• تماما بصمت الملائكة وحبهم للسكينة والهدوء يرحل الأدباء العراقيون؛ تاركين صراع الديكة للسياسيين وهواة المناصب وسراق المال العام .
.. في موروثنا الشعبي؛ تخرج العوائل برمتها الى الخلاء حين يكسف القمر؛ مشعلة الفوانيس والنيران؛ وتاركة مهمة الضرب على صفائح التنك للأطفال وهم يغنون : يا حوتة يا منحوتة .. ردي كمرنه العالي .
لكنّ الحوتة المنحوتة تقضم ما تشاء من جسد القمر وتمعن بتأجيلنا إلى حين انكشاف الفجر.
• ليس من حوتة نطاردها اليوم بأغانينا الطفولية لتعيد لنا قمر الغائبين ؛ فهد الاسدي ؛ او صنو ضيائه هادي الربيعي .
قمران يكسفان بيوم واحد؛ وكلاهما من صنف الملائكة الهادئين والمسبّحين بالحرف تحت عرش الكلام ؛ وكان بإمكان الوطن الذي طالما تغنوا بترابه أن يطرد عنهما حوتة المرض؛ ويقود إليهما فجر العافية ؛ لكن الوطن كان هو الحوتة للأسف؛ ولم تكن نداءاتنا بوجهه سوى ضجيج أطفال لا يأبه لها من كان من المفروض أن يكون حامل النار او موقد الفوانيس .
• في الجنوب؛ يحرّم الأهل على اللديغ النوم؛ يجلسون عند رأسه ويطرقون صفائح التنك بعنف؛ كما يفعل الأطفال عند كسوف القمر؛ لاعتقادهم أن السمّ يمكن أن يصعد للقلب عند النوم ؛ فيغافله الموت ويسرقه.
أية أفعى تلك التي اختارت الاسدي فهد او تناوشت الربيعي هادي؛ ولماذا لم نسمع عند رأسيهما الطبول؛ أم أن الأيادي غسلت يديها من النجدة فاستسلمت بانتظار الفاجعة .
وإذا كان اللديغ قديما يغافل أهله ويموت وهو في طريقه إلى المستشفى قاطعا طرقا وعرة ومواصلات بدائية ؛ ومشاحيف ؛ واهوار؛ فما الذي جرى لملاكينا الراحلين وهم وسط المشافي؛ أم أن مشافي الفقراء غير مشافي سراق المال العام واللصوص؛ فلا (عمليات) ناجعة ولا (أدوية) فاعلة ولا عناية مجدية .
• لو كان فهد الاسدي قاصا صوماليا او (كاتب عرائض) في دولة خليجية ؛ اجزم ان الحكومة ستعتني به باعتباره مواطنا يقرأ ويكتب على الأقل!!
ولو كان هادي الربيعي؛ الشاعر الذي ظلمه (الجيل) وظلمه (النقد) وظلمته الحياة نفسها فأجبرته على الركض من اجل لقمة العيش وتفادي كتاب التقارير؛ لو كان شاعرا يمانيا او سعوديا او من جزر القمر حتى؛ لتابعت أحواله وزارة مختصة؛ أو دائرة منحها أجمل سنوات عمره ؛ لكن الاسدي والربيعي – يا للخيبة – مواطنان في بلد موازنته الانفجارية كافية لإعادة الحياة إلى نصف سكان( مقبرة السلام) حتى أولئك الذين ماتوا بـ(واقعة الجمل)!!
• بحت حناجر الأطفال من مناجاة الضياء المنكسر؛ ولم تعد للطبول من معنى؛ فالحيتان في واد؛ والملائكة الهادئون في واد ؛ وليس لنا سوى كتابة(المراثي) فهي الوحيدة التي لم تستطع الحكومات منعنا منها ؛ لأنها تعرف جيدا أن أقمارنا من حصة موائدها ؛ وان لا أمل إلا بقدوم الفجر؛ وفجرنا دونه عسس وسجون وسيطرات .
• وداعا أيها الغالين على العراق ؛ برغم عقوقه الفاضح .. وسيبقى مكانكم دافئا في القلب وفي الإبداع؛ فليس من السهولة أن تتكرران.. وداعا.

