لعلها بداية خمسينات القرن الماضي، وانا تلميذ مدرسة ابتدائية، تلك هي المرة الاولى التي اسمع فيها عن شيء اسمه انتخابات، وارى عن قرب طقوسها الشعبية وليس القانونية، كان ذلك على وجه التحديد في سوق الرحمانية، حيث واجهتني مسيرة جماهيرية لا اعرف كيف تجمعت ومن اين انطلقت، وعلى ما يحضرني اليوم من ذلك المشهد، كان العدد لا يقل عن 300 شخص ولا يزيد على 400، غالبيتهم يرتدون الدشاديش او الزي البغدادي الشائع وقتذاك (الصاية والجراوية)، وكان هناك بضعة شباب في المقدمة يتعاونون على رفع لافتة بيضاء طولها قرابة 6 امتار يمشي تحتها الصف الاول من المشاركين في المسيرة، وكان هذا الصف يمثل على ما اعتقد وجهاء، او بعض وجهاء المنطقة وشيوخها، ويمكن تلمس ذلك من فخفخة ملابسهم العربية حيث العقال والعباءة، ومن النعمة الظاهرة على وجوههم وابدانهم المتعافية، واظن الى حد بعيد ان الاسم المكتوب على اللافتة بحرف كبير، ولون مختلف عن (بقية) الحروف والكلمات التي تدعو الى انتخابه، هو نفسه الشخص الذي يتوسط الوجهاء والشيوخ، والوحيد الذي يظهر بينهم وهو يرتدي زي الأفندية، ولكن (بدلته) وربطة عنقه و(قندرته)، كانت من الجمال والاناقة بحيث لا تشبه ما يرتديه ملعمو مدرستنا الافندية، ومدير مدرستنا (عزة الخوجه) رحمهم الله جميعا احياء وامواتا، فقد كان الفارق الطبقي في الملابس واضحا الوضوح كله ولا يقتضي عقلا ماركسيا لتشخيصه، بدليل ان طفلا مثلي في الثامنة او التاسعة من العمر، استدل عليه، ولكن ذلك الزي الترف لم يكن وحده الذي اقنعني بان الرجل الأفندي الذي يتوسط الصف الاول من المسيرة هو (النائب) المرشح لعضوية البرلمان، بل طفولتي (يبدو انني كنت طفلا موهوبا وذكيا بخلاف شيخوختي) هي التي توصلت الى تلك الحقيقة، بعد ان لاحظت عددا من المواطنين يتقدمون نحوه ويصافحونه دون غيره ثم يلتحقون بالتظاهرة الانتخابية !

لا اذكر مع الاسف ان كان المتظاهرون يرددون هتافات معينة ام لم يرددوا ! ولكنني استذكر جيدا ان فرقة (صالح)، وهو اشهر طبال في الرحمانية حضرت الى المكان متطوعة، او ان احدا استدعاها، وقد استدرجت اليها عشرات الاعمار الطفولية والمراهقة وهي تطلق انفاسها الشعبية، وتحولت المسيرة الى زفة عرس والنائب العريس يوزع ابتساماته العريضة، وقد رقصت مع الراقصين، وانا لا اعرف النائب ولا ادرك وظيفته، ثم …

ثم انتهت المسيرة عند نهاية السوق قريبا من مقهى كبيرة ذات سلم، وجلس الرجال وشربوا الشاي، فيما تولى احد الاتباع توزيع بالونات صغيرة (نفاخات) علينا نحن الصغار، جعلتنا ننسى امر النائب، ولكن سوء الحظ شاء ان تكون نفاختي ـ هي الوحيدة ـ مثقوبة!!

التعليقات معطلة