ثمة موجبات للشكر والامتنان، أتوجه بها الى صديق الرحلة والعمر، المشاكس العزيز، الدكتور هاشم حسن، عميد كلية الإعلام، والى زملائي وأصدقائي وأساتذتي أعضاء مجلس الكلية، وذلك لحسن ظنهم في اختياري، مع من اختاروا من أهل المهنة، للاحتفاء بنا بمناسبة انعقاد مهرجان بغداد للصحافة (دورة الكرملي 2013)، آملا ان لا يكون هذا الاختيار حياء من شيخوختي، بل إن قلمي ما زال فيه شيء من نبض الشباب، وما زال يقف للمسؤولين بالمرصاد، باستثناء محافظ بغداد، لان هديته التكريمية لي تحول دون ذلك الى حين، وتدفعني في الوقت نفسه الى ان ادعوا له بطول العمر والعافية، وان تبقى عينه خضراء على الأرامل والفقراء والإعلاميين الذين يشتغلون خارج شبكة إعلام الحكومة!! ولعلها من موجبات اللياقة ان اعتذر لهذه الأسماء الكريمة ولابنائي طلبة الإعلام، عن عدم حضور احتفالية الكلية وعرسها الجميل، وعدم مشاركتهم وجبة الغداء التي وصفها مراسل وكالة رويتر (امبريالية الصنع، عراقية النكهة)، فقد شاءت تعاسة الحظ ان لا يكون لي فيها إسهام فاعل، لان ظرفا طارئا أبعدني، حين اختار ذلك اليوم السعيد من دون عشرات الأيام الكئيبة !!
أجواء المناسبة أنعشت ذاكرتي على هوامش ولقطات، رأيت من الواجب الاشارة اليها، فقد تكون درسا تفيد منه آخر اجيال الصحافة العاملة على الساحة حاليا مثلما يفيد منه طلبة الإعلام من غير متاعب تذكر، لأنه درس (غير مقرر) ضمن مفردات المنهج، ويمكن رميه عند اقرب شيء الى اليد!
العودة الى عقد الخمسينات مثلا او الاربعينات او الثلاثينات، تشير الى ان الوصول الى بلاط صاحبة الجلالة، كان محفوفا كما يقول شيوخنا الإعلاميون بالمخاطر، مع أنني اسميها (الضوابط) فالقلم الذي لا يمتلك أدواته الحقيقية ضمن إطار تلك المرحلة، لا يمكنه الاقتراب من بوابة هذه الملكة الساحرة ولكن الاهم في هذا المشهد، ان الصحافة العراقية لم تبتكر يومها مفهوم (المكافأة، كانت الحياة عذراء مشرقة كوجه مساء ربيعي، لم تلوثها الحسابات الجارية والسيولة النقدية انها بضعة مسميات رومانسية، مثل شرف الكتابة والمجد والواجب الاخلاقي او الوطني، هل كل ما يحصل عليه الصحفي بعد نشر مقالة أمضى في صياغتها ساعات طويلة من المجاهدة والتدقيق، فربما وقعت مفردة في غير موقعها من المعنى اللغوي، او فلتت جملة تخدش كرامة الاخر، وان كان من الد الخصوم واكثرهم عداوة، ولذلك ما كانت الصحافة مصدر رزق او لقمة عيش، بل مصدر انتشاء نفسي وروحي، ولكن ما يستحق التنويه هنا، مع مزيد من الانتباه، هو أن الصحفي حر فيما يكتب، وما تمليه عليه قناعاته الفكرية، وهو في ذلك كله متناغم مع ضميره، ولا سلطان لصاحبة الجلالة عليه، وليس بمقدورها اصدار إرادة ملكية سامية تلزمه ان يسلك هذه الطريق او تلك، فهل هذا الثمن الذي يتقاضاه كان مجزيا؟ هل كان يتناسب مع (شرف المهنة) ومع المعايير الاعتبارية لذاته الانسانية؟ واذا كان الامر كذلك، فما الذي تغير في العقود اللاحقة حتى تتخلى صاحبة الجلالة عن عذريتها، وتتحول الى (….)، اعني تفتح ابوابها على مصاريعها لعابري السبيل قبل اهل المهنة، وكأنها خان للمسافرين؟ امامنا فرصة اخرى للتعرف والحديث…

