Pdf copy 1

شتاء استثنائي تعاون فيها الزاب والمطر ودجلة على رفع مناسيب المياه وتعريض عشرات القرى إلى فيضانات لم تبق بيتا ولا زرعا ولا شجرة إلا واتت عليها، وأحالتها بين ليلة وضحاها إلى (بلدات) منكوبة واثر بعد عين، وما يزيد على أربعة آلاف أسرة وجدت نفسها فجأة من غير سكن ولا فراش ولا حاجة منزلية ولا مورد رزق، غير ان هذه الصورة المأساوية على عتمتها قابلتها صورة مشرقة لا يصح غض النظر عنها.. فقد كان للدولة (وان كان هذا واجبها) موقف متميز، عبرت عنه الجهود الفاعلة التي بذلتها الوحدات العسكرية الموجودة ضمن قواطع الفيضانات، وكذلك طيران الجيش ودوائر الدولة المعنية زيادة على الحكومات المحلية ومجالس المحافظات من دون أن نغفل مبادرة المركز بتقديم منحة (مليوني دينار) لكل عائلة، ومع ان هذا المبلغ لا يساوي شيئا بالمقارنة مع حجم الأضرار البليغة، ولكنه مبلغ أولي كما أعلن المركز لمواجهة الحالة الطارئة.

المشهد الذي استرعى انتباهي يتجاوز هذه الجهود الرسمية الايجابية التي يفرضها (الواجب)، الى فعاليات المواطنين الكريمة في المدن المحيطة بالقرى المنكوبة ولعل أعظم ما استوقفني في هذه الفعاليات قيام بعض المدن البعيدة عن موقع الحدث بحملة تبرعات ومساعدات عاجلة للمتضررين، وفي مقدمة المدن التي بادرت الى ذلك، مدينة الكاظمية المقدسة التي وقف أهلها وقفة مشرفة -ليست جديدة عليهم مع أبناء شعبهم في محافظة صلاح الدين، وهي وقفة على السياسيين ان ينتبهوا إليها، فالذي يجمع العراقيين هو تناديهم عند الشدة وعند الحاجة وعند الفرح؟، لانهم ما كانوا يوما خلاف ذلك وكأنهم افراد اسرة واحدة، اما الدعوات الى توحيد صفوفهم عبر الصلاة المشتركة فهي من اغرب ما رأيت لان بيوت الله منذ فتحنا عيوننا على الدنيا وهي مشرعة الابواب امام المذاهب جميعها، يصلون فيها معا، وراء امام واحد، ويتوجهون الى قبلة واحدة.

 مأساة الفيضان مريرة، ولكنها وضعتنا أمام الصورة الحقيقية لهوية العراقي، وكنت أتساءل: لماذا لم تبادر الوزارات والمؤسسات والبرلمان ومنظمات المجتمع المدني ودوائر الأوقاف كما بادرت الكاظمية وتعلن عن فتح أبواب التبرع من دون ان يعني هذا أن الدولة او الأجهزة التنفيذية مقصرة، ولكن مثل هذه المغاليات هي ما يعزز العلاقة بين المذاهب والاديان والقوميات ويرتقي بها من الصلاة المشتركة والخطابات الإنشائية إلى العمل والتطبيق والشعور بالانتماء الى الآخر والى الوطن … اللهم احفظ العراق وزد أمطاره وجنبه الفيضانات… 

التعليقات معطلة