فريد حسن
حين تذكر البصرة تذكر الطيبة وكل معاني المحبة الخصبة لأن أرض البصرة خصبة بل ومنها وفيها أبو الخصيب، إنها مدينة الحسن البصري والفراهيدي ومطر مطر السياب فأنّى لنا أن نكون بعيدين عنها او لم نجعل منها قبلة ومزارا لنحج اليها كما يجح الناس ومن استطاع اليه سبيلا مكة المكرمة، اوليس في البصرة مزار الائمة الاطهار اوليست في البصرة عناوين المفخرة والفخار وشعب محب طاهر، كلما أردت ان اقول فيها من المديح اكتشف ان ما موجود في لغة العرب من مديح قليل في قواميسها ودواوين شعرائها لان البصرة اكبر وبحاجة الى الأكثر.
في بداية الستينات شددنا الرحال الى البصرة تاركين أربيل حيث نفوا والدي إليها لأسباب سياسية وبطبيعة الحال كانت بداية الستينات قد شهدت بروز الحركة الكردية والتي حملت شعار الديمقراطية والسلام والتعايش السلمي لأبناء العراق والإقرار بالحقوق القومية للكرد باعتبارهم شركاء في الوطن لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، فكانت الحكومات المتعاقبة لا تقر بهذه الحقوق بل كانت تحشد جيوشها من ابناء البلد لمقاتلة ابناء جلدتهم ومواطنيهم ضمن إيديولوجية شوفينية عنصرية مقيتة مما أسهم في تأخر البلد وزرع البغيضة بين ابناء الشعب الواحد ولكن الشعب وبالرغم من كل ذلك كان هو الاقوى لانهم انبل من القادة المتعجرفين الذين يحاولون وبكل الطرق اللااخلاقية زرع الفتن وتقويض المحبة المتأصلة في قلوب ابناء عراقنا الغالي وهكذا قد ماتت كل تلكم الدسائس وذرتها الرياح وبالمقابل اصبحت العلاقة بين الشعب اقوى بل وشكلوا صخرة قوية تفتتت عليها كل المؤامرات التي كانت تحاك للنيل من العراق ارضا وشعباً.
وبعد فترة من العيش في البصرة وبعد عودتنا الى مدينتنا اربيل بتنا حين نسأل من اين انتم نقول من البصرة وكيف لا، الم يكفنا ان شربنا من مائها المالحة وقد (غزر) كما في اقوال العامة، اليس الزاد والملح كما في اساطير أولينا تؤكد بأنها واحدة من اكبر اسباب التواصل والمحبة؟ نعم هي كذلك.
في هذه الايام وما سبقتها اراد البعض ان يترجم سوء العلاقة بين المركز والإقليم وتجييش الجيش في بعض المناطق بأنها حرب بين العرب والكرد يا لها من سفاهة وجهل هؤلاء بتاريخ ابناء هذا البلد الذين كانوا دائما حطبا لنار السفهاء والنزعة للبقاء اطول فترة في الحكم لان محبة الكرسي عندهم اضحت اقوى من الوطن وحليب الام فما عادوا يقيمون وزنا للشعب غير الاهتمام بمصالحهم وفسادهم المستشري.
ان العرب والكرد اخوة وعائلة واحدة ففي كردستان اليوم مئات العوائل العربية التي تركت بيوتها ووظائفها ومصالحها نتيجة انعدام الأمن والامان في وسط وجنوب العراق ولجأت الى محافظات الاقليم ومنهم المئات الذين يمتلكون بيوتا وعقارات وانا ابن اربيل ليس لي بيت ملك صرف بل اسكن في بيت ايجار لا شماتة ولا هي من باب الغيرة لا والله ولكن اردت التوضيح ليس الا.
وعودة الى البصرة فكانت العوائل البصرية تجلنا وتقدرنا لانهم كانوا على دراية من المؤامرة لجعل التناحر بين الكرد والعرب سيد الموقف ولكن هذه السياسة اللعينة تكسرت امام صلابة الاخوة العربية الكردية (وتبت يدا أبي لهب) لان السياسة مهما بلغت في أساليبها العدوانية فإنها بدلا من ان تجعل الشعب في تناحر فأن للشعب رأيه وهو متمسك بوحدة ابنائه كما اليوم تهاوت الأفكار المسمومة التي كانت تريد ان تفسر المشاكل العالقة بين المركز والاقليم بأنها حرب بين العرب والكرد، ان أهل البصرة مثال لأهل كل محافظات العراق فقد استقبلوا المرحوم (الملا مصطفى البارزاني) استقبال الابطال المنتصرين حين عودته من روسيا وكانت الفرحة بائنة والبهجة واضحة لان الزعيم البارزاني لم يكن متعصبا لقوميته بل مناديا لوحدة ابناء العراق وحفظ دمائهم ونادى الى الديمقراطية والسلام وكان شعاره (رحمه الله) السلم والسلام وما زال ولده (مسعود البارزاني) وسيبقى على سيرة ابيه مطالبا بالديمقراطية ونابذا للحكم الفردي ومتطلعا للشراكة الحقيقية بين الكتل السياسية وفي جلسة حوارية معه وكنت احد الحضور فيها مع مجموعة خيرة من الصحفيين والإعلاميين كانت بداية حديثه كنهايته؛ دعوة للسلام ونبذ الفرقة والاحتكام للدستور وعدم استخدام الجيش في معالجة القضايا المصيرية للشعب ما دامت هنالك لغة الحوار وهو انما يريد بذلك حقن الدماء لقد أيقن خلال رحلته في العمل السياسي بأن التحاور اقوى من رصاصة الغدر لان الرصاصة تقتل المحبة بين الشعب وتجعلها فريسة سهلة للحكام والمتنفذين والاعداء سواء بسواء.
ان الخلافات السياسية ممكن وضع الحلول لها ولكن ليس عبر استخدام القوة بل بالرجوع الى الدستور الذي هو الحكم الفيصل وكذلك عن طريق الحوار الديمقراطي الراقي وبمشاركة الجميع اما اتخاذ موقف متعنت والانفراد فلن يخدم احدا ولا نريد بعدها ان نعظ أصابعنا وقد (لات ساعة مندم).

