Pdf copy 1

أشرتُ في حديث سابق إلى أن الصحافة لم تكن تدفع أجوراً او مكافآت للكاتب الخارجي، ولذلك لم يشكل العمل في هذا المجال مصدر رزق أو عيش، وقد استمرت هذه الصيغة حتى العقد الستيني من القرن الماضي، وكان الثمن الذي يحصل عليه الكاتب ذا طابع اعتباري بالغ الأهمية، فالصحفي كان اقرب الى المصلح الاجتماعي او رجل الدين المتطوع او المناضل، لا يتقاضى مالا عن مهمة جسيمة ارتضى لنفسه تحمل مسؤوليتها، كما أشرت كذلك إلى أن ميزة ذلك الجيل من الرواد، تكمن في حجم الحرية التي يكتبون بها على مستوى علاقتهم بالجريدة، فهم أوصياء على قناعاتهم وضمائرهم وبوصلاتهم، ولا وصاية لمطبوع على توجهاتهم وأفكارهم وأقلامهم!

إن الإشارة السابقة إلى العقد الستيني، لا تعني ان انقلابا حادا قد حصل في مسالة الاجور والمكافآت، وان الصحفي تحول فجأة الى بائع أفكار، ولكن من الصحيح كذلك، ان البدايات الأولى لهذه المسألة قد بدأت بالظهور على حياء بسبب التحولات الكبيرة في الحياة ومنظومة القيم والمفاهيم بعد انقلاب 14 تموز 1958، ولا يصح النظر إلى أن هذه البدايات تشكل عيبا يخدش جسد الصحافة، او يمس كرامة الصحفي، بل العكس تماما، وربما جاء الأخذ بمبدأ الأجور او المكافأة متأخرا أكثر مما ينبغي، لان القصيدة والمقالة والقصة واللوحة… الخ, نتاج فكري ابداعي، قابل للعرض والطلب كأية بضاعة ولكنها بضاعة من نوع خاص ترتبط بالتربية النفسية والروحية والذوقية والجمالية، ولا يجوز النظر الى مفردة (بضاعة) بعين المكسب والربح والخسارة واللغة التجارية!

على ان هذا الامر المشروع في الستينات، لم يلبث في العقود اللاحقة وخاصة عقدي الثمانينات والتسعينات، ان فقد مشروعيه في اللحظة التي تدخلت فيها السلطة، وسيطرت على زمام العمل الإعلامي عامة، والصحفي خاصة، سواء عبر صحافة القطاع العام بصورة مباشرة، أم القطاع الخاص بصورة شبه مباشرة، فرئيس اللجنة الاولمبية (عدي)، هو الذي يوافق على تعيين الملاك القيادي المقترح للجريدة، او يتولى تعيينه بنفسه، وهو الذي يوجه ويقرر ما يجب أن يكتب ولا يكتب، وكانت تلك هي الخطوة الأسوأ في تاريخ الصحافة العراقية، لأن الصحفي لم يعد يكتب ما يريد، بل ما يراد له، وقد قادت هذه المفارقة الى خطوة اكثر سوءاً، لان الكاتب حين ينجز ما يملى عليه، لا يتقاضى فقط (5 آلاف دينار) على سبيل المثال، مكافأة على مقالته بل عليه ان ينتظر تكريما من اللجنة الوزارية قد يصل الى 50 او 100 الف دينار، او تكريما من صدام حسين قد يصل الى 5 ملايين دينار، او مركبة حديثة، او كيلو ذهب اذا كانت المقالة بقلم (نون النسوة)، لان للأنثى مثل حظ الذكرين!!

بدعة «التكريم» انهت امال صاحبة الجلالة في الحفاظ على طهارة بلاطها، وعلى ما تبقى من كرامة رعاياها، وسنحاول تسليط مزيد من الضوء على طبيعة هذه البدعة في حلقة مقبلة ان شاء الله!!

التعليقات معطلة