Pdf copy 1

«3» 

 حين اصدر صدام حسين في عام 1999 أمرا يقضي بمنعي من النشر في وسائل الإعلام العراقية كافة، تنبهت من بين ما تنبهت اليه، ان قرار منعي عن الكتابة، جاء بمنزلة اكتشاف وكشف لمواقف زملائي الاعلاميين، ووضعهم على المحك، واذا استثنيت واحدا منهم فقط، كان اذا رآني في مجلة “الف باء” -حيث كنت اعمل- او رآني في الشارع مصادفة، حاول التشاغل بأية طريقة لكي يتحاشى تبادل الحديث معي، الى حد انه كان يخشى حتى من رفع يده لإلقاء السلام!

اقول : اذا استثنيت هذا الزميل، فقد نجح الآخرون جميعهم في الاختبار، وكان موقفهم الرافض والمستنكر في السر والعلن لقرار رئيس النظام السابق، اية في النبل والشجاعة، ومدعاة للفخر والاعتزاز، واذا بدأت بذكر بعض تلك الاسماء الكريمة مثل حسب الله يحيى ومحمد مزيد وسمير خيري وعبد الله اللامي وداوود الفرحان وزيد الحلي، ومصطفى كامل ونرمين المفتي، فان القائمة ستشمل مئات الاسماء التي تصعب الاحاطة بها في هذا الحيز الضيق، ولذلك اعتذر لهم، بقدر ما اعترف لهم بالفضل الذي طوقوا به عنقي دينا لا انساه مدى العمر لانهم سعوا ما وسعهم السعي، واجتهدوا لنصرتي ما وسعهم الاجتهاد، على انني لا استطيع ان اتجاوز، حيث استعفتني الذاكرة العجوز، عددا من الزملاء الذين وقفوا الى جانبي وقفة لا تخلو من مجازفة محفوفة بالخطر، فالزميل جواد الحطاب الذي كان يرأس تحرير جريدة تابعة للاتحاد التعاوني على ما أظن، بادر الى دعوتي ـ وبالحاح ـ لكتابة عمود صحفي في جريدته باسم مستعار، على الرغم من ان قرار المنع صادر من صدام وليس من مزبان خضر هادي، وكتبت له فعلا، وظهر العمود الاول، ولكن لم يظهر غيره فقد “تبرع” احدهم واوصل (المؤامرة) الى الاستاذ الفاضل عدي الذي وجه عقوبة إدارية قاسية للزميل جواد، وقد دفعه خلقه الكريم الى الاعتذار مني بدلاً من ان اعتذر منه! الزميل عادل ابراهيم، الذي كان يشغل يومها منصب مدير عام دائرة الشؤون الثقافية، وقد صادف ان مجموعتي القصصية الرابعة (الولد الكبير) موجودة في (الدار) لطباعتها قبل قرار المنع، ولهذا ذهبت الى الشؤون الثقافية لاسحبها او اعرف الاجراء الذي ستتخذه الدار، وشاءت المصادفة ان التقي الزميل ابراهيم في ساحة (الدائرة) قبل ان اراجع قسم النشر، وبعد ان انتهينا من العناق والمصافحة والسؤال عن الصحة والاحوال، قال لي بالحرف الواحد (اني ادري انت ممنوع من الكتابة، ولكن لم يصلني الى الان اشعار بذلك، ولهذا وافقت على طبع كتابك، وبعدينن اذا صار شي، الله كريم؟) وصدر الكتاب فعلا، ولم اسأل الرجل وهو يضع موقعه الوظيفي على كف عفريت ان كان تعرض للمساءلة بسببي، وقد رأيت ولو بعد فوات الاوان ان اعتذر له مع الامتنان، من غير ان تفوتني الاشارة، الى ان هذه المجموعة حظيت باكبر عدد من زملائي الذين كتبوا عنها، وكان واضحا ان هذا (الاقبال) يعبر عن نوع من التحدي لقرار السلطة لانهم يكتبون عن كاتب ممنوع!! وفيما (دبرت) لي الزميلة منى سعيد عملا صحفيا في خارج العراق، بعيدا عن عين النظام ويده، فقد كان للزميل الراحل نصر الله الداوودي، رئيس تحرير جريدة العراق، والزميل اكرم علي حسين، مدير التحرير فيها، موقف يستحق الذكر باجلال، كانا (يجازفان) ويصرفان اجوري الشهرية (وانا كاتب على المكافأة)، حيث ينظمان ورقة الاجور الخارجية ويكتبان فيها (يصرف مبلغ كذا للسيد حسن العاني عن كتاباته لشهر تموز) او آب… الخ من دون ان اكتب حرفا واحدا، وللحديث عن الاخرين صلة، ولكن الغريب، ان الزميل الوحيد الذي كان يخشى حتى من رفع يده للسلام، كان اول من زارني في البيت بعد سقوط النظام، لكي يخبرني ان (قلبه) كان معي… مقبولة!! 

التعليقات معطلة