في يوم من اشهر الصيف، ابلغني الاستاذ امير الحلو بصورة مباشرة، ان وزير الاعلام يطلب حضوري الى مكتبه بعد الدوام الرسمي.. وتحديدا في الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم، ولم يطلعني على سبب الاستدعاء ولذلك اعتقدت ان الوزير قد توصل الى (حل ما) حول قضية منعي من الكتابة، حيث سبق له ان تعهد لي مرتين بحلها، مرة بيني وبينه عبر لقاء خاص في مكتبه، ومرة أمام (150) موظفا من منتسبي «الف باء» وهكذا توجهت الى الوزارة في الموعد المحدد، ووجدت الأستاذ الحلو في انتظاري، حيث رافقني ودخلنا معا مكتب الوزير.
استقبلنا الرجل (بحفاوة) ولا اذكر ماذا طلب لنا من موجبات الضيافة، وبعد أحاديث عامة سريعة وعابرة حول العمل تبادلها الوزير والحلو، التفت الي وقال (الوزارة تنوي تقديم برنامج تلفزيوني يكشف جرائم الولايات المتحدة وحلفائها، وسياساتهم العدائية ضد الأمة العربية بصورة عامة، والعراق بصورة خاصة) حتى هذه اللحظة لم افهم الى اي شيء يرمي الرجل، هل يريد مثلا ان يستشيرني او يأخذ رأيي في برنامج على هذا الغرار، وفي الوزارة والمؤسسات التابعة لها عشرات المستشارين الإعلاميين والسياسيين ؟! ثم واصل كلامه (الحقيقة لم نشأ لهذا البرنامج ان يكون تقليديا، أي ذا طابع تحليلي سياسي، فلدينا الكثير من هذه البرامج وقد رأينا ان يكتب بطريقة ساخرة، لان هذه الطريقة أكثر جذبا للناس، واشد تأثيرا في اوساط الجماهير، وقد وقع الاختيار عليك) تكشف الهدف امامي، ولكي يدغدغ نرجسيتي ويشعرني بأهميتي، اكمل حديثه (في الحقيقة انا اجتمعت بمخرجي التلفزيون، وهم الذين اقترحوا اسمك وقالوا ان افضل من يكتب مادة ساخرة هو حسن العاني).. وبغض النظر عن كوني اشك في صحة هذه الحكاية، وصحة اجتماعه بالمخرجين إلا انه كان يحاول إقناعي بشتى الرسائل ولذلك اخبرني من باب تذليل المهمة (إن الوزارة ستتولى تزويدك بالمعلومات والأخبار عن مواقف أميركا وحلفائها العدائية، وما عليك إلا أن تكتب عنها تعليقا ساخرا، أظن ان الأمر ليس صعبا، وهو بالنسبة لك غاية في البساطة)!!
كان من المفروض ان اوافق في الحال وادعو للوزير بطول العمر والعافية، ولكن رأس الحمار العنيد الذي لم يفارقني على مدى خمسين سنة، لم يفارقني كذلك في تلك اللحظة، ولذلك قلت له (سيادة الوزير انا كما تعرف ممنوع من الكتابة، فكيف يمكن ان اكتب للتلفزيون؟!)، وفوجئ الرجل بردي، ولكنه احتملني على مضض وقال (سيظهر البرنامج من دون اسم، وقضية منعك من الكتابة أمر آخر سأعالجها لاحقا كما وعدتك)، واظن ان جوابه كان ذكيا، وقطع علي حجة الاعتذار، ولكن الحمار العنيد لا يمكن ان يستسلم، ولهذا قلت له (سيادة الوزير… انا اسف جدا واعتذر عن هذه المهمة، لانني لا امتلك ادنى فكرة عن الدراما التلفزيونية، ولم يسبق لي ان كتبت للتلفزيون) وأدرك الرجل إنني متمسك بموقفي، فقال لي وقد بدت عليه علامات الانزعاج (من طلب منك أن تكتب دراما، كل ما عليك ان تكتب تعليقا على غرار ما تكتبه في الصحف وبأسلوبك الساخر، ولكنك لا تريد ان تكتب، على أية حال شكرا)، وهكذا غادرت المكتب برفقة الحلو الذي عبر لي عن اعتزازه بموقفي، فيما كنت في غاية السعادة، لان الحمار العنيد استطاع ان ينتصر على وزير من الوزن الثقيل!!

