Placeholder

حــرب الأعصـاب في حـوارات بعـض الفـضـائيات

أصبحت القضايا الساخنة في العراق والمنطقة كثيرة, وسخونة تلك القضايا نابع من الاختلاف الشديد في وجهات النظر, والاختلاف في وجهات النظر لم يعد له منهجية فكرية, كما لم يعد له ضابط وطني, بعد إن حلت المصالح الشخصية المتمثلة في كل من :-

1-  الطائفية

2-  الحزبية

3-  العنصرية

4-  القبلية

هذه جميعها حلت محل المصلحة الوطنية, ومما يزيد الأمور تعقيدا أن أصحاب تلك المصالح لم يتخلوا عن الشعار الوطني ظاهرا , بالرغم من أنهم ينتهجون نهجا مخالفا للمنهجية الوطنية في بلدانهم.

فمثلا في العراق هناك من قام بزيارة إسرائيل مرتين عام 2004 وعام 2008 ومازال يتكلم بالوطنية مستفيدا من أخطاء الحكومة وأحزاب السلطة وهي كثيرة ليتخذ منها منطلقا لدغدغة مشاعر بعض الناس ممن لا يحسنون قراءة الواقع السياسي ولا يعرفون تاريخ الأشخاص وتغريهم المظاهر ويخدعهم زخرف القول.

وفي العراق كذلك هناك من أصبح صاحب حزب تم تنظيمه وتمويله من قبل جهات أجنبية وادخل الحياة السياسية في زمن فوضى الاحتلال الذي يعتمد سياسة إضعاف وإرباك الاجتماع العراقي حتى يظل كسيحا لا يقوى على بناء وإدارة الدولة, ولذلك صرح “مت رومني” مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية في الأيام الأخيرة : بان الشرق الأوسط لا يحكم إلا من قبل أمريكا ؟!

وهناك في العراق من كان يوقع في المحكمة الخاصة أيام صدام حسين على قطع الأيادي والأذان والألسن وكان سببا في تدمير حياة بعض الشباب العراقي عام 1987 واليوم يحمل عنوانا يظهر به في حوارات فضائيات أحزاب السلطة, مما يجعل من الحوار بضاعة غير سارة للوطن وللهم الوطني.

وهناك من جاء مع موجة الاحتلال ضمن مجموعة “ الخمسين “ وعندما فشل في تكوين تجمع من خليط عيونهم على مصالحهم الشخصية قبل كل شيء فانخدعت بهم بعض الكتل فكانوا سببا للتمرد والانشقاق في تلك الكتل , فراح احدهم يكتب لمصلحة دولة جارة ويصب جام غضبه على الشعب العراقي وإذا به يعطى مسؤولية كبيرة, وأخر سليل عمالات في المعارضة العراقية وربيب صفقات تجارية اليوم وهو يشارك في حوارات فضائية منتحلا صفات الوطنية مما يجعل مثل تلك الحوارات حربا للأعصاب وتناقضا يؤلم النفوس الأبية التي تعرف الحقيقة.

وفي لبنان هناك من كان عونا لدويلة إسرائيل وجيشها المعتدي على السيادة اللبنانية, ومن قام بتصفيات بعض المسؤولين الوطنيين في لبنان واليوم يظهر على بعض الفضائيات يقود حوارا ضد المقاومة الوطنية اللبنانية, ويسخر من انجازاتها التي عرفتها القاعدة الشعبية في لبنان من مسلمين ومسيحيين وتضامنت معها لأنها حققت سيادة لبنانية حقيقية من خلال انتصارات حقيقية في عام 2000 وعام  2006 .

وفي لبنان كذلك أصبح مفهوم الإستراتيجية الدفاعية كمينا للإيقاع بسلاح المقاومة اللبنانية سعيا منهم لتجريده، ناسين أن هذا مطلب صهيوني تعتبره إسرائيل من أولى مهماتها الإستراتيجية في السياسة الخارجية .

ولذلك نجد في الفضائيات جدلا عقيما وحوارا يستفز العقول نتيجة كثرة المغالطات المتعمدة مثل :-

1-  لا شرعية إلا لسلاح الدولة اللبنانية, وهي كلمة حق يراد بها باطل , فالكل يعلم أن الجيش اللبناني ممنوع من التسلح وهذا قرار أمريكي, والكل يعرف نتيجة لذلك عدم قدرة الجيش اللبناني على مواجهة اي عدوان إسرائيلي يعترف بذلك رئيس الجمهورية وقائد الجيش اللبناني, والمقاومة الوطنية اللبنانية هي الوحيدة التي تمكنت من ردع إسرائيل وتجريدها من سلاحها هو دعوة صريحة لتحقيق المكتسبات الإسرائيلية التي لا تنفك عن تهديد لبنان واجتياح أراضيه وفرض الوصاية عليه قهرا وغطرسة.

2-  الادعاء بأن سلاح المقاومة اللبنانية هو تهديد للداخل وللفرقاء في الداخل اللبناني , وهو ادعاء لا صحة له ولا دليل عليه, والعكس من ذلك هو الصحيح فقد عرف هذا السلاح بالانضباط من قبل حامليه ولو كان بيد غيرهم لغيروا الخريطة السياسية اللبنانية كما جرى في انتخابات عام 2009 حيث تم شراء الصوت الواحد في زحلة على سبيل المثال بثلاثة آلاف دولار؟ ولذلك نجد بعض الفضائيات تفتح حوارات فيها من التناقض وتزييف الحقائق ما يتعب النفوس ويحرق الأعصاب والذي ينتهي أحيانا بالضرب بالأيدي والعراك بالكراسي وهو المشهد المطلوب من صناع القرار الدولي لزرع الفتنة وإدامة الخلاف.

وما يجري في الحدث السوري والذي أصبح الشغل الشاغل لبعض الفضائيات من اجل الإثارة والفرجة معتبرين ذلك من خصوصيات الإعلام المحترف, ناسين أن الإعلام المحترف والمهني لا يغادر المعلومة الصحيحة , ولا يسعى لتشويش الرأي العام .

ومن التناقضات التي يحفل بها حوار الفضائيات هذه الأيام عن الحدث السوري هو اختلاط الأوراق والمفاهيم بشكل عجيب وغريب بحيث لا يبقى للحق من معنى ولا للثورة من وجود وهوية مشخصة ومعروفة في قاموس التحرر والنهضات الشعبية الحقيقية , مثلما لا يبقى للإصلاح من فرصة لحقن الدماء ومنع تدمير البلد وتهجير أهله.

إن حوارات بعض الفضائيات عن الحدث السوري وبعض ما نقرأه من تعليقات ممن يستغلون فضاء حرية المدونات فيكتبون بأسماء مستعارة أو ممن يكتبون التعليقات بأسمائهم وهم ليسوا من الكتاب والمحللين وأهل الرأي بل حتى ليسوا ممن يجيدون الفهم السياسي والمتابعة الجيدة التي تجعلهم مؤهلين للإبداء بآرائهم , لذلك نلاحظ أراء الكثير منهم هي عبارة عن طفح طائفي أو مزاج شخصي غير سوي, أو منطلق من جهالة تجعله ينطبق عليه القول الفلسفي “تراب في فيه” وذلك لمن لا يحسن الكلام في المطالب التي تحتاج إلى الدليل والبرهان. 

فكيف يصبح الأفغاني والصومالي والتونسي والليبي والكويتي والأردني والمصري والسعودي والتركي وللبناني وهم من الوهابيين الإرهابيين التكفيريين يقاتلون في حلب وحمص وريف دمشق ليصنعوا ثورة للشعب السوري الذي لا ينقصه الوعي والغيرة على وطنه, وكيف يصبح احتلال بيوت المواطنين حتى تهدم وتفجير سكك الحديد ومحطات الكهرباء والبنزين وحرق الممتلكات وقتل الناس على الهوية واغتصاب النساء عملا من أعمال الثورة في سورية، وكيف تصبح قطر والسعودية وتركيا تدعم بالمال والسلاح للعصابات المسلحة في سورية , والشعب التركي يرفض ذلك والشعب السعودي يطالب بحريته وحقوقه المصادرة من قبل الأسر الحاكمة، فمن يصدق ذلك؟ وكيف لا تكون الحوارات من اجل ذلك حربا للأعصاب؟.

Placeholder

ضباع الصحافة العربيةقطيع جديد ينضم لقطعان التضليل والتلفيق

في بادرة غير مسبوقة في تاريخ الإعلام الرسمي الإسرائيلي, اختارت (تسيبي ليفني) قطيعها الإعلامي من ضباع الصحافة العربية لتلحقه بقطيعها المتخصص بالتلفيق والتحريف في غابات التحريض والتضليل الإعلامي, ووقع اختيارها هذه المرة على بعض المقالات المنشورة في الصحف العربية, والتي عبرت بطريقة أو بأخرى عن تطلعات حكومة تل أبيب, ونواياها العدوانية المعلنة, فخصصت (الخارجية الإسرائيلية) موقعا رسميا, نشرت فيه المقالات المسمومة, التي كتبتها الأقلام العربية المأجورة, ونشرتها الصحف الصفراء, في غياب القيم والمبادئ والمشاعر القومية والدينية. 

 أما القاسم المشترك الأعظم لهذه الضباع الضالة على وفق المعايير الإسرائيلية, التي حددت المواصفات العامة لتشكيلة القطيع, فتعتمد في المقام الأول على درجة الحقد المتجذر في قلب الكاتب, وعلى مقدار الكراهية التي يحملها ضد حركة (حماس), وتعتمد أيضا على ضراوته في الانقضاض على القضايا العربية وتسفيهها, وتحامله على الإسلام والمسلمين, وسعيه الحثيث لنشر الطائفية وإذكاء نيرانها, وتطوعه الذاتي في الذود بالدفاع عن المشاريع الإسرائيلية في الشرق الأوسط, فوجدت ان مخالب بعض الكتاب (العرب) أمضى من خناجر الكتاب الإسرائيليين, وأشد منها بطشا في ممارسة الطعن والنهش والتمزيق, ومن نافلة القول نذكر إن مقالات الكاتب الكويتي (عبد الله الهدلق) عندما ترجمت إلى اللغة العبرية, نالت استحسان القيادة الإسرائيلية, وباركها الحاخامات, واثنوا عليها لأنها عبرت عن تطلعاتهم الحقيقية بأساليب صريحة ومباشرة, حتى إن رئيس الوزراء (أيهود أولمرت) نفسه, قام من مجلسه عندما قرأ مقالات الهدلق, وأبدى إعجابه بها, رافعا يديه في الفراغ, متلفظا بكلمات النشوة والفرح, مقترحا ترشيح (عبد الله الهدلق) لنيل أعلى الأوسمة الإسرائيلية, وقال عنه: (انه أكثر تطرفا من تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية). 

 وربما كان الهدلق وزميله فؤاد الهاشم, ومن كان على شاكلتهما, من أكثر الضباع شراسة في التحريض على قتل الفلسطينيين بالجملة, وكانوا يدعون دائما لسحق العرب في فلسطين, ويتهمونهم بالغدر والخيانة, ويطالبون إسرائيل بالتعامل معهم كمجرمين وقتلة وإرهابيين. 

لقد تمادى (فؤاد الهاشم) في تهجمه الدائم على العراقيين والفلسطينيين, وكان في معظم مقالاته يجد الأعذار والمبررات لبقاء القواعد الحربية الأمريكية, ويدعم الأنشطة الإسرائيلية المتزايدة في حوض الخليج العربي, ففي مقالة شاذة وغريبة كتبها (الغاشم) بعنوان: ((بالكيماوي….. يا أولمرت)), كان يناشد فيها أولمرت بمواصلة الحصار على غزة, ويحثه على قصف أهلنا بالغازات الكيماوية, فتصدر بهذه المقالة قائمة الكتاب العرب الموالين لإسرائيل, ونشرت مقالاته هناك باللغة العبرانية, وعرفه الناس في تل أبيب, فرشحته وزارة الخارجية الإسرائيلية سفيرا لها في العواصم الخليجية. 

 لقد خصصت إسرائيل موقعا الكترونيا على الشبكة الدولية نشرت فيه مقالات الكتاب العرب الموالين لتطلعاتها الصهيونية, المؤدين لسياستها العدوانية, وترجمتها الى اللغات العبرية والانجليزية والفارسية والروسية, إضافة إلى اللغة العربية. 

 ان من يتصفح موقعها, الذي خصصته لهذا القطيع من الضباع الضالة, سيتعرف عليهم بنفسه, وسيعثر في الموقع التالي على الدليل القاطع, الذي يعكس مستوى الخسة والنذالة, التي هبط إليها هؤلاء بمحض إرادتهم:-

http://www.altawasul.com/mfaar/opp eds/op eds- Arab writers

وسيقرأ المتصفح أسماءهم مكتوبة بالبنط العريض في طليعة المؤازرين للحركة الصهيونية, المؤيدين لإسرائيل, الداعمين لها, ابتداءً من المتهتك (فؤاد الغاشم), إلى المرتد (مساعد الخميس), مرورا بعبد الله الهدلق, وخليل علي حيدر, وحسن علي قزم, وأحمد البغدادي, ويوسف داعر السويدان, والياس بجاني, وأحمد الجار الله, وحسن راضي, ونضال نعيسة, وتركي الحمد, وطارق الحميد, وعبد الرحمن الراشد, ومأمون فندي, وعلي ظالم, وعادل درويش, وعيال هرسي, وصبحي فؤاد, وأنور الحمايدة, وأنيس منصور, وطارق الحجي, وصالح القلاب, وفهد الفاتك, وابن مجلي, وسيكتشف القارئ الكريم إن صحيفتا الوطن والسياسية الكويتية, ومعهما الرأي الأردنية, هي الصحف التي تصدرت عناوين التمجيد بالحكومة الإسرائيلية, وهي السفارات التي تطوعت لخدمة تل أبيب, وهي المنابر التي نشرت أبواق التضليل الإعلامي لتشويه صورة العرب في المحافل الدولية. 

 وقفة

ما زلتُ أبحثَ في وجوهِ الناس عن بعضِ الرّجال

عن عصبةٍ يقفون في الأزماتِ كالشمِّ الجبال

فإذا تكلمتِ الشفاهُ سمعْتَ ميزانَ المقال

وإذا تحركتِ الرّجالُ رأيتَ أفعالَ الرّجال

Placeholder

كيسنجر.. وضربةإيران المقبلة

• إذا كان الطبري يقول عن المغيرة بن شعبة -احد أشهر دهاة العرب-: كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجاً ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما.. فما اظنه كان يقصد الا هنري كيسنجر; احد أهم دهاة الفكر والسياسة في القرن العشرين؛ ويكفي ان نقول انه من نزع أسلحة الاتحاد السوفيتي القديم وظل وراءه إلى ان انهار تماما؛ ومن جمع ما لم لا يجتمع: العرب وإسرائيل في كامب ديفيد. 

..كيسنجر هو صانع الرؤساء في أمريكا وفي بلدان كثيرة أيضا, والمخطط الاستراتيجي لكل الافعال القذرة في عالمنا العربي وفي عموم شرقنا الاوسطي؛ولا يهمه شيء في الدنيا بقدر ما يهمه سلام إسرائيل؛ انتماء ووفاء لجذوره اليهودية؛ وواحدة من غباءات حكامنا انهم لا يقرؤون عقول أعدائهم؛ وهذا امر مشهور فيهم؛فذات مرة قيل لموشيه ديان- وهو ينشر خططه الحربية القادمة ضد العرب: انت تغامر بفضحها؛ فأجاب اطمئنوا فالعرب لا يقرؤون!!

• كيسنجر..وهو على عتبة أعوامه الـ90 يستقرئ الحرب العالمية الثالثة؛ والتي علينا أن لا ندفن رؤوسنا في الرمال ونتجاهل وقائعها.

ففي حديث أجراه مع صحيفة ديلي سكيب الأميركية وأعاد نشره موقع اسمه ريالتي زونيزم, وبعث لي اجزاء منه احد الأصدقاء؛ يقول كيسنجر (لقد أبلغنا الجيش الأميركي أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط نظرًا لأهميتها الاستراتيجية لنا خصوصا أنها تحتوي على البترول وموارد اقتصادية أخرى ولم يبق إلا خطوة واحدة، وهي ضرب إيران! وعندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتيهما سيكون الانفجار الكبير قد وقع والحرب الكبرى التي لن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي إسرائيل وأميركا وسيكون على إسرائيل القتال بكل ما أوتيت من قوة وسلاح لقتل أكبر عدد ممكن من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط; قد حدثت!!) ويضيف: ان طبول الحرب تدق الآن في الشرق الأوسط وبقوة ومن لا يسمعها فهو بكل تأكيد أصم..وإذا سارت الأمور كما ينبغي، فسيكون نصف الشرق الأوسط لإسرائيل. 

..لقد تلقى شبابنا في أميركا والغرب تدريبا جيدا في القتال خلال العقد الماضي وعندما يتلقون الأوامر للخروج إلى الشوارع ومحاربة تلك -الذقون المجنونة- فسوف يطيعون الأوامر ويحولونها إلى رماد!

ويوضح كيسنجر:  أن إيران ستكون المسمار الأخير في النعش الذي تجهزه أميركا وإسرائيل لكل من الصين وروسيا بعد أن تم منحهما الفرصة للتعافي والإحساس الزائف بالقوة وبعدها سيسقطان وللأبد لنبني مجتمعا عالميا جديدا لن يكون إلا لقوة واحدة وحكومة واحدة هي الحكومة العالمية -السوبر باور- وقد حلمت كثيرا بهذه اللحظة التاريخية. 

• وبعيدا عن(نوستراداموس)العراف الفرنسي الشهير الذي توفي قبل ما يزيد عن 500 عام؛ وتنبؤاته المستقبلية التي تحقق منها ضرب برجي التجارة؛ وابن لادن؛وانهيار الاتحاد السوفيتي؛والضربة النووية؛فانه يتحدث في احدى نبوءاته عن الحرب العالمية الثالثة و..إيران!!

.. نعم؛لا نؤمن نحن المسلمين بالكهانة والشعوذة؛ولكن لنؤمن -على الأقل- بالمعطيات الدولية؛ وننتبه الى سلامة شعوبنا بعيدا عن الاحتراب الطائفي والعرقي؛فهل من يصغي؛ ام ان موشيه ديان محق دائما؟!

Placeholder

من ملفات خيانات الترجمة

    يبدو أننا -فعلا- لا نتعلم من دروس الماضي، العبر والدروس اللازمة لتلافي الأخطاء والمقالب التأريخية والانسانية التي مرت بنا، أذكر أن انقلبت الدنيا ولم تقعد، ولم يصل العرب الى أية نتيجة، حين حاولت إسرائيل التحايل في مفاوضاتها، بعد نكسة حزيران/ 1967 وحرب تشرين/ 1973 لاستعادة (أراض عربية) وليست (الأراضي العربية) كانت قد احتلتها هذه الدولة اللقيطة، بسبب اعتماد بنود تلك الاتفاقيات الملزمة للأطراف النزاع العربي- الاسرائيلي على اللغة الانكليزية سبيلا للحل والتشاور، لكن مشكلة الترجمة وقفت (سكينة خاصرة) كما يقول المثل العراقي- في طريق تحقيق حقوقنا المهدورة،فالفرق بين (أراض) و(الأراضي) كبير جدا، وقد نجح -فعلا- في إضاعة حقوق واستحقاقات أجيالنا اللاحقة، الأمر الذي دعا -بعد فوات الأوان- إلى أن يتم اعتماد اللغة الفرنسية في كتابة وديباجة نصوص الاتفاقيات، ولكن، بعد فوات الأوان.

    كما أذكر -ايضا- صادف في تموز أو آب عام/2011 أن اعتذر السيد وزير النفط العراقي عن امكانية تزويد مجلس النواب بنصوص عقود الترخيص النفطية التي أبرمتها الوزارة مع عدد من الشركات العالمية،بحجة أن تلك العقود مكتوبة باللغة الانكليزية، وبسبب عدم وجود مترجم كفوء يقوم بترجمتها الى العربية، لكي يسهل عليهم (أي ممثلي الشعب) الاطلاع على تلك العقود، وهذا ما أدخل القضية في (حانه ومانه) استجوابية بطلها (لجنة الطاقة البرلمانية) التي حملت مفاوض وزارة النفط مسؤولية احتمال حدوث كارثة قد نكون -نحن- بسببها الخاسرين في ملحمة تلك العقود، بحيث يصعب -حسب زعم أحد نواب لجنة الطاقة- معاقبة تلك الشركات لو اخفقت أو تلكأت أو قصرت بالتزاماتها معنا، لسبب بسيط يتعلق بالناحية اللغوية وليست النواحي الفنية (اللوجستية) بعد اعتماد اللغة الانكليزية في كتابة تلك العقود وتحريرها وترتيب آلياتها بنودها.   ويشمخ أنف السؤال –هنا -قائلا: الا من ترجمة علمية/عملية، حقيقية تنصف حقنا بإنصاف ما يجب أن يصلنا صافيا من واردات النفط ،(بدون هل دوخة الرأس)؟!!

   تعالوا نقلب أوراقا أخرى من ملفات خيانة الترجمة،ونحن نقف عند حدود مناقشة قانون غسيل الاموال الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة -سيئة الصيت والسمعة والنية والهدف- بموجب الأمر المرقم (93) لسنة/2004 والذي (شكل قفزة نوعية قانونية في مكافحة الفساد وغسيل الأموال) كما يدعي خبراء في هذا المجال وهم يضيفون، أن تلك الجرائم والتي تشمل، أيضا، (المخدرات/تهريب الأسلحة/تجارة الرقيق/النشاط المالي المشبوه/الاختلاسات) تعد من أهم جرائم هذا العصر، قد نصت المادة الثالثة من ذلك القانون، بمعاقبة مرتكبي هذه الجريمة بالحبس مدة لا تزيد عن أربع سنوات، وهذا -طبعا- يحاول أن يلغي طبيعة الفرق ما بين(السجن)و(الحبس) في سياقات تنفيذ القانون، وحين أثارنا الفضول لتقصي الأمر،وجدنا من يقول من الخبراء والمختصين: المشكلة -ايضا- تعود لسوء في الترجمة، بسبب كون القانون مستنسخا من القوانين الأجنبية الأخرى.   وهنا تسكب العبرات حرى لتقول؛ أما كان يمكن أن يكون ذلك القانون بمستوى عال من الدقة،كي يتوافق مع ما ينتظر العراق من مشاريع واستثمارات و سيولة تجارية هائلة ؟!.

Placeholder

حــرب الأعصـاب في حـوارات بعـض الفـضـائيات

أصبحت القضايا الساخنة في العراق والمنطقة كثيرة, وسخونة تلك القضايا نابع من الاختلاف الشديد في وجهات النظر, والاختلاف في وجهات النظر لم يعد له منهجية فكرية, كما لم يعد له ضابط وطني, بعد إن حلت المصالح الشخصية المتمثلة في كل من :-

1-  الطائفية

2-  الحزبية

3-  العنصرية

4-  القبلية

هذه جميعها حلت محل المصلحة الوطنية, ومما يزيد الأمور تعقيدا أن أصحاب تلك المصالح لم يتخلوا عن الشعار الوطني ظاهرا , بالرغم من أنهم ينتهجون نهجا مخالفا للمنهجية الوطنية في بلدانهم.

فمثلا في العراق هناك من قام بزيارة إسرائيل مرتين عام 2004 وعام 2008 ومازال يتكلم بالوطنية مستفيدا من أخطاء الحكومة وأحزاب السلطة وهي كثيرة ليتخذ منها منطلقا لدغدغة مشاعر بعض الناس ممن لا يحسنون قراءة الواقع السياسي ولا يعرفون تاريخ الأشخاص وتغريهم المظاهر ويخدعهم زخرف القول.

وفي العراق كذلك هناك من أصبح صاحب حزب تم تنظيمه وتمويله من قبل جهات أجنبية وادخل الحياة السياسية في زمن فوضى الاحتلال الذي يعتمد سياسة إضعاف وإرباك الاجتماع العراقي حتى يظل كسيحا لا يقوى على بناء وإدارة الدولة, ولذلك صرح “مت رومني” مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية في الأيام الأخيرة : بان الشرق الأوسط لا يحكم إلا من قبل أمريكا ؟!

وهناك في العراق من كان يوقع في المحكمة الخاصة أيام صدام حسين على قطع الأيادي والأذان والألسن وكان سببا في تدمير حياة بعض الشباب العراقي عام 1987 واليوم يحمل عنوانا يظهر به في حوارات فضائيات أحزاب السلطة, مما يجعل من الحوار بضاعة غير سارة للوطن وللهم الوطني.

وهناك من جاء مع موجة الاحتلال ضمن مجموعة “ الخمسين “ وعندما فشل في تكوين تجمع من خليط عيونهم على مصالحهم الشخصية قبل كل شيء فانخدعت بهم بعض الكتل فكانوا سببا للتمرد والانشقاق في تلك الكتل , فراح احدهم يكتب لمصلحة دولة جارة ويصب جام غضبه على الشعب العراقي وإذا به يعطى مسؤولية كبيرة, وأخر سليل عمالات في المعارضة العراقية وربيب صفقات تجارية اليوم وهو يشارك في حوارات فضائية منتحلا صفات الوطنية مما يجعل مثل تلك الحوارات حربا للأعصاب وتناقضا يؤلم النفوس الأبية التي تعرف الحقيقة.

وفي لبنان هناك من كان عونا لدويلة إسرائيل وجيشها المعتدي على السيادة اللبنانية, ومن قام بتصفيات بعض المسؤولين الوطنيين في لبنان واليوم يظهر على بعض الفضائيات يقود حوارا ضد المقاومة الوطنية اللبنانية, ويسخر من انجازاتها التي عرفتها القاعدة الشعبية في لبنان من مسلمين ومسيحيين وتضامنت معها لأنها حققت سيادة لبنانية حقيقية من خلال انتصارات حقيقية في عام 2000 وعام  2006 .

وفي لبنان كذلك أصبح مفهوم الإستراتيجية الدفاعية كمينا للإيقاع بسلاح المقاومة اللبنانية سعيا منهم لتجريده، ناسين أن هذا مطلب صهيوني تعتبره إسرائيل من أولى مهماتها الإستراتيجية في السياسة الخارجية .

ولذلك نجد في الفضائيات جدلا عقيما وحوارا يستفز العقول نتيجة كثرة المغالطات المتعمدة مثل :-

1-  لا شرعية إلا لسلاح الدولة اللبنانية, وهي كلمة حق يراد بها باطل , فالكل يعلم أن الجيش اللبناني ممنوع من التسلح وهذا قرار أمريكي, والكل يعرف نتيجة لذلك عدم قدرة الجيش اللبناني على مواجهة اي عدوان إسرائيلي يعترف بذلك رئيس الجمهورية وقائد الجيش اللبناني, والمقاومة الوطنية اللبنانية هي الوحيدة التي تمكنت من ردع إسرائيل وتجريدها من سلاحها هو دعوة صريحة لتحقيق المكتسبات الإسرائيلية التي لا تنفك عن تهديد لبنان واجتياح أراضيه وفرض الوصاية عليه قهرا وغطرسة.

2-  الادعاء بأن سلاح المقاومة اللبنانية هو تهديد للداخل وللفرقاء في الداخل اللبناني , وهو ادعاء لا صحة له ولا دليل عليه, والعكس من ذلك هو الصحيح فقد عرف هذا السلاح بالانضباط من قبل حامليه ولو كان بيد غيرهم لغيروا الخريطة السياسية اللبنانية كما جرى في انتخابات عام 2009 حيث تم شراء الصوت الواحد في زحلة على سبيل المثال بثلاثة آلاف دولار؟ ولذلك نجد بعض الفضائيات تفتح حوارات فيها من التناقض وتزييف الحقائق ما يتعب النفوس ويحرق الأعصاب والذي ينتهي أحيانا بالضرب بالأيدي والعراك بالكراسي وهو المشهد المطلوب من صناع القرار الدولي لزرع الفتنة وإدامة الخلاف.

وما يجري في الحدث السوري والذي أصبح الشغل الشاغل لبعض الفضائيات من اجل الإثارة والفرجة معتبرين ذلك من خصوصيات الإعلام المحترف, ناسين أن الإعلام المحترف والمهني لا يغادر المعلومة الصحيحة , ولا يسعى لتشويش الرأي العام .

ومن التناقضات التي يحفل بها حوار الفضائيات هذه الأيام عن الحدث السوري هو اختلاط الأوراق والمفاهيم بشكل عجيب وغريب بحيث لا يبقى للحق من معنى ولا للثورة من وجود وهوية مشخصة ومعروفة في قاموس التحرر والنهضات الشعبية الحقيقية , مثلما لا يبقى للإصلاح من فرصة لحقن الدماء ومنع تدمير البلد وتهجير أهله.

إن حوارات بعض الفضائيات عن الحدث السوري وبعض ما نقرأه من تعليقات ممن يستغلون فضاء حرية المدونات فيكتبون بأسماء مستعارة أو ممن يكتبون التعليقات بأسمائهم وهم ليسوا من الكتاب والمحللين وأهل الرأي بل حتى ليسوا ممن يجيدون الفهم السياسي والمتابعة الجيدة التي تجعلهم مؤهلين للإبداء بآرائهم , لذلك نلاحظ أراء الكثير منهم هي عبارة عن طفح طائفي أو مزاج شخصي غير سوي, أو منطلق من جهالة تجعله ينطبق عليه القول الفلسفي “تراب في فيه” وذلك لمن لا يحسن الكلام في المطالب التي تحتاج إلى الدليل والبرهان. 

فكيف يصبح الأفغاني والصومالي والتونسي والليبي والكويتي والأردني والمصري والسعودي والتركي وللبناني وهم من الوهابيين الإرهابيين التكفيريين يقاتلون في حلب وحمص وريف دمشق ليصنعوا ثورة للشعب السوري الذي لا ينقصه الوعي والغيرة على وطنه, وكيف يصبح احتلال بيوت المواطنين حتى تهدم وتفجير سكك الحديد ومحطات الكهرباء والبنزين وحرق الممتلكات وقتل الناس على الهوية واغتصاب النساء عملا من أعمال الثورة في سورية، وكيف تصبح قطر والسعودية وتركيا تدعم بالمال والسلاح للعصابات المسلحة في سورية , والشعب التركي يرفض ذلك والشعب السعودي يطالب بحريته وحقوقه المصادرة من قبل الأسر الحاكمة، فمن يصدق ذلك؟ وكيف لا تكون الحوارات من اجل ذلك حربا للأعصاب؟.

Placeholder

ضباع الصحافة العربيةقطيع جديد ينضم لقطعان التضليل والتلفيق

في بادرة غير مسبوقة في تاريخ الإعلام الرسمي الإسرائيلي, اختارت (تسيبي ليفني) قطيعها الإعلامي من ضباع الصحافة العربية لتلحقه بقطيعها المتخصص بالتلفيق والتحريف في غابات التحريض والتضليل الإعلامي, ووقع اختيارها هذه المرة على بعض المقالات المنشورة في الصحف العربية, والتي عبرت بطريقة أو بأخرى عن تطلعات حكومة تل أبيب, ونواياها العدوانية المعلنة, فخصصت (الخارجية الإسرائيلية) موقعا رسميا, نشرت فيه المقالات المسمومة, التي كتبتها الأقلام العربية المأجورة, ونشرتها الصحف الصفراء, في غياب القيم والمبادئ والمشاعر القومية والدينية. 

 أما القاسم المشترك الأعظم لهذه الضباع الضالة على وفق المعايير الإسرائيلية, التي حددت المواصفات العامة لتشكيلة القطيع, فتعتمد في المقام الأول على درجة الحقد المتجذر في قلب الكاتب, وعلى مقدار الكراهية التي يحملها ضد حركة (حماس), وتعتمد أيضا على ضراوته في الانقضاض على القضايا العربية وتسفيهها, وتحامله على الإسلام والمسلمين, وسعيه الحثيث لنشر الطائفية وإذكاء نيرانها, وتطوعه الذاتي في الذود بالدفاع عن المشاريع الإسرائيلية في الشرق الأوسط, فوجدت ان مخالب بعض الكتاب (العرب) أمضى من خناجر الكتاب الإسرائيليين, وأشد منها بطشا في ممارسة الطعن والنهش والتمزيق, ومن نافلة القول نذكر إن مقالات الكاتب الكويتي (عبد الله الهدلق) عندما ترجمت إلى اللغة العبرية, نالت استحسان القيادة الإسرائيلية, وباركها الحاخامات, واثنوا عليها لأنها عبرت عن تطلعاتهم الحقيقية بأساليب صريحة ومباشرة, حتى إن رئيس الوزراء (أيهود أولمرت) نفسه, قام من مجلسه عندما قرأ مقالات الهدلق, وأبدى إعجابه بها, رافعا يديه في الفراغ, متلفظا بكلمات النشوة والفرح, مقترحا ترشيح (عبد الله الهدلق) لنيل أعلى الأوسمة الإسرائيلية, وقال عنه: (انه أكثر تطرفا من تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية). 

 وربما كان الهدلق وزميله فؤاد الهاشم, ومن كان على شاكلتهما, من أكثر الضباع شراسة في التحريض على قتل الفلسطينيين بالجملة, وكانوا يدعون دائما لسحق العرب في فلسطين, ويتهمونهم بالغدر والخيانة, ويطالبون إسرائيل بالتعامل معهم كمجرمين وقتلة وإرهابيين. 

لقد تمادى (فؤاد الهاشم) في تهجمه الدائم على العراقيين والفلسطينيين, وكان في معظم مقالاته يجد الأعذار والمبررات لبقاء القواعد الحربية الأمريكية, ويدعم الأنشطة الإسرائيلية المتزايدة في حوض الخليج العربي, ففي مقالة شاذة وغريبة كتبها (الغاشم) بعنوان: ((بالكيماوي….. يا أولمرت)), كان يناشد فيها أولمرت بمواصلة الحصار على غزة, ويحثه على قصف أهلنا بالغازات الكيماوية, فتصدر بهذه المقالة قائمة الكتاب العرب الموالين لإسرائيل, ونشرت مقالاته هناك باللغة العبرانية, وعرفه الناس في تل أبيب, فرشحته وزارة الخارجية الإسرائيلية سفيرا لها في العواصم الخليجية. 

 لقد خصصت إسرائيل موقعا الكترونيا على الشبكة الدولية نشرت فيه مقالات الكتاب العرب الموالين لتطلعاتها الصهيونية, المؤدين لسياستها العدوانية, وترجمتها الى اللغات العبرية والانجليزية والفارسية والروسية, إضافة إلى اللغة العربية. 

 ان من يتصفح موقعها, الذي خصصته لهذا القطيع من الضباع الضالة, سيتعرف عليهم بنفسه, وسيعثر في الموقع التالي على الدليل القاطع, الذي يعكس مستوى الخسة والنذالة, التي هبط إليها هؤلاء بمحض إرادتهم:-

http://www.altawasul.com/mfaar/opp eds/op eds- Arab writers

وسيقرأ المتصفح أسماءهم مكتوبة بالبنط العريض في طليعة المؤازرين للحركة الصهيونية, المؤيدين لإسرائيل, الداعمين لها, ابتداءً من المتهتك (فؤاد الغاشم), إلى المرتد (مساعد الخميس), مرورا بعبد الله الهدلق, وخليل علي حيدر, وحسن علي قزم, وأحمد البغدادي, ويوسف داعر السويدان, والياس بجاني, وأحمد الجار الله, وحسن راضي, ونضال نعيسة, وتركي الحمد, وطارق الحميد, وعبد الرحمن الراشد, ومأمون فندي, وعلي ظالم, وعادل درويش, وعيال هرسي, وصبحي فؤاد, وأنور الحمايدة, وأنيس منصور, وطارق الحجي, وصالح القلاب, وفهد الفاتك, وابن مجلي, وسيكتشف القارئ الكريم إن صحيفتا الوطن والسياسية الكويتية, ومعهما الرأي الأردنية, هي الصحف التي تصدرت عناوين التمجيد بالحكومة الإسرائيلية, وهي السفارات التي تطوعت لخدمة تل أبيب, وهي المنابر التي نشرت أبواق التضليل الإعلامي لتشويه صورة العرب في المحافل الدولية. 

 وقفة

ما زلتُ أبحثَ في وجوهِ الناس عن بعضِ الرّجال

عن عصبةٍ يقفون في الأزماتِ كالشمِّ الجبال

فإذا تكلمتِ الشفاهُ سمعْتَ ميزانَ المقال

وإذا تحركتِ الرّجالُ رأيتَ أفعالَ الرّجال

Placeholder

تمنيتهم أولادي

شيخ وقور من الناصرية يتوقف عند محل تجاري في الكرادة الشرقية,  بغداد.. وينخرط في حديث مع شابين ويسود التفاهم والانسجام ويأخذ إعجاب الشيخ مداه عندما تقترب عدسة فضائية ويطلب إلى كادرها ان يصوروا مشاعره إزاء هذين الشابين الذين تعرف عليها قبل اقل من نصف ساعة وأشعراه فيها بأخلاقهم وطبائعهم وجمال تصرفهم الصادق والساحر..  ورأى كم من الرضى والتفاؤل والامتنان لله لوالديهما على هذين الولدين.

قيل له انه بدعوته هذه وكأنه يحتفي بحالة نادرة..  وقد يوحي ايضا بعقوق اولاده …فقال انه سعيد باولاده ..الا انه يفي أولاده ويحتفي بهم كلما احتفى بأمثالهم.. ثم أن المسن العجوز ليتفاءل ويساوره ان الحياة مستمرة ودائمة مع شباب يحترمون التجربة وكبر السن  وبشعوره بابوتهم ..وكان صادقا عندما اراد ان يهتف عبر الفضائية ويعرب عن رغبته ان يكون هؤلاء أولاده ..وان يشعر ببركة كبر السن وعطايا الشيخوخة اذ يتذوق مكانته ومنزلته وامتيازه في عيون وقلوب الأبرار المتربين الجميلين …ثم ..أليس هذا تجسيدا وتجليا لدعوة الإسلام بالعطف على الصغير وبتوقير الكبير وبإشاعة الود والتراحم والمرح بين الناس؟؟؟ 

بيد ان العقوق دائما ما كان موجودا…  وما كانت الجنة تحت أقدام الأمهات إلا حثا وترغيبا بالبر بها..  وبلغ هذا العقوق ما عرضته الفضائيات عن آباء وأمهات معوقون ..بأيد وارجل مكسورة وقلوب محطمة لا نتيجة هجوم لصوص ومجرمين بل نتيجة قسوة ووحشية الأبناء ذاتهم..  (ابني هجم عليّ وكسر لي يدي..  وابني ضربني فوجدت أنني في المستشفى  …وابني قلع لي عيني ….والى اخر ممارسات ابليس ونموذج الشر والكائن الممسوخ) وان الاصل الطيب ليتجلى في البيت والشارع وكل زوايا المجتمع مثلما يتجلى الكائن القبيح المنبوذ المثير  للغثيان ايضا …ولهذا يتحمس أطباء النفس والمجتمع وإعلاميون ومثقفون لاعداد حملات وبرامج وطنية مكثفة في مجال الثقافة والتنمية الاجتماعية لترميم واصلاح العلاقات الاجتماعية تسهم فيها كل أجهزة الدولة ..فقد بات واضحا للقريب والبعيد ما بلغه التفكك الاجتماعي ..

ووجدناه مجتمعا من المتساكنين لا من مواطنين ..وهو مجتمع يحلم به اي طاغية ولصوص سلطة:  لا يمكن أن يجتمع ويتوحد.

Placeholder

عشائر عراقية.. بين القيم الأصيلة والمظاهر الشاذة

لم تكن العشائر العراقية في جنوب العراق بهذا الطغيان والتجبر, ولم تكن تجرؤ على انتهاك القوانين النافدة ولا الأعراف السائدة, بل على العكس تماماً, فقد كانت متميزة بنبلها وأصالتها وطيبتها وتسامحها, شامخة بجودها وكرمها, متفانية في نصرة الضعيف, مندفعة لإنصاف المظلوم, محبة للخير, ساعية للمعروف, تميل مع الحق حيثما يميل, لا تعرف المساومة ولا المداهنة, لا تنحاز للباطل, متفاخرة بنخوتها التي استمدتها من مواقفها المشرفة في أحلك الظروف, حتى صارت (النخوة) عنوانا ورمزا اجتماعياً وقبلياً يميزها عن القبائل الأخرى, فعرف الناس قبيلة المنتفك بإخوة (نورة), وقبيلة خفاجة بإخوة (علية), وقبيلة البو محمد بإخوة (باشة), والبو عساف والبو نمر (إخوة هدلة), والبو خليفة (إخوة عبدة), وتشترك قبائل الدليم وآل فتلة بنخوة واحدة (إخوة موزة), فلكل قبيلة رمزها ونخوتها التي تعرف بها, ولم تأت هذه المسميات من فراغ, وإنما سجلتها المواقف الخالدة في سجلات الرفعة والشموخ, فعلى سبيل المثال لا الحصر, نذكر إن نخوة عشيرة البو زيد في الجنوب (إخوة مايعة). 

لم تكن (مايعة) مرتبط بهم برابطة القرابة والنسب, فهي امرأة غريبة مظلومة, فقدت الاتصال بقبيلتها وأبناء عمومتها, وكانت تتعرض للاضطهاد على يد زوجها الظالم, يعاملها بخشونة ويتعمد الإساءة إليها أمام نساء القرية, كان يقول لها إنها: بلا عشيرة وبلا أهل, فجلست تبكي ذات يوم على قارعة الطريق, وشاءت الأقدار أن يمر بها رجال من قبيلة البو زيد, فتأثروا بقصتها, ووقفوا في صفها, فتظاهروا أمام زوجها الجاهل بأنهم إخوتها, وإنهم جاءوا لزيارتها, ولم يغادروا القرية إلا بعد أن أعادوا لها حقوقها كاملة, ورفعوا عنها الظلم والحيف, فصارت (مايعة) عنوانا لشهامتهم ونخوتهم حتى يومنا هذا. 

مما يؤسف له أن بعض التفرعات العشائرية المتمردة على الأصول والقواعد, سلكت مسلكاً شاذا هذه الأيام في تعاملها الهمجي مع الناس, وانزلقت في مسارات متناقضة مع أبسط مبادئ العدل والإحسان, فتقاطعت مع الأعراف والقوانين, وطغت طغيانا عظيما في غياب العقوبات الرادعة, حتى صارت مصدرا من مصادر الإرهاب الاجتماعي. 

نسمع هذه الأيام بانتهاكات عشائرية لا يصدقها العقل ولا يقبلها المنطق, تتلخص بقيام بعض الفئات العشائرية المتهورة باختلاق المشاكل ضد أبناء الطبقات الاجتماعية المسالمة بقصد ابتزازهم ماديا, واستنزاف مدخراتهم كلها لأسباب تافهة وأحيانا سخيفة, والطامة الكبرى أن هذه الممارسات الغريبة تتكرر يوميا أمام أنظار أعضاء المجالس المحلية, وأعضاء البرلمان, وأعضاء الكتل السياسية الكبرى, وتتكرر أمام أنظار رجال الدين ورجال القضاء ومنظمات المجتمع المدني, من دون أن يتصدى أحدهم لهذه الظاهرة الخطيرة, التي صارت تهدد الطبقات المتعلمة والمثقفة, وتطارد الأطباء وأساتذة الجامعات وأصحاب الكفاءات, وتحرج مدراء المؤسسات الإنتاجية والخدمية, فتحول (الفصل) العشائري من صيغته الإنسانية المدافعة عن الحق, إلى وسيلة للابتزاز يراد منها مصادرة ممتلكات الخصم الأضعف في التصنيف العشائري الجائر, وصار التعويض المادي من أساليب فرض الإتاوات بالقوة, في تسوية الأمور الباطلة. 

جاء في يوم من الأيام رجل عاطل عن العمل, فتضامن معه صديقي, ووجد له عملا في مكان لائق, فوفر له ولعائلته العيش الرغيد, وشكره الرجل العاطل وانصرف لعمله, ثم عاد بعد عام ليطلب منه تحسين وضعه الإداري في موقع عمله, فتدخل صديقي لصالحه وقام بواجبه على الوجه الأكمل, لكنه عاد بعد أربعة أعوام ليهدد صديقي, ويطلب منه الرضوخ لقانون العشائر, ويطالبه بإرسال من يأخذ له الهدنة (العطوة), بدعوى أن ابنه الصغير تلبس به عفريت من الجن, وان هذا العفريت ينطق باسم الرجل المحسن (صديقي), الذي أصبح في نظرهم من الأشرار في ضوء الحكاية التي رواها لهم العفريت, وإنه وحده يتحمل أي تدهور قد يطرأ على صحة أبن الرجل المجنون, ويتعين على صديقي أن يدفع التعويضات التي  تقررها عشيرة الابن المصاب بضربات مباشرة من العفاريت, ولم ينته الموضوع إلا بعد تغريم صاحبي ماديا بذريعة تعاونه مع قبائل الجن. 

وفي يوم من الأيام كنت متواجدا في جلسة عشائرية اضطر فيها حارس احد المخازن بدفع التعويضات (الإتاوات) لعشيرة السارق الذي امسكه الحارس متلبسا بجريمة السرقة, وانتهت الجلسة العشائرية بتغريم الحارس, وتعويض الحرامي أضعاف القيمة المادية للمواد التي كان في نيته سرقتها. وكانت الرؤيا, التي رآها العم (سين) في عالم الأحلام هي الفتيل الذي فجر براكين القتال بين عشيرته وعشيرة العم (صاد), فقد رأى (سين) في المنام إن عزرائيل كان يبحث عن رجل يبدأ اسمه بحرف الصاد ليقبض روحه, وان اسم أم ذلك الرجل (فاطمة), فأرشده في المنام إلى دار جيرانه (صاد), وفي صباح اليوم التالي قص  رؤياه على جاره (صاد) الذي كان يبحث عنه عزرائيل, فقال له جاره (صاد): إنها أضغاث أحلام فأنا والحمد لله على قيد الحياة, وشاءت الأقدار أن يموت (صاد) عصر ذلك اليوم, فاجتمع أبناؤه, وهجموا على دار (سين) باعتباره هو الواشي (العلاس), الذي أرشد عزرائيل في المنام إلى دار والدهم (صاد).ويحكى إن مدير المدرسة الابتدائية في إحدى قرى الجنوب ذهب إلى ديوان القرية (المضيف) ليتداول مع وجهائها بشأن التلاميذ الذين تردى مستواهم التعليمي, فدخل من باب المضيف, وسلم على الناس قائلا: (السلام عليكم), فردوا عليه التحية, ونهضوا من أماكنهم احتراما له, فسقط أكبرهم سنا ميتا بالسكتة القلبية, وهنا قامت القيامة, وتجمع أبناء المتوفى بعدتهم وعتادهم استعدادا للهجوم على بيت مدير المدرسة, الذي اتهموه بقتل والدهم, بذريعة انه كان السبب في موته. ولابد لنا هنا من سرد حكاية الشاب المتعلم الذي ذهب مع أصدقائه إلى وليمة من ولائم العزاء, فجلس يتناول الطعام من السماط الممدود وسط السرادق, وكان جلوسه بإزاء رجل بانت عليه علامات الهيبة والوقار, فقام الشاب (النشمي) بتقطيع اللحم لذلك الرجل احتراما وتقديرا له, فغضب الرجل (الوقور), وأخذ يزبد ويرعد, محتجا على تصرفات الشاب, التي عدها إهانة له, بذريعة أن الشاب, بتصرفه هذا, كان يشبهه بالكلاب والقطط, فغادر الوليمة على الفور متوعدا بالانتقام من الشاب وعشيرته, ولم تنته هذه القضية إلا بعد اضطرار عشيرة الشاب إلى دفع أكثر من عشرين مليون دينار ثمنا للكرامة المزعومة. 

أما أقوى مواقف الاستهتار العشائري وأكثرها غرابة, فهي حكاية رئيس المهندسين, ورئيس لجنة فتح العروض والعطاءات في إحدى الشركات الحكومية, الذي تعرض بسبب نزاهته وعفته لأقسى العقوبات العشائرية, عندما أجبرته إحدى العشائر على إعفاء نفسه من اللجنة بطلب رسمي يكتبه هو بخط يده, وأجبرته أيضا على التنحي من منصبه لشخص آخر. 

من المؤكد أن تفاقم هذه الظاهر ونموها وسط المجتمع الجنوبي, سيضيف عنصرا تخريبيا لا يقل بشاعة عن الدمار الذي ألحقته بنا المنظمات الإرهابية التخريبية, ولا يقل سوءا عن آثار التعاملات الإدارية الفاسدة, وستسهم هذه الظاهرة إسهاما مباشرا في توسيع دائرة الفوضى, وتهديم أركان المجتمع, الذي صارت فيه الأسماك الكبيرة تبتلع يوميا مئات الأطنان من الأسماك الصغيرة, وانقلبت فيه موازين الحق والباطل, ومالت الكفة الرابحة لصالح القبائل المتهورة المستهترة, التي ماانفكت تتباهى برعونتها وعدوانيتها بتحويل مآتم العزاء المقامة على روح فقيدهم إلى احتفالية مسلحة, يطلقون فيها العيارات النارية المعززة بالهوسات, وما أدراك ما تتضمنه الهوسات من قصائد ارتجالية يرفعون فيها منزلة الميت فوق منزلة الأنبياء والرسل. 

والله يستر من الجايات

يقول الجاهل المتباهي بجهله

لئن كنتُ محتاجاً إلى الحلم إنني

إلى الجهلِ في بعض الأحايين أحوجُ

ولي فرسٌ للخير بالخير ملجمٌ

ولي فرسٌ للشر بالشرِ مسرجُ

فمن شاءَ تقويمي فإني مقَّومٌ

ومن رام تعويجي فإني معوَّجُ

وما كنت أرضى الجهل خدناً وصاحباً

ولكنني أرضى به حين أحرجُ

Placeholder

تمنيتهم أولادي

شيخ وقور من الناصرية يتوقف عند محل تجاري في الكرادة الشرقية,  بغداد.. وينخرط في حديث مع شابين ويسود التفاهم والانسجام ويأخذ إعجاب الشيخ مداه عندما تقترب عدسة فضائية ويطلب إلى كادرها ان يصوروا مشاعره إزاء هذين الشابين الذين تعرف عليها قبل اقل من نصف ساعة وأشعراه فيها بأخلاقهم وطبائعهم وجمال تصرفهم الصادق والساحر..  ورأى كم من الرضى والتفاؤل والامتنان لله لوالديهما على هذين الولدين.

قيل له انه بدعوته هذه وكأنه يحتفي بحالة نادرة..  وقد يوحي ايضا بعقوق اولاده …فقال انه سعيد باولاده ..الا انه يفي أولاده ويحتفي بهم كلما احتفى بأمثالهم.. ثم أن المسن العجوز ليتفاءل ويساوره ان الحياة مستمرة ودائمة مع شباب يحترمون التجربة وكبر السن  وبشعوره بابوتهم ..وكان صادقا عندما اراد ان يهتف عبر الفضائية ويعرب عن رغبته ان يكون هؤلاء أولاده ..وان يشعر ببركة كبر السن وعطايا الشيخوخة اذ يتذوق مكانته ومنزلته وامتيازه في عيون وقلوب الأبرار المتربين الجميلين …ثم ..أليس هذا تجسيدا وتجليا لدعوة الإسلام بالعطف على الصغير وبتوقير الكبير وبإشاعة الود والتراحم والمرح بين الناس؟؟؟ 

بيد ان العقوق دائما ما كان موجودا…  وما كانت الجنة تحت أقدام الأمهات إلا حثا وترغيبا بالبر بها..  وبلغ هذا العقوق ما عرضته الفضائيات عن آباء وأمهات معوقون ..بأيد وارجل مكسورة وقلوب محطمة لا نتيجة هجوم لصوص ومجرمين بل نتيجة قسوة ووحشية الأبناء ذاتهم..  (ابني هجم عليّ وكسر لي يدي..  وابني ضربني فوجدت أنني في المستشفى  …وابني قلع لي عيني ….والى اخر ممارسات ابليس ونموذج الشر والكائن الممسوخ) وان الاصل الطيب ليتجلى في البيت والشارع وكل زوايا المجتمع مثلما يتجلى الكائن القبيح المنبوذ المثير  للغثيان ايضا …ولهذا يتحمس أطباء النفس والمجتمع وإعلاميون ومثقفون لاعداد حملات وبرامج وطنية مكثفة في مجال الثقافة والتنمية الاجتماعية لترميم واصلاح العلاقات الاجتماعية تسهم فيها كل أجهزة الدولة ..فقد بات واضحا للقريب والبعيد ما بلغه التفكك الاجتماعي ..

ووجدناه مجتمعا من المتساكنين لا من مواطنين ..وهو مجتمع يحلم به اي طاغية ولصوص سلطة:  لا يمكن أن يجتمع ويتوحد.

Placeholder

عشائر عراقية.. بين القيم الأصيلة والمظاهر الشاذة

لم تكن العشائر العراقية في جنوب العراق بهذا الطغيان والتجبر, ولم تكن تجرؤ على انتهاك القوانين النافدة ولا الأعراف السائدة, بل على العكس تماماً, فقد كانت متميزة بنبلها وأصالتها وطيبتها وتسامحها, شامخة بجودها وكرمها, متفانية في نصرة الضعيف, مندفعة لإنصاف المظلوم, محبة للخير, ساعية للمعروف, تميل مع الحق حيثما يميل, لا تعرف المساومة ولا المداهنة, لا تنحاز للباطل, متفاخرة بنخوتها التي استمدتها من مواقفها المشرفة في أحلك الظروف, حتى صارت (النخوة) عنوانا ورمزا اجتماعياً وقبلياً يميزها عن القبائل الأخرى, فعرف الناس قبيلة المنتفك بإخوة (نورة), وقبيلة خفاجة بإخوة (علية), وقبيلة البو محمد بإخوة (باشة), والبو عساف والبو نمر (إخوة هدلة), والبو خليفة (إخوة عبدة), وتشترك قبائل الدليم وآل فتلة بنخوة واحدة (إخوة موزة), فلكل قبيلة رمزها ونخوتها التي تعرف بها, ولم تأت هذه المسميات من فراغ, وإنما سجلتها المواقف الخالدة في سجلات الرفعة والشموخ, فعلى سبيل المثال لا الحصر, نذكر إن نخوة عشيرة البو زيد في الجنوب (إخوة مايعة). 

لم تكن (مايعة) مرتبط بهم برابطة القرابة والنسب, فهي امرأة غريبة مظلومة, فقدت الاتصال بقبيلتها وأبناء عمومتها, وكانت تتعرض للاضطهاد على يد زوجها الظالم, يعاملها بخشونة ويتعمد الإساءة إليها أمام نساء القرية, كان يقول لها إنها: بلا عشيرة وبلا أهل, فجلست تبكي ذات يوم على قارعة الطريق, وشاءت الأقدار أن يمر بها رجال من قبيلة البو زيد, فتأثروا بقصتها, ووقفوا في صفها, فتظاهروا أمام زوجها الجاهل بأنهم إخوتها, وإنهم جاءوا لزيارتها, ولم يغادروا القرية إلا بعد أن أعادوا لها حقوقها كاملة, ورفعوا عنها الظلم والحيف, فصارت (مايعة) عنوانا لشهامتهم ونخوتهم حتى يومنا هذا. 

مما يؤسف له أن بعض التفرعات العشائرية المتمردة على الأصول والقواعد, سلكت مسلكاً شاذا هذه الأيام في تعاملها الهمجي مع الناس, وانزلقت في مسارات متناقضة مع أبسط مبادئ العدل والإحسان, فتقاطعت مع الأعراف والقوانين, وطغت طغيانا عظيما في غياب العقوبات الرادعة, حتى صارت مصدرا من مصادر الإرهاب الاجتماعي. 

نسمع هذه الأيام بانتهاكات عشائرية لا يصدقها العقل ولا يقبلها المنطق, تتلخص بقيام بعض الفئات العشائرية المتهورة باختلاق المشاكل ضد أبناء الطبقات الاجتماعية المسالمة بقصد ابتزازهم ماديا, واستنزاف مدخراتهم كلها لأسباب تافهة وأحيانا سخيفة, والطامة الكبرى أن هذه الممارسات الغريبة تتكرر يوميا أمام أنظار أعضاء المجالس المحلية, وأعضاء البرلمان, وأعضاء الكتل السياسية الكبرى, وتتكرر أمام أنظار رجال الدين ورجال القضاء ومنظمات المجتمع المدني, من دون أن يتصدى أحدهم لهذه الظاهرة الخطيرة, التي صارت تهدد الطبقات المتعلمة والمثقفة, وتطارد الأطباء وأساتذة الجامعات وأصحاب الكفاءات, وتحرج مدراء المؤسسات الإنتاجية والخدمية, فتحول (الفصل) العشائري من صيغته الإنسانية المدافعة عن الحق, إلى وسيلة للابتزاز يراد منها مصادرة ممتلكات الخصم الأضعف في التصنيف العشائري الجائر, وصار التعويض المادي من أساليب فرض الإتاوات بالقوة, في تسوية الأمور الباطلة. 

جاء في يوم من الأيام رجل عاطل عن العمل, فتضامن معه صديقي, ووجد له عملا في مكان لائق, فوفر له ولعائلته العيش الرغيد, وشكره الرجل العاطل وانصرف لعمله, ثم عاد بعد عام ليطلب منه تحسين وضعه الإداري في موقع عمله, فتدخل صديقي لصالحه وقام بواجبه على الوجه الأكمل, لكنه عاد بعد أربعة أعوام ليهدد صديقي, ويطلب منه الرضوخ لقانون العشائر, ويطالبه بإرسال من يأخذ له الهدنة (العطوة), بدعوى أن ابنه الصغير تلبس به عفريت من الجن, وان هذا العفريت ينطق باسم الرجل المحسن (صديقي), الذي أصبح في نظرهم من الأشرار في ضوء الحكاية التي رواها لهم العفريت, وإنه وحده يتحمل أي تدهور قد يطرأ على صحة أبن الرجل المجنون, ويتعين على صديقي أن يدفع التعويضات التي  تقررها عشيرة الابن المصاب بضربات مباشرة من العفاريت, ولم ينته الموضوع إلا بعد تغريم صاحبي ماديا بذريعة تعاونه مع قبائل الجن. 

وفي يوم من الأيام كنت متواجدا في جلسة عشائرية اضطر فيها حارس احد المخازن بدفع التعويضات (الإتاوات) لعشيرة السارق الذي امسكه الحارس متلبسا بجريمة السرقة, وانتهت الجلسة العشائرية بتغريم الحارس, وتعويض الحرامي أضعاف القيمة المادية للمواد التي كان في نيته سرقتها. وكانت الرؤيا, التي رآها العم (سين) في عالم الأحلام هي الفتيل الذي فجر براكين القتال بين عشيرته وعشيرة العم (صاد), فقد رأى (سين) في المنام إن عزرائيل كان يبحث عن رجل يبدأ اسمه بحرف الصاد ليقبض روحه, وان اسم أم ذلك الرجل (فاطمة), فأرشده في المنام إلى دار جيرانه (صاد), وفي صباح اليوم التالي قص  رؤياه على جاره (صاد) الذي كان يبحث عنه عزرائيل, فقال له جاره (صاد): إنها أضغاث أحلام فأنا والحمد لله على قيد الحياة, وشاءت الأقدار أن يموت (صاد) عصر ذلك اليوم, فاجتمع أبناؤه, وهجموا على دار (سين) باعتباره هو الواشي (العلاس), الذي أرشد عزرائيل في المنام إلى دار والدهم (صاد).ويحكى إن مدير المدرسة الابتدائية في إحدى قرى الجنوب ذهب إلى ديوان القرية (المضيف) ليتداول مع وجهائها بشأن التلاميذ الذين تردى مستواهم التعليمي, فدخل من باب المضيف, وسلم على الناس قائلا: (السلام عليكم), فردوا عليه التحية, ونهضوا من أماكنهم احتراما له, فسقط أكبرهم سنا ميتا بالسكتة القلبية, وهنا قامت القيامة, وتجمع أبناء المتوفى بعدتهم وعتادهم استعدادا للهجوم على بيت مدير المدرسة, الذي اتهموه بقتل والدهم, بذريعة انه كان السبب في موته. ولابد لنا هنا من سرد حكاية الشاب المتعلم الذي ذهب مع أصدقائه إلى وليمة من ولائم العزاء, فجلس يتناول الطعام من السماط الممدود وسط السرادق, وكان جلوسه بإزاء رجل بانت عليه علامات الهيبة والوقار, فقام الشاب (النشمي) بتقطيع اللحم لذلك الرجل احتراما وتقديرا له, فغضب الرجل (الوقور), وأخذ يزبد ويرعد, محتجا على تصرفات الشاب, التي عدها إهانة له, بذريعة أن الشاب, بتصرفه هذا, كان يشبهه بالكلاب والقطط, فغادر الوليمة على الفور متوعدا بالانتقام من الشاب وعشيرته, ولم تنته هذه القضية إلا بعد اضطرار عشيرة الشاب إلى دفع أكثر من عشرين مليون دينار ثمنا للكرامة المزعومة. 

أما أقوى مواقف الاستهتار العشائري وأكثرها غرابة, فهي حكاية رئيس المهندسين, ورئيس لجنة فتح العروض والعطاءات في إحدى الشركات الحكومية, الذي تعرض بسبب نزاهته وعفته لأقسى العقوبات العشائرية, عندما أجبرته إحدى العشائر على إعفاء نفسه من اللجنة بطلب رسمي يكتبه هو بخط يده, وأجبرته أيضا على التنحي من منصبه لشخص آخر. 

من المؤكد أن تفاقم هذه الظاهر ونموها وسط المجتمع الجنوبي, سيضيف عنصرا تخريبيا لا يقل بشاعة عن الدمار الذي ألحقته بنا المنظمات الإرهابية التخريبية, ولا يقل سوءا عن آثار التعاملات الإدارية الفاسدة, وستسهم هذه الظاهرة إسهاما مباشرا في توسيع دائرة الفوضى, وتهديم أركان المجتمع, الذي صارت فيه الأسماك الكبيرة تبتلع يوميا مئات الأطنان من الأسماك الصغيرة, وانقلبت فيه موازين الحق والباطل, ومالت الكفة الرابحة لصالح القبائل المتهورة المستهترة, التي ماانفكت تتباهى برعونتها وعدوانيتها بتحويل مآتم العزاء المقامة على روح فقيدهم إلى احتفالية مسلحة, يطلقون فيها العيارات النارية المعززة بالهوسات, وما أدراك ما تتضمنه الهوسات من قصائد ارتجالية يرفعون فيها منزلة الميت فوق منزلة الأنبياء والرسل. 

والله يستر من الجايات

يقول الجاهل المتباهي بجهله

لئن كنتُ محتاجاً إلى الحلم إنني

إلى الجهلِ في بعض الأحايين أحوجُ

ولي فرسٌ للخير بالخير ملجمٌ

ولي فرسٌ للشر بالشرِ مسرجُ

فمن شاءَ تقويمي فإني مقَّومٌ

ومن رام تعويجي فإني معوَّجُ

وما كنت أرضى الجهل خدناً وصاحباً

ولكنني أرضى به حين أحرجُ