مازالت مسالة الصلاحيات بين الإقليم والحكومة الاتحادية تشكل سببا للاختلاف الذي يعكر صفو العلاقة بين المسؤولين في تلك المواقع . كما مازالت نفس القضية تشكل تجاذبا سلبياته أكثر من ايجابياته بين مجالس المحافظات والحكومة الاتحادية , وازدادت سلبيات هذا التجاذب بعد التظاهرات التي عمت المنطقة الغربية والتي ظهرت فيها شوائب لا تنتمي لهوية العمل الوطني .واليوم عاد الخلاف حول تلك الصلاحيات بعد ان طرح مجلس النواب اقتراحا بتوسيع صلاحيات مجالس المحافظات فيما يخص قوات الأمن الاتحادية .وحتى نلقي الضوء على طبيعة هذا الاختلاف ,لابد لنا من ان نقدم قراءة دستورية حول الموضوع تبدا هكذا :-
1- المادة ” 13″ من الدستور العراقي تقول : ان هذا الدستور يعتبر القانون الأسمى والأعلى, ولا يجوز سن اي مادة في دساتير الأقاليم والمحافظات تتعارض مع مواد هذا الدستور .
2- المادة 142 تقول : يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع
العراقي مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب , خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر , يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور, وتحل اللجنة بعد البت بمقترحاتها , وقيل ان اللجنة شكلت ولكن لم تعرف نتائج عملها , وما هي المواد التي اقترحت تعديلها ؟ والنظرة الموضوعية تقول :لو ان اللجنة المذكورة مارست دورها بكفاءة وقدمت مقترحاتها بتعديل بعض المواد وهي كثيرة تلك التي تحتاج الى تعديل ,وأعلنت تقريرها ونشرته حتى يطلع عليه الشعب العراقي, ويأخذ المختصون وأصحاب الفكر بيان رأيهم, لكنا في غنى عن هذه الاختلافات التي ينطلق اغلبها من سوء فهم للمواد الدستورية التي تنظم شؤون الدولة.
3- المادة ” 137 ” يستمر العمل بالقوانين التي تم تشريعها في إقليم كردستان منذ عام 1992 وتعد القرارات المتخذة من حكومة إقليم كردستان بما فيها قرارات المحاكم والعقود نافذة المفعول مالم يتم تعدياها او الغاؤها حسب قوانين اقليم كردستان من قبل الجهة المختصة فيها, وما لم تكن مخالفة لهذا الدستور , وهذا الاستثناء والحصر لم يتم متابعته , وتسليط الضوء عليه من قبل لجان متابعة مشتركة بين الإقليم والمركز , مما جعل مسالة الصلاحيات قضية عائمة يدعيها من يدعي بدون ضوابط .
4- المادة ” 116 ” يقوم الإقليم بوضع دستور له , يحدد هيكل سلطات الإقليم وصلاحياته واليات ممارسة تلك الصلاحيات على ان لا يتعارض مع هذا الدستور, ومرة أخرى نجد استثناء حصريا وجوبا لعدم التعارض مع الدستور , وهذا يعني اننا نحتاج الى إعطاء هذه المهمة لاختصاصات معروفة بكفاءتها لتقوم بهذه المهمة حتى نتجنب الوقوع في مسائل خلافية كما يحدث اليوم .
5- المادة ” 119 ” : يجوز تفويض سلطات الحكومة الاتحادية للمحافظات او بالعكس , بموافقة الطرفين , وينظم ذلك بقانون. وهذه المادة الدستورية من المواد الملتبسة, فهل التجويز للتفويض يقع في عموم سلطات الحكومة الاتحادية ؟… وهل يشمل السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية, ورغم ما في هذه المادة من تسهيل محتمل لمهمة الطرفين, إلا أنها تستبطن خلق إشكالا مستمرا بين الطرفين عند عدم توفر حسن الظن , وهذا ما يحدث اليوم ويشار له علنا من قبل بعض مجالس المحافظات .
6- المادة ” 107 ” تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية الآتية :-
أولا – رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي, والتفاوض بشان المعاهدات والاتفاقيات الدولية , وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وإبرامها , ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية .
ثانيا : وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها بما في ذلك إنشاء قوات مسلحة وإدارتها لتامين حماية وضمان امن حدود العراق والدفاع عنه
ثالثا : رسم السياسة المالية والكمركية ,وإصدار العملة , وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات في العراق, ووضع الميزانية العامة للدولة , ورسم السياسة النقدية وإنشاء البنك المركزي وإدارته .
رابعا : تنظيم أمور المقاييس والمكاييل والأوزان .
خامسا : تنظيم أمور الجنسية والتجنس والإقامة وحق اللجوء السياسي .
سادسا : تنظيم سياسة الترددات البثية والبريد .
سابعا : وضع مشروع الموازنة العامة والاستثمارية .
ثامنا : تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق , وضمان مناسيب تدفق المياه اليه , وتوزيعها العادل داخل العراق وفقا للقوانين والأعراف الدولية .
تاسعا : الإحصاء والتعداد العام للسكان .
ويلاحظ عدم دراسة هذه الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية جيدا هو الذي يخلق المشاكل والنزاعات التي نحن في غنى عنها بين المركز والإقليم , وبين المحافظات والمركز .
كما ان المادة ” 109 ” في : أولا , وثانيا , تقدم عرضا عاما لإدارة النفط والغاز بين الحكومة المركزية والمحافظات
والإقليم , كما تقدم عرضا عاما لرسم السياسات الاستراتيجية لتطوير ثروة النفط والغاز مما يجعل حدود الصلاحيات غير واضحة تغري كل طرف بحق غير مشخص تشخيصا قانونيا مما يجعل الاختلاف كثير الوقوع .
اما المادة ” 110 ” التي تتحدث عن الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم , وهي من سبعة أقسام , فإنها تخلط مزيدا من المفاهيم غير الواضحة مثل : إدارة الكمارك , تنظيم مصادر الطاقة , رسم السياسة البيئية , رسم سياسة التنمية والتخطيط العام , رسم السياسة الصحية العامة , رسم السياسة التعليمية , رسم سياسة الموارد المائية الداخلية . ويلاحظ هنا عدم التفريق بين السياسة الكمركية مثلا وهي من الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية , وبين إدارة الكمارك التي جعلتها المادة ” 110 ” مشتركة بينهما , ومما يزيد في تعقيد المسائل الخلافية بلا مبرر ما ذهبت إليه المادة ” 111″ والتي جعلت المسائل الخلافية بين المركز والمحافظات تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في حالة الخلاف بينهما , وهذه إشكالية صياغية تتعلق بالثقافة القانونية والخبرة الدستورية لمن يكتب مثل هذه المواد الملتبسة , والسؤال هنا : لماذا وما الفائدة من الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية , إذا وضعناصلاحيات مشتركة ثم أجهضناها بتغليب أولوية المحافظات في حالة الخلاف مع المركز , فهنا نحن أمام حالة التباس مفادها : ما أعطيه لك بيد , آخذه منك بيد أخرى , والمشرع يجب ان يبتعد عن مثل هذه المواقف الملتبسة. وبعد هذا العرض المختصر للصلاحيات وتداخلها بين المركز والاقليم والمحافظات وما ينتج عنها من مشاكل تعيق عجلة البناء والتقدم , مثلما تعيق مستوى التفاهم بين المسؤولين , لذلك نرى من الضروري انجاز التعديل في بعض المواد الدستورية كما نص عليها في المادة ” 142 ” من الدستور العراقي , ونرى من الضروري ان يتولى النظر بتلك المواد الدستورية والتي اشرنا إليها في هذه الدراسة المختصرة , وهناك غيرها مما يحتاج الى اعادة نظر وتعديل من قبل اختصاصيين معروفين بالقدرة الفكرية والباع البحثية , بعيدا عن تجاذبات المحاصصة التي حرمتنا من خبرة الخبراء الحقيقيين ومن كفاءة أصحاب البحوث الذين تتحدث عنهم دراساتهم وابحاثهم وتكون شاهدا لهم دون شهادة الأحزاب والكتل السياسية التي فشلت في هذا الميدان .