن ضآلة نفس وصغار شخصية وعن استعدادات  مشينة ومعيبة… وتلك حالة لا تعرفها الشعوب المتحضرة, وإن لم تملأ الآفاق ضجيجا بالكرامة والآباء والكبرياء وعزة النفس….  فالمسؤول هناك سرعان ما ينسحب معتذرا حالما يتلكأ عمله أو يحاط باللغط.. فكرامته لا تسمح له بالبقاء في منصبه.من الممكن أن يكون المرء أصغر من منصبه لأنه غير مهيأً لمثل هذا العمل.. فهو مهيأ لحمل عشر كيلوغرامات لا مئة كيلوغرام.. وانه مستعد لعبور جدول لا عبور دجلة,  وانه مناسب لهذه المهمة لا تلك، إلا أن الغالب أن المرء منحاز إلى نفسه ويجد انه جدير بكل مسؤولية لولا الظروف…  لاسيما الجاهل وان حمل أعلى الشهادات الأكاديمية.

الملفت أن الفأر قد يفكر, بمعجزة, ويرى انه ضعيف وضئيل ويغرق بأبريق الوضوء.. ولكن لا يخطر له انه يخون …يخون الناس عبر منصبه الأكبر منه.نحن بعيدون عن ثقافة فهم واستبطان الذات ومعرفة حدودها وإمكاناتها… وبعيدون عن ثقافة الاعتذار والاستقالة.. وليس على المرء أن يخشى أن يأخذ الكثيرون على أنفسهم ويرون أنهم فئران في لبدات الأسود ويندفعون محتجين أو خجلين في مشهد مثير, ولهذا يبقى المتخلف متخلفا، ويستحق المساءلة لقبوله أن يكون فأرا وان يشارك بما لا يؤمن به.

Placeholder

أطباء بلا جنود وافتراءات بلا قيود

ظهر الوجه الجديد لمأساة الأطباء في العراق عندما استهدف المتطرفون الإسلاميون أطباء الأمراض النسائية بتهمة الكشف على عورة النساء, وعبرت منظمات المجتمع المدني المعنية بشؤون المرأة عن قلقها من تضائل أعداد طبيبات الأمراض النسائية في العراق, وتخوف زملائهن من الرجال من الاستمرار في ممارسة أعمالهم, وقد تعرض طبيبان للقتل في بغداد بعد مغادرتهما لعيادتيهما, وتُركت رسالة بجانب جثتيهما تفيد بأن الموت سيكون مصير كل طبيب يصر على انتهاك خصوصية المرأة المسلمة.  

وفي إحدى التهديدات قام المتطرفون بخطف ابن أحد الأطباء, ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أن أقفل الطبيب عيادته بحي الكرادة ببغداد, وتم التبليغ عن اعتداءات ضد أطباء الأمراض النسائية في المحافظات الشمالية.

اما في المحافظات الجنوبية, وعلى وجه التحديد في البصرة, فلمأساة الأطباء وجه آخر لا يقل بشاعة عن مأساتهم في المدن الأخرى, ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر, حكاية الدكتورة نادية طارق بركات, التي تعكس صورة مؤلمة من صور المضايقات والاستفزازات والتهديدات التي يتعرض الأطباء كل يوم. 

تخرجت الدكتورة نادية في كلية الطب جامعة البصرة, وخدمت لأكثر من عامين في مستشفيات بغداد (إقامة دورية), ثم خدمت في ضواحي مدينة الزبير, انتقلت بعدها إلى بغداد, وعادت بعد سنتين إلى البصرة بناء على متطلبات (البورد النسائي) فمكثت فيها أربعة أعوام. 

 أكملت دراستها التخصصية في الأمراض النسائية عام 1996, خدمت بعدها في مستشفى الموانئ بالمعقل, ثم أصبحت رئيسة لقسم الأمراض النسائية في مستشفى البصرة العام عام 2002, وسجلت موقفا مشرفا في الظروف الاستثنائية الحرجة التي مرت بها البصرة عام 2003, فربضت في الردهة النسائية, ونهضت بمهامها الإنسانية على الوجه الأكمل, ولم تبرح مكانها إلا بعد استتباب الأوضاع جزئياً, فكانت أشبه (بفلورنس نايتنغل) بملامح بصراوية. 

لم تهتز ولم ترضخ للضغوط بترك مهنتها على الرغم من قيام العناصر الإرهابية بقتل زميلاتها الطبيبات في أماكن متفرقة, لكنها اضطرت في نهاية النفق المظلم إلى تقديم استقالتها, ولم تغادر العراق بسبب مسؤولياتها العائلية الثقيلة, وارتباطها بوالديها العاجزين, وهكذا ظلت تمارس دورها الإنساني كطبيبة متخصصة بالأمراض النسائية في المستشفى الأهلي (الموسوي) حتى يومنا هذا. 

نشرت مجموعة حمورابي مقالة كتبها مواطن من البصرة فيها الكثير من التلفيق والتجني على مواقف الدكتورة نادية بركات, ففي مقالة بعنوان (بقر البطون), تطاول فيها الكاتب على هذه الإنسانة النبيلة, مستهدفاً تشويه سمعتها, للنيل منها, والانتقاص من كفاءتها, والاستخفاف بمؤهلاتها العلمية, وكان من حقها الرد على هذا التجني بتقرير مفصل دحضت فيه الافتراءات التي استعرضها الكاتب, فنشرت المجموعة ردها عليه, وكانت تمتلك الشجاعة الكافية للوقوف بوجهه في المحاكم العراقية بالبصرة, فكانت المماطلة والتأجيل بسبب تخلفه عن الحضور, بانتظار أن يصدر القرار العادل ضد الذين يتطاولون على ما تبقى لدينا من أطباء. وإليكم الرد على الافتراءات الباطلة. 

قال الكاتب الذي لا نعرف اسمه: إن الولادات, في المستشفى الذي تعمل فيه الدكتورة نادية, بلغت سبع ولادات للمدة (12 – 13) من شهر أيلول (سبتمبر), انتهت كلها بعمليات قيصرية أجرتها الدكتورة نادية بقصد تحقيق المزيد من المكاسب المالية. 

والحقيقة ان سجلات المستشفى تقول ان الولادات الطبيعية لتلك الليلة كانت (18) ولادة بالتمام والكمال, وعمليتان قيصريتان, أجريت الأولى على يد الدكتورة زهراء, وأجريت الثانية على يد الدكتورة نادية. 

 وقال: ان الدكتورة نادية تعمل ليلا في صالة الولادة كطبيبة خافرة وتتربص بالمريضات, وأحيانا تستغل ظروفهن الصحية. 

والحقيقة إنها تعمل في الفترة الصباحية في مركز العيادة الاستشارية التابعة للمستشفى, وتتحدد مسؤولياتها بالإشراف على مريضاتها اللواتي يدخلن صالة الولادة, ولا علاقة لها بخفارات الردهة النسائية. 

أشار الكاتب في مقالته إلى وجود فريق من السماسرة الذين أنيطت بهم مهام التنسيق مع الطبيبات لاستدراج المريضات إلى صالة العمليات. 

والحقيقة ان المستشفى يعمل بشفافية مطلقة, ويعتمد على طبيبة مقيمة واحدة, تعمل على مدار الساعة, على غرار جداول الخفارات السارية في المستشفيات الحكومية العامة, وهي طبيبة مدربة تدريباً عالياً على وفق الأسس الصحيحة, وتمتلك الخبرة التي تؤهلها لتقديم الرعاية اللازمة والعناية المطلوبة, اما الطبيبة المتخصصة (نادية) فتستدعى عند الحاجة, أو عند الحالات الطارئة, ولا مكان للسماسرة هنا. 

ختاما نقول: ربما لا يعرف الأطباء قواعد النجاح والتألق في المجتمعات غير المتحضرة, التي تسود فيها الفوضى, لكنهم يعرفون تماماً إن أهم قاعدة للفشل إرضاء كل الناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم, ففي ضوء ما تعرضت له هذه الطبيبة, التي كرست حياتها ومهاراتها وخبراتها في خدمة الناس, وفي ضوء ما تعرض له الأطباء من بطش وإرهاب وتعذيب ومطاردة وتشويه وتلفيق, صرنا على قناعة تامة بضرورة تشكيل فرق متخصصة من المحامين والمدافعين والمشرعين والحراس المسلحين, يواكبون الأطباء والطبيات خطوة خطوة, ويوفرون لهم الرعاية والعناية والحماية, ويذودون بالدفاع عنهم, ويوفرون لهم التنقل من والى عياداتهم بعجلات مدرعة وعربات مصفحة, أو تتبنى الدولة العراقية إصدار تشريعات صارمة تعزز حصانة الأطباء أسوة بأعضاء البرلمان وأصحاب المناصب العليا, وإلا فإننا سنخسر ملاكاتنا الطبية الوطنية كلها, وسيأتي علينا يوم لا نجد فيه من يقيس لنا ضغط الدم, عندئذ تكون مستشفيات بومبي وطهران وبيروت ودمشق وأنقرة أقرب إلينا من مستشفيات البصرة وبغداد والموصل, ورحم الله المفكر الكبير (مالك بن نبي) عندما قال: (المقياس العام للحضارة والتحضر, هو أنَّ الحضارة هي التي تلد منتجاتها, ويكون من السخف حتما أن نعكس هذه القاعد حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها), فما بالك بما ستفعله بنا معاول أعداء التحضر وأعداء الإنسانية، وكان الله في عون الأطباء.

Placeholder

سيكولوجية «التهمة والتشهير» في الاجتماع والسياسة العراقية

تعيش الأطراف السياسية العراقية, ولاسيما أحزاب السلطة ومنذ تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة وتحديدا لعام 2010 تقاذفا للتهم وتبادلا للتشهير الذي يصل الى حد التسقيط, مما جعل المواطن العراقي يعيش في حيرة مما يجري بين الأحزاب والسياسيين, ومما زاد الطين بله تسابق الفضائيات والصحف لاحتضان ونشر غسيل التهم والتشهير من خلال الاستضافات التي ينقصها الاختيار الأفضل, ومن خلال نشر وترديد التهم والتشهير على أنها مقولات ومواقف جديرة بالمتابعة وهي ليست كذلك, وهذا المشهد الذي مضت عليه سنوات وتحديدا بعد 2003 أدى الى انخفاض منسوب النضج السياسي في العراق , ونتيجة لذلك نحاول وباختصار إلقاء الضوء على الخلفية السيكولوجية لهذه الظاهرة .

تستقر في قعر الاجتماع العراقي ثنائية سلوكية غير محببة أخلاقيا ومرفوضة شرعا وتلك الثنائية هي :-

1 – التهمة

2- التشهير

وللتهمة ترسب اجتماعي قديم في العراق ترجع أصولها الى الاختلافات في المواقف والرؤى وعلى رأسها: الاختلافات العقائدية التي كانت سببا للاختلافات السياسية التي تشظت الى سلطات زمنية تختزن الشك والريبة فيما بينها, ومن هنا أصبحت “ الملل والنحل “ موضع اهتمام المحققين والدارسين عبر تاريخ العراق وعاصمته بغداد المدينة الرئاسية لمدة خمسة قرون والتي لم تنصفها السياسة بفريق السلطة الزمنية بمقدار ما أنصفتها الثقافة بحوارات العقول الكبيرة التي بسطت هيمنتها في علم الفقه وعلم الكلام وجعلت من حواضر الكوفة والبصرة ينابيع وروافد لمائدة بغداد الثقافية التي ازدهرت بتلاميذ جعفر بن محمد الصادق حيث كان أبو حنيفة يستمع لصبي ابن ثماني سنوات هو موسى بن جعفر الكاظم ليأخذ منه مفردات علم البيئة ليقول: لو لم احصل إلا على هذا لاكتفيت ؟

وفي الوقت الذي كان علي بن موسى الرضا تعقد له مجالس الحوار بأمر من المأمون , ليطأطئ  العلماء رؤوسهم قائلين: صدقت يا ابن رسول الله , كان في الجانب الآخر فريق يتحرق غيضا, فينشغل بصناعة التهمة, مما جعل والد بوران زوج المأمون يقول للمأمون في معرض سؤاله عما يريد من مكافأة لما صنع له من نثر اللؤلؤ والذهب على رأسه ليلة زفاف المأمون: أحفظ لي قلبك؟ اي من التهم والتحريض و التشهير الذي انتشر حسدا بين أعوان السلطة ووصلت تداعياته الى الكتاتيب وغرف الدرس التي لم ينضبط جميع طلابها بأخلاقية العلماء والحفاظ على أمانة العلم .

ومن هنا رأينا كلما أوغلت السلطة الزمنية بالشدة والتنكيل كلما زاد المناوئون وكثر المتزلفون والمنافقون, وارتفع منسوب التهمة والتشهير تحريضا للحكام وتسقيطا للآخر سياسيا وعلميا .

وظلت التهمة منذ العصر البابلي القديم المشحون بالاستقطاب والغزوات والأسر  “ أسرى اورشليم “ مرورا بالعصر الأموي ذي الهوية التمردية بالعصيان على الشرعية, والعصر العباسي الحافل بسيكولوجية الشك والريبة التي من جرائها يتهم الإمام أبو حنيفة بالموالاة للإمام جعفر بن محمد الصادق .

ولم تفارق التهمة سلاطين بني عثمان, بل ازدادت وانتشرت في مكاتب الولاة والولايات, وكانت حصة بغداد منها كبيرة لمكانة بغداد التاريخية في نفوس الأتراك الذين يقول مثلهم الشعبي المعروف “ لا مدينة كبغداد “ .

ان الحسد والغيرة يقفان وراء التهمة, وروح التشفي والانتقام تقف وراء التحريض والتشهير, وهذه جميعها تعشش اليوم في مكاتب الأحزاب التي لم تعرف جغرافية الاجتماع وطقوسه ولا مناخات السياسة وتقلباتها .

فالاجتماع العراقي على مستوى الفرد والجماعة, وعلى مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة والحوزة والمؤسسات الحكومية مستباح بالغيبة والنميمة المؤسسين للتهمة والمصدرين للتحريض والتشهير والراعيين للتشفي والانتقام, والحزبي والسياسي ورجل السلطة ورجل الحوزة والجامعة هم إفراز طبيعي لحاضنة اجتماعية تختزن في يومياتها التي تتوزع على العلاقات كل من :-

1-  الغيبة

2-  النميمة

3-  التهمة

4-  التشهير

5-  التسقيط

6-  التشفي

7-  الانتقام

وهذه أمراض سلوكية تقف ورائها نفوس مريضة تتخذ من شعارات الدين , والديمقراطية غطاء, وبذلك يتساوى العلماني مع المتدين, والليبرالي المادي مع الثيوقراطي .

وعلى قاعدة “ فاقد الشيء لا يعطيه “ لذلك لا يمكن لأحزاب السلطة من عرب وأكراد وتركمان ووجودات عراقية أخرى, بالطريقة التي ظهرت فيها وبالآلية التي تمخضت عنها الانتخابات المطعون في مصداقية مفوضيتها من قبل أحزاب السلطة قبل غيرهم, والمشكوك في عذرية صندوقها الانتخابي وطلاسم المعلوماتية المسخرة بأيادي أجنبية غير حريصة على امن واستقرار العراق

فان التراشق بالتهم بين أحزاب السلطة, وشيوع التشهير وسيلة للتسقيط , لم يكن وليد الخصومة السياسية اليوم, وإنما هو ترسب قديم واختزان لا شعوري استوطن ذاكرة البعض ممن حرموا من نعمة الدين الصحيح “ وهو “ الدين القيم “ و “ الدين المهيمن “ وحرموا من نعمة الأخلاق المظهر الحقيقي للتمدن والتحضر والوسيلة المثالية للتنمية البشرية في كل مجالاتها .

وهذا التراشق بالتهم لم يتوقف عند أحزاب السلطة ومحازبي الكتل السياسية, لأنه موجود قبل ذلك في الأسواق وبين أرباب المهن وتجد له سوقا رائجة فيما يسمى بالأحياء الصناعية “ محال تصليح السيارات وبيع أدواتها الاحتياطية “ وهي مصادر تلوث البيئة العراقية ليس بمخلفات قطع الحديد والمعادن البالية وما يعلق بها من فضلات زيوت محروقة وتسرب بنزين ونفط, وإنما هي مصدر ملوث للأخلاق لاسيما للأحداث من صغار السن الذين يتسربون من المدارس الى هذه الأماكن باكرا مما يجعلهم صيدا رخيصا لأصحاب الشذوذ, مثلما أصبح حقل التعليقات في المدونات يعج بنفايات الكلام الذي لا يعرف أصحابه غير التراشق بالتهم والإكثار من التشهير والتسقيط باستعمال الألفاظ الطائفية التي لا تجد لها رصيدا عند أئمة المدارس الفقهية وأصحاب المذاهب .

وهذا السيل من الانحدار التعبيري يتساوى فيه الجميع , والاستثناء قليل ونادر , وللتخلص من ثقافة التهمة والتحريض والتشهير نحتاج الى مشروع إحياء القيم , وهذا لا يتم الا بيقظة الضمير ؟