Placeholder

عندما يكون الدين لعبة

شاءت إرادة الله أن يكون الخزي والعار مصير, الذين اتخذوا من الدين لعبة لهم لتحقيق مآربهم الدنيوية الضيقة, وشاءت إرادة الله أن تتهاوى مخططاتهم, التي امتطوا فيها موجات التطرف حصاناً جامحاً من أجل الوصول إلى أهدافهم الدنيئة, لكنهم وعلى الرغم من خروجهم مهزومين مدحورين أمام ثبات القيم الدينية السامية ورصانتها, كانوا يعاودون الكرة, فيستغلون مشاعر الناس, ويثيرون عواطفهم, بأساليب خبيثة تتخذ من بعض التفسيرات الفقهية المبهمة منهجاً ملتوياً يسلكونه في تعزيز قوتهم المرحلية, من اجل الاستحواذ على السلطة, أو بلوغ المراتب الفوقية, ولو لفترة مؤقتة ترضي طموح نفوسهم الأمارة بالسوء, وتسبغ على أدوارهم التآمرية هالة مزيفة.  وهكذا كانت الأديان السماوية كلها عرضة للأفكار الشريرة المندسة, منذ اليوم الذي خرج فيه السامري بعجله الفرعوني في وادي النيل ليعلن العصيان والتمرد على سيدنا موسى, إلى اليوم الذي التحق فيه فقهاء الناتو بالحملات الأمريكية الحربية, ليضيفوا الرياح القوية لمهزلة القرن الأمريكي, ويبشروا بظهور إمبراطورية النظام العالمي الموحد, التي سيقودها الأعور الدجال.  أما الدفعة المعاصرة من الفئات الضالة المتجلببة بجلباب الورع والتقوى, والتي كثفت ممارستها المتطرفة بعد أحداث 11/9/2001, فقد اتسقت في مواقفها المعادية للدين, المتقاطعة مع ابسط معايير الأخلاق العامة, الرافضة للمشاعر الوطنية الخالصة, فإنها وعلى الرغم من تكاثرها بالانشطار هذه الأيام, اتحدت في توجهاتها العامة نحو تفعيل مقاصدها في السر والعلن, والتي يمكن أن نلخصها بالتوجهات التالية:-  تسفيه كبار رجال الدين, والسماح للمراهقين من المتطرفين والضالين بالتطاول عليهم, والاستخفاف بهم, والتقليل من شأنهم. تنشيط النعرات الطائفية, ونشر الدسائس والفتن, وتأجيج الصراعات المذهبية, ومقاطعة المجالس والمساجد والمنتديات الدينية, التي لا تتفق معهم على سياستهم العرجاء.  رفع راية التكفير, وإباحة أرواح المسلمين وأموالهم بعد اتهامهم بالشرك, وإعلان الحرب على الطوائف والمذاهب الأخرى, والسعي لنشر الأحقاد بين أبناء الطائفة الواحدة, وتمزيق وحدة المسلمين وتشتيتهم ونشر القتل بينهم.  التفنن بصناعة الموت بأبشع الأدوات الشريرة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين بين بقية الشعوب والأمم,  اللجوء للتفسيرات المتطرفة في فهم الأحاديث والآيات, ونشر النصوص الباطلة, وبث الفتاوى المزيفة, والتلاعب بالأحاديث النبوية, وتضعيفها بأساليب ماكرة تمهيدا لإبطال حجيتها. .

إخفاء المؤلفات الفقهية الرصينة, وطمس آثارها الفكرية والتوضيحية, وتغييبها تماما حتى لا تكون حجة عليهم.  التأرجح بين الترويج لظاهرة التتريك أو الترويج لظاهرة التفريس, هذا يطالب بتطبيق النموذج التركي, وهذا يطالب بتطبيق النموذج الإيراني, حتى ضاع الخيط والعصفور.  إصدار فتاوى ما انزل الله بها من سلطان, كفتوى الشيخ عبد الباري الزمزمي, التي أباح فيها نكاح الموتى, والفتوى التي دعت المسلمين للوقوف مع إسرائيل في حصارها لغزة, أو في حربها على لبنان, وفتوى تأييد الغزو الأمريكي للعراق, وفتوى عدم إعاقة تحركات فيالقهم الزاحفة نحو العراق, والتي انتهت بتقبيل بول بريمر في فمه, وتكريم رامزفيلد بسيف عربي يحاكي سيف (ذو الفقار) من حيث الشكل, وهو السيف الذي حمله أمير المؤمنين (علي) بوجه الغزاة والطغاة والبغاة.  نشر تعاليمهم في الأوساط الفقيرة, وفي المجتمعات المتخلفة, وحث المراهقين على إعلان التمرد والعصيان على الثوابت الدينية الراسخة, والسماح لهم بالثورة على الأعراف والمبادئ والقيم.   الاستعانة بأكثر من خمسين فضائية لبث سموم التفرقة الطائفية, باعتبارها الوقود الفعال والمضمون لإشعال فتيل النزاعات المذهبية, والعودة بدائرة الصراع إلى القرن الهجري الأول.الملفت للنظر في مواقف هذه التكتلات الضالة هو القاسم المشترك الأعظم, الذي يجمعها كلها تحت سقف واحد.   فإنها وعلى الرغم من كثرتها, وعلى الرغم من تقاطعها مع بعضها البعض, وعلى الرغم من ضراوة الصراع الدموي القائم بينها, وعلى الرغم من عدم وجود روابط روحية أو فقهية تجمعها مع التكتلات الأخرى في خندق واحد, إلا إنها تتفق كلها على عدم المساس بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط, وتتفق على عدم السماح بالتعرض للقواعد الحربية الأجنبية المنتشرة على الأرض العربية والإسلامية, وتتفق على عدم السماح بالتطاول على الزعامات العربية والإسلامية المتأمركة, التي خضعت كليا أو جزئيا لقيادات البنتاغون, أو التي انحنت أمام فيالق الناتو, وتتفق على عدم الانتقاص من مكانة الزعامات, التي منحت القوات الغربية الامتيازات العسكرية والاستخبارية السخية, فالمصالح الأمريكية والإسرائيلية أصبحت فوق الشبهات في نظر الجماعات المتلاعبة بالدين, وصارت في نظرها من الخطوط الحمراء, التي لا ينبغي تجاوزها, ولا ينبغي الاقتراب منها. 

Placeholder

الغضب الشعبي والتعنت الأمريكي «أخلاق الإمبراطوريات» ؟!

للغضب الشعبي الذي عمّ البلاد العربية والإسلامية ما يبرره ولكن دون أن ننسى أحكامنا الشرعية وأخلاقنا التي لا تستسلم لردات الفعل العاطفية. 

وإذا كانت أمريكا قد تحركت تجاه الحدث الذي عمّ المنطقة بسبب الفيلم المسيء بأخلاق الإمبراطوريات, وهي أخلاق الجبروت واستباحة حقوق الآخرين وهذا ما سنسلط عليه الضوء .

فإن هناك من يحاول أن يستثمر الغضب الشعبي في المنطقة بأخلاق وسلوك الإرهاب وهذا مما يفسد الغضب الشعبي ويفرغه من نتائجه الايجابية ومطالبه المحقة .

أما الحديث عن أخلاق الإرهاب الذي عرفته شعوبنا واكتوت ومازالت تكتوي بإيغاله المفرط وغير المبرر بدماء وأعراض وممتلكات الناس ولاسيما في العراق مما لا يحتاج إلى المزيد من التوضيح والإدانة, لذلك سنركز الحديث عن التعنت الأمريكي ومعه الحليف الأوربي والإسرائيلي والتابع الذليل من أنظمة المنطقة .

ومن بين مجموعة التعنت هذه سنركز الحديث عن التعنت الأمريكي الذي مثله كل من :

1-  تصريحات اوباما

2-  تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية  “كلينتون”

3-  تصريحات “مت رومني” مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية. 

4-  أعمال بعض لجان التحقيق في الشرطة الأمريكية مع شخصية وهمية باسم منتج الفيلم المسيء للإسلام ولشخصية رسول الله “ص” في سبيل التمهيد لامتصاص غضب الشارع الشعبي في المنطقة وهذا لن يحدث, ولكن الأهم هو إعطاء الذرائع الواهية لإتباعهم من أنظمة السلطة والحكم الذين وجدوا أنفسهم في ورطة جديدة لا يعرفون كيفية الخروج منها فلا هم قادرون على إقناع القيادة الأمريكية بسبب مقتل بعض الأمريكيين, ولا هم قادرون على إقناع الشارع الشعبي بسبب مقتل بعض الشباب المحتج والمهاجم للسفارات الأمريكية بسبب الحدث المخطط له بخلفية استخباراتية تتحرك وفقاً لأجندات القيادة الأمريكية ذات التوجه التوراتي .

أما تصريحات اوباما الرئيس الأمريكي فكانت ذراً للرماد على العيون كما يقال, لان إدانته للفيلم المسيء غير كافية, وتنديده بالغضب الشعبي في المنطقة تجعله متعنتا لا يقوى على مواجهة الحقيقة, وهذه الأخلاقية أصبحت من ثوابت الموقف الأمريكي المزدوجة التي وجدناها تجاه القضية الفلسطينية , ثم في العراق ولبنان واليوم في سورية .

وأما تصريحات وزيرة الخارجية وهي رأس الدبلوماسية الأمريكية فكانت في منتهى التعبير عن التعنت الذي يعبر عن أخلاق إمبراطورية وليس عن أخلاق ديمقراطية كما يدعون في شعاراتهم التي تتزايد نسبة سقوطها بعد أحداث المنطقة.

فالسيدة كلنتون تريد أن تقول لحكام المنطقة المؤتمرين بالأوامر الأمريكية التي تتدخل حتى في ترتيب الحراسات والسكرتيرين والمرافقين للملوك والرؤساء والأمراء والمشايخ المحسوبين عليهم قبل الربيع العربي وبعد الربيع العربي .

وخلاصة مقولة السيدة كلنتون: أنهم في القيادة الأمريكية غير مسؤولين عن الفيلم “المقزز” حسب تعبيرها لأنهم لا سيطرة لهم على من أنتج الفيلم .

وتصريح السيدة كلنتون هذا أن صح, وهو ليس بالصحيح قطعا ولكنه إن صح فإنه يفتح ثغرة كبرى في جدار الأمن القومي الأمريكي المبني على البنتاغون وقوته العسكرية في البر والبحر والفضاء, وعلى المخابرات الأمريكية واستخباراتها التي تمتلك جفرة داتا الاتصالات العالمية وتعرف ماذا يجري في خلوات الملوك ولديها معلومات تدخرها كرصيد للمواجهة في أية مشاكسة تظهر من هنا وهناك.

ودولة من هذا الطراز عندما تقول أنها ليست لها سيطرة على من قام بإنتاج وبث الفيلم المسيء داخل الولايات المتحدة الأمريكية فإنها أمام حالتين :

1- أما أنها تكذب وهذا تدمير لمصداقيتها وهيبتها كدولة كبرى.

2- أو أنها تراوغ ولا تريد أن تواجه قوى اللوبي اليهودي التوراتي في داخلها , وهذا لا يختلف عن الحالة الأولى من حيث النتائج .

وفي كلتا الحالتين فنحن أمام مشروع للفوضى يقوض دعائم القطب الأحادي في السياسة الدولية , وهذا الأمر يترتب عليه الكثير من القلق والإرباك في مواقف الدول التابعة لهذا المحور, وفي مقابل ذلك يعزز مواقف المحور الذي ينتظر مزيداً من الفرص لتحقيق تغيير في الاحدية القطبية لصالحه, وشيء من هذا الأمر قد تحقق ولكن الإدارة الأمريكية لا تريد الاعتراف بذلك .

وإما تصريح “مت رومني” المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية والذي باتت بعض المصادر الأمريكية ترجح أطروحاته الاقتصادية على أطروحات اوباما.

وتصريح “مت رومني” تضمن تصريحين على جانب من الخطورة التي تعكس التعنت الأمريكي ذات الهوية الإمبراطورية حيث يقول :

1-  الشرق الأوسط لا يحكم إلا من قبل أمريكا .

2-  الدول التي لا تقمع الغضب الشعبي ضد السفارات الأمريكية سنمنع عنها المساعدات العسكرية .

فما لم يقله اوباما ولم تقله السيدة كلنتون , قاله: مت رومني صاحب اكبر تيار صهيوني مسيحي توراتي في أمريكا هو تيار المرمون.

وتيار المرمون يسعى لقيادة أمريكا بفكر توراتي مما يجعل من إسرائيل في بحبوحة من الحماية الأمنية بفضل نتائج ما يسمى بالربيع العربي الذي أعطى لتنظيم القاعدة الوهابي الإرهابي التكفيري فرصة لا يصدقها أصدقاء وأعداء أمريكا على حد سواء لأن النتائج النهائية للقيادة التوراتية في أمريكا غير مستنتجة من أعراف وتقاليد السياسة الدولية في السلم والحرب ذي المعنى الجغرافي والسياسي, ولهذا أوعزت كونداليزا رايس إلى احد رؤساء الحكومات في العراق أن يقرب حوله حزبه لمزيد من الاختناق والإفلاس لتجارب الدول المصنوعة بإرادة أمريكية , وإنما هي تقوم على مفهوم الحرب الكونية المنتزع من كتاب حزقيال “الجزء 38-39” حول معركة “الهرمجدون” ذات الفهم التوراتي الذي يعظم الإمبراطورية عندما تكون لصالح العرق السامي المفضل بمملكة داود ونجمته وسليمان وعرشه, وليس لموسى وعصاميته, ومن هنا يأتي التعنت الأمريكي.

Placeholder

نخشى الحقيقة ؟؟؟

هناك,  في أوروبا وأمريكا,  من يعتقد بأن العرب مصابون بنقص ولادي في رؤية الحقيقة، أنهم لا يخافونها بل لا يرونها أصلا لكي يخافوها, وربما هذا السبب ما جعلهم يعبدون الأصنام والأوثان..و فيهم من استمر على نحو ما لا يقدر ولا يبجل ما يراه وما يتجسد في حياة إمامه..  مثلما يقدر ويبجل الغامض والبعيد والمخيف … وهاهم قادة عرب لا يرون ما خلقوه من جحيم لشعوبهم فيدعون العالم للاقتداء بهم وامتثال عبقريتهم لإقامة وتوفير النعيم والديمقراطية للفرنسي والسويدي ….وإنهم بدعوتهم تلك صادقون لأنهم لا يرون الواقع والحقيقة وما متحقق خارج أجسادهم.

الشعوب بدورها  كليلة النظر ولا تفطن إلى أنها تختار بنفسها جلاديها وقتلتها, وهي تواصل شتمهم ولعنهم.. والتي تقتل رجالها ومبدعيها وتبكي عليهم… أي… أن العرب ضحايا تكوينهم الذي يفتقد إلى حاسة إدراك الحقيقة والى الإيمان بالحوار طريقا للتوصل للحقيقة, على أن يكون هناك افتراض واحتمال أن تكون الحقيقة لدى الخصم.

ها هم العرب يتظاهرون ويحتجون ويسخطون ويقتلون حمية للإسلام وضد عرض فيلم يسيء لديننا الحنيف.. ولا ينتبهون ولا يفطنون ولا يعترفون بأن بين المسلمين من أوغل في الإساءة للإسلام أكثر بكثير من إساءة هذا الفيلم… بل إن إساءاتهم عملية وبممارسة موثقة وليس بعمل فني.

يردد الأوربي أن الشجرة تعرف بثمارها.. والثمار المتدلية باسم الإسلام بتكوين ومذاق مكتظ بالسموم والكراهية والعدوان وضروب القسوة ومن شأنها أن تقدم نموذجا سيئا للدين, وباتت تلك المجتمعات تقرن الإرهاب والهمجية بالإسلام وبات الألماني ينتبه ويحذر إن كان جاره عربيا مسلما… فإذا كان المسلم ذاته لا يأمن المسلم الآخر إذا كان من طائفة أخرى, فكيف له هو أن يأمن منه؟؟؟ وهل تشهد الأرض عنفا كالذي بين العرب والمسلمين؟؟؟ وأي عيب في تنامي الدعوة الأوربية في ابعادهم عن ديارهم؟؟

أنهم, العرب, أمة تتوحد في عدو مشترك .. إذا لم تجده خارجها ابتكرته من داخلها.. وليس من شأنها أن تتوحد بالمحبة واحترام الحياة وكل الحياة… وإلا ما قتل المتظاهرون السفير وغيره ولأثبتوا للعالم أن الإسلام سلام وحضارة وتبجيل للحياة الإنسانية… ولا تزر وازرة وزر أخرى … وان الإسلام سبق الوجودية وكل الفلسفات الإنسانية في أن يكون المسلم مسؤولا عن كل الحياة الإنسانية بكل أفعاله وتصرفاته.

مراجعة شجاعة ويعرف المسلم أن بين المسلمين من هو الأكثر والأسبق في الإساءة إلى الإسلام..من فيلم لا يمسك بمثقب أو سيف أو مفخخة… ومن يضع تحت قدمه كل ما يرفعه للوصول إلى المنصب.

Placeholder

عندما يكون الدين لعبة

شاءت إرادة الله أن يكون الخزي والعار مصير, الذين اتخذوا من الدين لعبة لهم لتحقيق مآربهم الدنيوية الضيقة, وشاءت إرادة الله أن تتهاوى مخططاتهم, التي امتطوا فيها موجات التطرف حصاناً جامحاً من أجل الوصول إلى أهدافهم الدنيئة, لكنهم وعلى الرغم من خروجهم مهزومين مدحورين أمام ثبات القيم الدينية السامية ورصانتها, كانوا يعاودون الكرة, فيستغلون مشاعر الناس, ويثيرون عواطفهم, بأساليب خبيثة تتخذ من بعض التفسيرات الفقهية المبهمة منهجاً ملتوياً يسلكونه في تعزيز قوتهم المرحلية, من اجل الاستحواذ على السلطة, أو بلوغ المراتب الفوقية, ولو لفترة مؤقتة ترضي طموح نفوسهم الأمارة بالسوء, وتسبغ على أدوارهم التآمرية هالة مزيفة.  وهكذا كانت الأديان السماوية كلها عرضة للأفكار الشريرة المندسة, منذ اليوم الذي خرج فيه السامري بعجله الفرعوني في وادي النيل ليعلن العصيان والتمرد على سيدنا موسى, إلى اليوم الذي التحق فيه فقهاء الناتو بالحملات الأمريكية الحربية, ليضيفوا الرياح القوية لمهزلة القرن الأمريكي, ويبشروا بظهور إمبراطورية النظام العالمي الموحد, التي سيقودها الأعور الدجال.  أما الدفعة المعاصرة من الفئات الضالة المتجلببة بجلباب الورع والتقوى, والتي كثفت ممارستها المتطرفة بعد أحداث 11/9/2001, فقد اتسقت في مواقفها المعادية للدين, المتقاطعة مع ابسط معايير الأخلاق العامة, الرافضة للمشاعر الوطنية الخالصة, فإنها وعلى الرغم من تكاثرها بالانشطار هذه الأيام, اتحدت في توجهاتها العامة نحو تفعيل مقاصدها في السر والعلن, والتي يمكن أن نلخصها بالتوجهات التالية:-  تسفيه كبار رجال الدين, والسماح للمراهقين من المتطرفين والضالين بالتطاول عليهم, والاستخفاف بهم, والتقليل من شأنهم. تنشيط النعرات الطائفية, ونشر الدسائس والفتن, وتأجيج الصراعات المذهبية, ومقاطعة المجالس والمساجد والمنتديات الدينية, التي لا تتفق معهم على سياستهم العرجاء.  رفع راية التكفير, وإباحة أرواح المسلمين وأموالهم بعد اتهامهم بالشرك, وإعلان الحرب على الطوائف والمذاهب الأخرى, والسعي لنشر الأحقاد بين أبناء الطائفة الواحدة, وتمزيق وحدة المسلمين وتشتيتهم ونشر القتل بينهم.  التفنن بصناعة الموت بأبشع الأدوات الشريرة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين بين بقية الشعوب والأمم,  اللجوء للتفسيرات المتطرفة في فهم الأحاديث والآيات, ونشر النصوص الباطلة, وبث الفتاوى المزيفة, والتلاعب بالأحاديث النبوية, وتضعيفها بأساليب ماكرة تمهيدا لإبطال حجيتها. .

إخفاء المؤلفات الفقهية الرصينة, وطمس آثارها الفكرية والتوضيحية, وتغييبها تماما حتى لا تكون حجة عليهم.  التأرجح بين الترويج لظاهرة التتريك أو الترويج لظاهرة التفريس, هذا يطالب بتطبيق النموذج التركي, وهذا يطالب بتطبيق النموذج الإيراني, حتى ضاع الخيط والعصفور.  إصدار فتاوى ما انزل الله بها من سلطان, كفتوى الشيخ عبد الباري الزمزمي, التي أباح فيها نكاح الموتى, والفتوى التي دعت المسلمين للوقوف مع إسرائيل في حصارها لغزة, أو في حربها على لبنان, وفتوى تأييد الغزو الأمريكي للعراق, وفتوى عدم إعاقة تحركات فيالقهم الزاحفة نحو العراق, والتي انتهت بتقبيل بول بريمر في فمه, وتكريم رامزفيلد بسيف عربي يحاكي سيف (ذو الفقار) من حيث الشكل, وهو السيف الذي حمله أمير المؤمنين (علي) بوجه الغزاة والطغاة والبغاة.  نشر تعاليمهم في الأوساط الفقيرة, وفي المجتمعات المتخلفة, وحث المراهقين على إعلان التمرد والعصيان على الثوابت الدينية الراسخة, والسماح لهم بالثورة على الأعراف والمبادئ والقيم.   الاستعانة بأكثر من خمسين فضائية لبث سموم التفرقة الطائفية, باعتبارها الوقود الفعال والمضمون لإشعال فتيل النزاعات المذهبية, والعودة بدائرة الصراع إلى القرن الهجري الأول.الملفت للنظر في مواقف هذه التكتلات الضالة هو القاسم المشترك الأعظم, الذي يجمعها كلها تحت سقف واحد.   فإنها وعلى الرغم من كثرتها, وعلى الرغم من تقاطعها مع بعضها البعض, وعلى الرغم من ضراوة الصراع الدموي القائم بينها, وعلى الرغم من عدم وجود روابط روحية أو فقهية تجمعها مع التكتلات الأخرى في خندق واحد, إلا إنها تتفق كلها على عدم المساس بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط, وتتفق على عدم السماح بالتعرض للقواعد الحربية الأجنبية المنتشرة على الأرض العربية والإسلامية, وتتفق على عدم السماح بالتطاول على الزعامات العربية والإسلامية المتأمركة, التي خضعت كليا أو جزئيا لقيادات البنتاغون, أو التي انحنت أمام فيالق الناتو, وتتفق على عدم الانتقاص من مكانة الزعامات, التي منحت القوات الغربية الامتيازات العسكرية والاستخبارية السخية, فالمصالح الأمريكية والإسرائيلية أصبحت فوق الشبهات في نظر الجماعات المتلاعبة بالدين, وصارت في نظرها من الخطوط الحمراء, التي لا ينبغي تجاوزها, ولا ينبغي الاقتراب منها. 

Placeholder

زمن التبرير

نعم…الثقافة تحرر الإنسان، وتفك قيود الجهل لديه، فهي الوجه الآخر لعملة المعرفة، والمعرفة بحد ذاتها قوة كما يشير ويؤكد المفكر (فرنسيس بيكون)… أو مثلما ينظر عالم العلم بتقنيات عصرنا الراهن عبر تطبيقاتها العملية بمنظار الدقة والتواصل والبحث، لما سعت الوصول اليه روح وجوهر حكمة الامام علي (ع) وهي تصف كل من تساوى أو تشابه يوماه.. بالمغبون.

    فهل لمثل تشابه أيامنا من غبن تلو آخر، يغزو حاضرنا، ويضبب أفاق مستقبلنا، ويحيل أحلامنا قبض ريح وتراجع وانكفاء، وتقليب أوراق ملفات ضخمة، وقضايا راسية في بحار من التأجيلات و التسويفات، الغارقة بوعود وعهود وآهات -طالت عموم مفاصل الحياة- من أدنى الى أعلى مستويات من يمسك بزمام السلطة وصناعة القرارات، بدءا بقرارنا السياسي، وانحدارا نحو توفير أبسط، أبسط الخدمات؟!

    لم تسلم كل نوايا الوصف والتعبير في ترسيم حدود مديات الثقافة، بعد أن توزعت أوصافها وتنوعت أغراضها وتكاثرت أنواعها -قصدا ملموسا- في أغلب قواميس وسائل اعلام عصر السموات المفتوحة وتنامي شبكات وإمبراطوريات التواصل الاجتماعي، بالشكل  الذي حدا أن تسبق كلمة (ثقافة) العديد من الأفعال والسلوكيات الشاذة حتى اتسخت، بثقافة العنف/ ثقافة الإرهاب/ ثقافة التخوين/ ثقافة الانحراف، وغيرها من ملحقات لا تمت بأدنى صلة لجوهر وعمق الثقافة بمعنى ثقلها العام، فضلا عن سلسلة أخرى لممارسات قد تبدو ايجابية في استخداماتها، لكنها متحاملة -بمحتوياتها- على شرف الثقافة وقدسية منابعها، وطهارة وجدانها، حتى ليطول ذيل تلك القائمة في سريان استهلاك رخيص لمعنى قيمتها التأريخية، وبنود آفاقها المعرفية الخالصة.

   ولعل ما أصاب واقع الثقافة من جرب هذا الغبن والتجني وسوء الاصطلاح، يعود إلى جبروت ومكر وجنون السياسة وأهوائها وحرص تحريضاتها على استمالة الخطاب الاعلامي العالمي،نحو مصالحها، ومساعي إفراغ هذا المصطلح الهادف الرصين من محتواه الإنساني وأبعاده الحضارية، لشرط حتمي لذلك الاستهداف البلاغي، ومداه السياسي.

  ولعمري أن أعترف بأن الحيلة أعيتني -هنا- في محراب ثوابت دفاعي عما أصاب الحياة – برمتها- وسط تفاقم حالات الخلط والنط والمط حتى بلوغ تزايد تلك التبريرات، وتعالي كثبانها في صحراء الغبن، الذي -عادة- ما يلحق بالشعوب الغارقة في أمواج (الملاعيب) التبريرية،التي لا تقنع-في الكثير من الأحوال- حتى عقول مطلقيها، بحثا عن استخدام أمثل لكلمة (ثقافة) كمفتاح (ماستر-كي) يختصر هول وزحمة التبريرات بفوارق الغبن الذي أجمل -لنا- نسق استعمالي لها (أي للثقافة) بالضد منها،أو بقبولها مدخلا أضحى عاما-ومستعملا، بل رائجا في سوق ومحال و(مولات) مع جمع من مصطلحات وتوثيقات دلالية  توافدت إلينا -عنوة- بعد أحداث/الحادي عشر من أيلول(سبتمبر)/2001،وسقوط بنايتين (مركز التجارة العالمي في/ مانهاتن) بالكامل،ليتم احتلال دولتين، بالكامل (أفغانستان والعراق) ثمنا باهظا جدا،جاء مقابل تلك البنايتين الآيلتين للسقوط،كما أشيع وأعلن،قبل ذلك التأريخ، لتبدأ مرحلة جديدة (جدا) من  زمن تناسل التبريرات ونمو طحالب أخرى من أنواع الغبن الحضاري والنفسي،حتى أضحت أبرز سمات عصرنا الحالي،بل(زهو) علاماته الفارقة،وعنوان (ثقافته) الواثقة،من قدرة  التأثير بالكثير من أنظمة السياسة والسوق والمال وجميع الأحوال،لغرض تسطيح جوهر ثقافتها المحلية،جراء تزايد الحاح نباح…العو..عو..عو..لمة،على عباد الله من البسطاء،و(المكاريد).

Placeholder

مذكرات وزير !!

لعل واحدا من أكثر الكتب جرأة ومتعة، هو الذي صدر في مصر عام 1964 تحت عنوان (عامان من أوهام الكرسي)، وهو في حقيقته، سيرة ذاتية مفصلة بالأسماء والحوادث لوزير مصري، أمضى على حد قوله، 712 يوما في كرسي الوزارة، على عهد الملك فاروق قبل سقوط الحكومة وتشكيل وزارة جديدة، تم استبعاده عنها، واعتقد بان أهمية هذه السيرة، التي تقرب من المذكرات، تكمن في شجاعة المؤلف وهو يسرد الوقائع بصدق كامل، وكما هي، من دون تسويغ ولا تزويق وكأنه شخص محايد يروي الأحداث كما جرت لا كما يحب ويشتهي، ولهذا كان يكتب عن نجاحاته وإخفاقاته، ومواقف المحيطين به، وكأنه شاهد عيان!

إن (عامان من أوهام الكراسي)، ليس دفاعا عن الذات، بل هو اعتراف، يعد في تقديري، أنموذجا أخلاقيا لأي سياسي ينوي تدوين مذكراته خدمة للتاريخ والحقيقة، يقول الكاتب (بعد اعفائي من المنصب، ذهبت صباح اليوم الثاني الى مقر عملي، كي ابارك للوزير الجديد، وفي الوقت نفسه، أقوم بتسليمه الملفات وبعض المتعلقات، وكانت أولى المفاجآت، هي الطريقة التي استقبلني بها مسؤول الحماية الأمنية الذي اخترته شخصيا لهذه المهمة، فقد أصر على تفتيشي، مع أنني ما زلت الوزير الرسمي، حيث لم تجر مراسيم نقل السلطة إلى الوزير البديل، وحين حاولت إفهامه ذلك، ردّ عليّ بصوت جاف: معالي الوزير.. انا أؤدي عملي، والحكومة التي تعملون معها انتهت ولايتها، اي ان معاليكم من غير ولاية!! ورأيت من العيب مواصلة الحوار مع «ابن الوليه» هذا، فأسلمت نفسي للتفتيش صاغرا) ويواصل سرد تفاصيل ذلك اليوم (ولكن المفاجأة الأغرب، هي التي حصلت مع مدير مكتب الوزير، وهو نفسه مدير مكتبي وانه لأمر مخجل أن أتحدث عن الجنيهات الثلاثة التي أعطيها له شهريا من باب المساعدة، لان أسرته كبيرة ويرعى والدته المريضة، وكان هذا المبلغ يعادل ثلث مرتبه الشهري، وفي كل مرة أقدم له المساعدة يجهش بالبكاء، ويقبل يدي، ويدعو لي بالتوفيق والعافية، الا انه يمنعني الآن من الدخول إلى غرفتي، لان الوزير الجديد وصل قبلي، ولم يتحرج عن مواجهتي بقلة أدب وذوق قائلا: آسف معالي الوزير… لقد حضر معاليكم من دون موعد مسبق..!! فأي وصف يليق بهذا القرد..؟!) 

على هذه الطريقة العابقة بروح السخرية والمرارة تمضي المذكرات، وربما كان الموقف الذي أورده المؤلف مع زوجه، هو أطرف ما تضمنه الكتاب، حيث يقول (كانت السيدة حرمنا، لا تكتفي ان يتولى السفرجي إعداد الفطور الصباحي، وإنما تتولى بجثتها الضخمة وشحمها ولحمها الذي هو من خيراتي، مهمة الإشراف على المائدة والقيام على خدمتي، وتناول الطعام معي، ولكنها بعد مغادرتي الوزارة، لم تعد تغادر السرير، وكأنها لم تذق طعم النوم منذ خمسين سنة، وحين عاتبتها على ذلك، ردت علي بلهجة شعبية مبتذلة: 

معليش يخوية، انت دي الوقت من غير صلاحية، يعني زيا الدوا الاكسباير، ولما حضرتك ترجع وزير، ح اخدمك بعنيّه)!! 

ويختم المؤلف كتابه بكلمات تتفجر حزنا (لقد اكتشفت ان الآخرين من حاشيتك واقرب أتباعك، يرسمون لك صورة وردية عن منجزات وزارتك، تجعلك تشعر براحة الضمير، وانك أفضل وزير في تاريخ البشرية، بينما المواطنون يتمنون لك الموت العاجل)!! 

حين انتهيت من قراءة هذه المذكرات الممتعة، تمنيت على وزراء الكرة الأرضية عامة، ووزراء جنوب غرب آسيا خاصة، أن لا ينشغلوا بعد إحالتهم على التقاعد، بجوازات سفرهم ومقاولاتهم ومشاريعهم التجارية.. وان يستغلوا فرصة جلوسهم في البيت، ويكتبوا مذكراتهم بشجاعة هذا الوزير، قبل أن يكتب (عليهم) الآخرون!!

Placeholder

الكهرباء تصبغ رأس البيشة بالسواد

صار الظلام الدامس هو العلامة الفارقة لإطلالتنا البحرية الصغيرة في رأس البيشة, وأضحى اللون الأسود هو اللون الذي يغلف السواحل العراقية بألوان الحزن والحداد, في الوقت الذي تبذل فيه البلدان الخليجية أقصى اهتماماتها بسواحلها وواجهاتها البحرية, وفي الوقت الذي نورت فيه الكويت شواطئها بالمصابيح الزئبقية المشرقة, وأضاءت فيه إيران سواحلها النهرية الممتدة من الجانب الإيراني لرأس البيشة في شط العرب وحتى نهر الحدود الفاصل بينها وبين العراق (نهر خيين) بمجاميع من الأنوار المتلألئة بالألوان الزاهية.

 تتدفق السفن التجارية المقبلة من جهة البحر على موانئنا الموزعة على طول ضفاف شط العرب, لكنها ما أن تقترب ليلا من ساحل رأس البيشة, الذي يمثل نقطة التقاء الأرض العراقية بمياه الخليج العربي, حتى تشعر بصدمة كبيرة أمام منظر السواد, الذي ظل يخيم على هذه البقعة الساحلية منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا, ولم تلتق خطوط الكهرباء الوطنية مع خطوط التماس الساحلية عند نقاط الحس الحضاري الذي ينبغي أن يشكل المسار الصحيح لإدراك احتياجاتنا البحرية الحالية والمستقبلية.  ربما يقول المعنيون بالشأن الكهربائي إنهم على استعداد تام لمد أسلاك الضغط العالي نحو رأس البيشة, وإيصالها إلى آخر نقطة ساحلية لو كانت تلك النقاط الساحلية مأهولة بالسكان, وربما يقولون إنهم لا يتعاملون مع المناطق الجرداء التي لا يرتادها الناس, فنقول لهم إن الكويت نورت سواحلها بأجمل أعمدة الإنارة لمسافات زادت على (500) كيلومتر, ونورت إيران سواحلها التي زادت على (3200) كيلومتر, وسلطت الأنوار الكاشفة على مقترباتها البحرية, فازدانت بالضياء, وقهرت الظلام الدامس, بينما تتحجج مؤسساتنا المعنية بالحجج الواهية عندما يراد منها إنارة قوس ساحلي بطول ملعب كرة القدم. .

أن من يشاهد رأس البيشة الآن يشعر بخيبة كبيرة وهو يرى الظلام يغلف جبهة شط العرب من جهة البحر, حيث يتعذر على السفن الوافدة أن تعثر على بصيص من نور يدلها على مقتربات العراق المائية, سوى بضعة مصابيح أضاءتها آمرية خفر السواحل لمركزها الحدودي المقام هناك فوق رأس البيشة, والذي يستمد طاقته الكهربائية من مولدات خاصة تعمل بزيت الغاز لتأمين الاحتياجات الطارئة لموقعها الحدودي.  من المفارقات العجيبة إن تنوير منطقة رأس البيشة لن يكلف وزارة الكهرباء سوى بضعة أعمدة, و(500) متر من الأسلاك, وعشرة مصابيح, لا تزيد تكاليفها على قيمة تأجير سيارة أجرة لشهر واحد, بهذه التكاليف البسيطة يمكن أن ننور سواحلنا ونضيء هذه الواجهة البحرية المعتمة.  ينقسم رأس البيشة إلى قسمين منفصلين, ليتوزع على الضفتين العراقية والإيرانية لمدخل شط العرب, فيتشكل عندنا رأس البيشة العراقي, ورأس البيشة الإيراني, ولا فرق بينهما من النواحي الملاحية والجيولوجية والمناخية, فالمسافة بين الرأسين أٌقل من كيلومتر واحد, وتمثل الحدود العليا لمنطقة المصب شمالي الخليج العربي, بيد ان الملفت للنظر إن رأس البيشة الإيراني يتلألأ ليلا بالأنوار الساطعة والمصابيح الموجهة صوب البحر, ليضفي المزيد من اللمسات الحضارية على الساحل كله, بينما يقبع رأس البيشة العراقي بحلته السوداء في كهوف الإهمال, ويغرق في حلكة الظلام الدامس, ليعلن عن الحداد المفروض عليه منذ عقد من الزمان بانتظار الفرج, عسى أن يرى النور, ويتحرر في يوم من الأيام من هذه العتمة الأبدية, التي سودت شرفاته البحرية, وطوقتها بقيود النسيان. 

Placeholder

زمن التبرير

نعم…الثقافة تحرر الإنسان، وتفك قيود الجهل لديه، فهي الوجه الآخر لعملة المعرفة، والمعرفة بحد ذاتها قوة كما يشير ويؤكد المفكر (فرنسيس بيكون)… أو مثلما ينظر عالم العلم بتقنيات عصرنا الراهن عبر تطبيقاتها العملية بمنظار الدقة والتواصل والبحث، لما سعت الوصول اليه روح وجوهر حكمة الامام علي (ع) وهي تصف كل من تساوى أو تشابه يوماه.. بالمغبون.

    فهل لمثل تشابه أيامنا من غبن تلو آخر، يغزو حاضرنا، ويضبب أفاق مستقبلنا، ويحيل أحلامنا قبض ريح وتراجع وانكفاء، وتقليب أوراق ملفات ضخمة، وقضايا راسية في بحار من التأجيلات و التسويفات، الغارقة بوعود وعهود وآهات -طالت عموم مفاصل الحياة- من أدنى الى أعلى مستويات من يمسك بزمام السلطة وصناعة القرارات، بدءا بقرارنا السياسي، وانحدارا نحو توفير أبسط، أبسط الخدمات؟!

    لم تسلم كل نوايا الوصف والتعبير في ترسيم حدود مديات الثقافة، بعد أن توزعت أوصافها وتنوعت أغراضها وتكاثرت أنواعها -قصدا ملموسا- في أغلب قواميس وسائل اعلام عصر السموات المفتوحة وتنامي شبكات وإمبراطوريات التواصل الاجتماعي، بالشكل  الذي حدا أن تسبق كلمة (ثقافة) العديد من الأفعال والسلوكيات الشاذة حتى اتسخت، بثقافة العنف/ ثقافة الإرهاب/ ثقافة التخوين/ ثقافة الانحراف، وغيرها من ملحقات لا تمت بأدنى صلة لجوهر وعمق الثقافة بمعنى ثقلها العام، فضلا عن سلسلة أخرى لممارسات قد تبدو ايجابية في استخداماتها، لكنها متحاملة -بمحتوياتها- على شرف الثقافة وقدسية منابعها، وطهارة وجدانها، حتى ليطول ذيل تلك القائمة في سريان استهلاك رخيص لمعنى قيمتها التأريخية، وبنود آفاقها المعرفية الخالصة.

   ولعل ما أصاب واقع الثقافة من جرب هذا الغبن والتجني وسوء الاصطلاح، يعود إلى جبروت ومكر وجنون السياسة وأهوائها وحرص تحريضاتها على استمالة الخطاب الاعلامي العالمي،نحو مصالحها، ومساعي إفراغ هذا المصطلح الهادف الرصين من محتواه الإنساني وأبعاده الحضارية، لشرط حتمي لذلك الاستهداف البلاغي، ومداه السياسي.

  ولعمري أن أعترف بأن الحيلة أعيتني -هنا- في محراب ثوابت دفاعي عما أصاب الحياة – برمتها- وسط تفاقم حالات الخلط والنط والمط حتى بلوغ تزايد تلك التبريرات، وتعالي كثبانها في صحراء الغبن، الذي -عادة- ما يلحق بالشعوب الغارقة في أمواج (الملاعيب) التبريرية،التي لا تقنع-في الكثير من الأحوال- حتى عقول مطلقيها، بحثا عن استخدام أمثل لكلمة (ثقافة) كمفتاح (ماستر-كي) يختصر هول وزحمة التبريرات بفوارق الغبن الذي أجمل -لنا- نسق استعمالي لها (أي للثقافة) بالضد منها،أو بقبولها مدخلا أضحى عاما-ومستعملا، بل رائجا في سوق ومحال و(مولات) مع جمع من مصطلحات وتوثيقات دلالية  توافدت إلينا -عنوة- بعد أحداث/الحادي عشر من أيلول(سبتمبر)/2001،وسقوط بنايتين (مركز التجارة العالمي في/ مانهاتن) بالكامل،ليتم احتلال دولتين، بالكامل (أفغانستان والعراق) ثمنا باهظا جدا،جاء مقابل تلك البنايتين الآيلتين للسقوط،كما أشيع وأعلن،قبل ذلك التأريخ، لتبدأ مرحلة جديدة (جدا) من  زمن تناسل التبريرات ونمو طحالب أخرى من أنواع الغبن الحضاري والنفسي،حتى أضحت أبرز سمات عصرنا الحالي،بل(زهو) علاماته الفارقة،وعنوان (ثقافته) الواثقة،من قدرة  التأثير بالكثير من أنظمة السياسة والسوق والمال وجميع الأحوال،لغرض تسطيح جوهر ثقافتها المحلية،جراء تزايد الحاح نباح…العو..عو..عو..لمة،على عباد الله من البسطاء،و(المكاريد).

Placeholder

مذكرات وزير !!

لعل واحدا من أكثر الكتب جرأة ومتعة، هو الذي صدر في مصر عام 1964 تحت عنوان (عامان من أوهام الكرسي)، وهو في حقيقته، سيرة ذاتية مفصلة بالأسماء والحوادث لوزير مصري، أمضى على حد قوله، 712 يوما في كرسي الوزارة، على عهد الملك فاروق قبل سقوط الحكومة وتشكيل وزارة جديدة، تم استبعاده عنها، واعتقد بان أهمية هذه السيرة، التي تقرب من المذكرات، تكمن في شجاعة المؤلف وهو يسرد الوقائع بصدق كامل، وكما هي، من دون تسويغ ولا تزويق وكأنه شخص محايد يروي الأحداث كما جرت لا كما يحب ويشتهي، ولهذا كان يكتب عن نجاحاته وإخفاقاته، ومواقف المحيطين به، وكأنه شاهد عيان!

إن (عامان من أوهام الكراسي)، ليس دفاعا عن الذات، بل هو اعتراف، يعد في تقديري، أنموذجا أخلاقيا لأي سياسي ينوي تدوين مذكراته خدمة للتاريخ والحقيقة، يقول الكاتب (بعد اعفائي من المنصب، ذهبت صباح اليوم الثاني الى مقر عملي، كي ابارك للوزير الجديد، وفي الوقت نفسه، أقوم بتسليمه الملفات وبعض المتعلقات، وكانت أولى المفاجآت، هي الطريقة التي استقبلني بها مسؤول الحماية الأمنية الذي اخترته شخصيا لهذه المهمة، فقد أصر على تفتيشي، مع أنني ما زلت الوزير الرسمي، حيث لم تجر مراسيم نقل السلطة إلى الوزير البديل، وحين حاولت إفهامه ذلك، ردّ عليّ بصوت جاف: معالي الوزير.. انا أؤدي عملي، والحكومة التي تعملون معها انتهت ولايتها، اي ان معاليكم من غير ولاية!! ورأيت من العيب مواصلة الحوار مع «ابن الوليه» هذا، فأسلمت نفسي للتفتيش صاغرا) ويواصل سرد تفاصيل ذلك اليوم (ولكن المفاجأة الأغرب، هي التي حصلت مع مدير مكتب الوزير، وهو نفسه مدير مكتبي وانه لأمر مخجل أن أتحدث عن الجنيهات الثلاثة التي أعطيها له شهريا من باب المساعدة، لان أسرته كبيرة ويرعى والدته المريضة، وكان هذا المبلغ يعادل ثلث مرتبه الشهري، وفي كل مرة أقدم له المساعدة يجهش بالبكاء، ويقبل يدي، ويدعو لي بالتوفيق والعافية، الا انه يمنعني الآن من الدخول إلى غرفتي، لان الوزير الجديد وصل قبلي، ولم يتحرج عن مواجهتي بقلة أدب وذوق قائلا: آسف معالي الوزير… لقد حضر معاليكم من دون موعد مسبق..!! فأي وصف يليق بهذا القرد..؟!) 

على هذه الطريقة العابقة بروح السخرية والمرارة تمضي المذكرات، وربما كان الموقف الذي أورده المؤلف مع زوجه، هو أطرف ما تضمنه الكتاب، حيث يقول (كانت السيدة حرمنا، لا تكتفي ان يتولى السفرجي إعداد الفطور الصباحي، وإنما تتولى بجثتها الضخمة وشحمها ولحمها الذي هو من خيراتي، مهمة الإشراف على المائدة والقيام على خدمتي، وتناول الطعام معي، ولكنها بعد مغادرتي الوزارة، لم تعد تغادر السرير، وكأنها لم تذق طعم النوم منذ خمسين سنة، وحين عاتبتها على ذلك، ردت علي بلهجة شعبية مبتذلة: 

معليش يخوية، انت دي الوقت من غير صلاحية، يعني زيا الدوا الاكسباير، ولما حضرتك ترجع وزير، ح اخدمك بعنيّه)!! 

ويختم المؤلف كتابه بكلمات تتفجر حزنا (لقد اكتشفت ان الآخرين من حاشيتك واقرب أتباعك، يرسمون لك صورة وردية عن منجزات وزارتك، تجعلك تشعر براحة الضمير، وانك أفضل وزير في تاريخ البشرية، بينما المواطنون يتمنون لك الموت العاجل)!! 

حين انتهيت من قراءة هذه المذكرات الممتعة، تمنيت على وزراء الكرة الأرضية عامة، ووزراء جنوب غرب آسيا خاصة، أن لا ينشغلوا بعد إحالتهم على التقاعد، بجوازات سفرهم ومقاولاتهم ومشاريعهم التجارية.. وان يستغلوا فرصة جلوسهم في البيت، ويكتبوا مذكراتهم بشجاعة هذا الوزير، قبل أن يكتب (عليهم) الآخرون!!

Placeholder

الكهرباء تصبغ رأس البيشة بالسواد

صار الظلام الدامس هو العلامة الفارقة لإطلالتنا البحرية الصغيرة في رأس البيشة, وأضحى اللون الأسود هو اللون الذي يغلف السواحل العراقية بألوان الحزن والحداد, في الوقت الذي تبذل فيه البلدان الخليجية أقصى اهتماماتها بسواحلها وواجهاتها البحرية, وفي الوقت الذي نورت فيه الكويت شواطئها بالمصابيح الزئبقية المشرقة, وأضاءت فيه إيران سواحلها النهرية الممتدة من الجانب الإيراني لرأس البيشة في شط العرب وحتى نهر الحدود الفاصل بينها وبين العراق (نهر خيين) بمجاميع من الأنوار المتلألئة بالألوان الزاهية.

 تتدفق السفن التجارية المقبلة من جهة البحر على موانئنا الموزعة على طول ضفاف شط العرب, لكنها ما أن تقترب ليلا من ساحل رأس البيشة, الذي يمثل نقطة التقاء الأرض العراقية بمياه الخليج العربي, حتى تشعر بصدمة كبيرة أمام منظر السواد, الذي ظل يخيم على هذه البقعة الساحلية منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا, ولم تلتق خطوط الكهرباء الوطنية مع خطوط التماس الساحلية عند نقاط الحس الحضاري الذي ينبغي أن يشكل المسار الصحيح لإدراك احتياجاتنا البحرية الحالية والمستقبلية.  ربما يقول المعنيون بالشأن الكهربائي إنهم على استعداد تام لمد أسلاك الضغط العالي نحو رأس البيشة, وإيصالها إلى آخر نقطة ساحلية لو كانت تلك النقاط الساحلية مأهولة بالسكان, وربما يقولون إنهم لا يتعاملون مع المناطق الجرداء التي لا يرتادها الناس, فنقول لهم إن الكويت نورت سواحلها بأجمل أعمدة الإنارة لمسافات زادت على (500) كيلومتر, ونورت إيران سواحلها التي زادت على (3200) كيلومتر, وسلطت الأنوار الكاشفة على مقترباتها البحرية, فازدانت بالضياء, وقهرت الظلام الدامس, بينما تتحجج مؤسساتنا المعنية بالحجج الواهية عندما يراد منها إنارة قوس ساحلي بطول ملعب كرة القدم. .

أن من يشاهد رأس البيشة الآن يشعر بخيبة كبيرة وهو يرى الظلام يغلف جبهة شط العرب من جهة البحر, حيث يتعذر على السفن الوافدة أن تعثر على بصيص من نور يدلها على مقتربات العراق المائية, سوى بضعة مصابيح أضاءتها آمرية خفر السواحل لمركزها الحدودي المقام هناك فوق رأس البيشة, والذي يستمد طاقته الكهربائية من مولدات خاصة تعمل بزيت الغاز لتأمين الاحتياجات الطارئة لموقعها الحدودي.  من المفارقات العجيبة إن تنوير منطقة رأس البيشة لن يكلف وزارة الكهرباء سوى بضعة أعمدة, و(500) متر من الأسلاك, وعشرة مصابيح, لا تزيد تكاليفها على قيمة تأجير سيارة أجرة لشهر واحد, بهذه التكاليف البسيطة يمكن أن ننور سواحلنا ونضيء هذه الواجهة البحرية المعتمة.  ينقسم رأس البيشة إلى قسمين منفصلين, ليتوزع على الضفتين العراقية والإيرانية لمدخل شط العرب, فيتشكل عندنا رأس البيشة العراقي, ورأس البيشة الإيراني, ولا فرق بينهما من النواحي الملاحية والجيولوجية والمناخية, فالمسافة بين الرأسين أٌقل من كيلومتر واحد, وتمثل الحدود العليا لمنطقة المصب شمالي الخليج العربي, بيد ان الملفت للنظر إن رأس البيشة الإيراني يتلألأ ليلا بالأنوار الساطعة والمصابيح الموجهة صوب البحر, ليضفي المزيد من اللمسات الحضارية على الساحل كله, بينما يقبع رأس البيشة العراقي بحلته السوداء في كهوف الإهمال, ويغرق في حلكة الظلام الدامس, ليعلن عن الحداد المفروض عليه منذ عقد من الزمان بانتظار الفرج, عسى أن يرى النور, ويتحرر في يوم من الأيام من هذه العتمة الأبدية, التي سودت شرفاته البحرية, وطوقتها بقيود النسيان.