العملية السياسية في العراق بحاجة إلى (حملدار)، وكل الكتل الانتخابية بحاجة الى (تفويج)، أما (الجامبو العملاقة) التي نقلت حجاج بيت الله الحرام من بغداد الى المدينة المنورة بحاجة الى رحلة إضافية لتعليم السياسيين كيف ان جسماً طائراً بطول ملعب الشعب باستطاعته حمل 450 حاجّاً في السماء بدون كرة قدم واحدة، لكن حسنة (الجامبو) أنها جعلت الحجّاج العراقيين يكثرون من الصلاة على محمد وآل محمد خشية سقوطها (لا سمح الله).صرّة الأرض تبدأ من الحجر الأسعد لتلتف على نفسها بأشواط سبعة، مكة لا يدخلها إلا مُحرم يلبس كفنه ويغطي عورته بتوبته، يطوف العراقي الجنوبي ذو الستين من عمره وقد تهدّل إحرامه وظهرت عظام كتفه النحيلة وهو يسأل الله قرب الركن اليماني ( عبد واكَف على البابْ…ويريد منك جوابْ) ويضيع صوته بين التلبية والأخرى…الحج إلى مكة لا يشبه أي حج آخر، كل شوط يطوف بك، أشبه بأسلاك شائكة تمسك ذنوبك بمخالبها وكأنها تمسك بخيوط دشداشة شاكر، وتسقطها أرضاً بالضربة القاضية، لو أنها تمسك بلحمك الحي لأخرجتك وأنت كومة عظام تغلّفها دشداشة شاكر، لا وجود لشاكر بين دشداشة تحمل اسمه وبين شكر العبد المذنب لربِّه الذي ستر عليه ذنوبه طوال عمره حتى أوصله الى بيته الحرام ليغفر له وهو يهتف (اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك وهذا مكان العائذ بك من النار…اللهم ان عملي ضعيف فضاعفه لي…).العراق المُحْرِمُ يحمل المناسك في السنابك، كل عراقي لابد له من التقطير بدلاً عن التقصير، الحرق بدلا عن الحلق، أنه حج عراقي يمارسه المسلم والمسيحي، العراق الآن بحاجة الى 31 مليون حملدار لإرشاد العالم الى كعبته العراقية التي ليست بحاجة الى إحرام وطواف وسعي، العراقي يُحرم بدمه ويطوف على وطنه ويسعى بين مقابر أخوته العراقيين، ما بين مكة والعراق يستطيل خط الحزن الذي يفيض بزمزم الدمع، السواد الذي تلبسه الكعبة جديداً كل موسمِ حجٍ، ليس غريبا على جسد العراق الذي أدمن السواد منذ ألف كربلاء وكربلاء، وما بين الحجر الأسعد والركن اليماني تطيل الكوفة عنقها لترسم مشهد محرابها المخضب بدم علي ليلة التاسع عشر من رمضان، بينما تبحث العيون هناك عن قبر مجهول يدثّر أم أبيها بكفن الغربة و(حبيرة) المنفى وسِعْد الوِحدة وكافور الوحشة، هناك حيث تغفو الجفون المبللة بدمع الأتقياء، وهناك (بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) يسعى الغرباء بأفئدتهم ليسلموا على صاحب الغربة …غريب الغرباء محمد الغريب “ص” واله وسلم فيأتيك الجواب:وعليك السلام أيها الغريب ورحمة الله وبركاته…،بينما يستيقظ البقيع كل فجر على صوت غراب أبقع يضع على رأسه كوفية حمراء ويلصق لحيته بالتقوى المحروسة بالـ(الدونكيّات)،[إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث]، يصيح نكاية بالباكين عند قبر فاطمة بنت اسد وقبر الحسن وزين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وأم البنين عليهم السلام (يا مسلمين….النمل والنحل مذكور في القرآن وعلي بن أبي طالب غير مذكور) وكأن هذا الغراب قاتلَ الرومَ والفرسَ والصليبيين ولم يبق سوى علي بن ابي طالب لم يقاتله، فآثر أن يقاتله قرب قبر أمه وأولاده وعشيرته بشتمه تحت ظلال الدونكيّات!!…إنها جاهلية أخرى.هناك قرب جبل أحد …حيث يُسجن حمزة بن عبد المطلب قبالة جبل الرماة الذي مازال حتى الآن يرفع هامته أمام قبر حمزة وصوت النبي الغريب صلى الله عليه واله وسلم يتردد بين سجن حمزة بن عبد المطلب والأنصار….(ولكن حمزة لا بواكي له)…الحملدار (علي مجيد عيسى) آثر أن يعلن اعتزاله من منصبه في موسم هذا الحج قبل بدايته، والمساعي الحميدة مازالت مستمرة لثنيه عن مباراة اعتزاله خشية ان تتحول الى طواف جديد تحت شعار(شدوا روسكم يا قرعان)،مبررات اعتزال الحملدار مبررات عقلية يفرضها واقع الحج العراقي، تصريحه المقتضب حمل أصل أسباب اعتزاله الى زياراته المكوكية الى مرقد أولاد مسلم في الحلة، يتذكر إبن عيسى يوم صعد الى حافلة نقل المسافرين وأوصى الزائرات العِجايز أن لا يقمن بشراء (المكانيس والرارنج):
– حجيّات الف رحمة على والديجن لا تشترن مكانيس…احنه مو بافريقيا ولا بالصومال…البيوت متروسة مكانيس واني عندي حساسية من المكانيس…المكانيس مو حضارية لأنها تطشّر التراب يمنه ويسره…الرارنج ما يفيد بس ابو الضغط…وانتن كل وحدة بيجن تاكل (مَصْفي مال خضرة)…الي بيهه رمل بمرارتهه بيهه جواب تشتري بس وحدة صار الهه ستين سنة تاكل خضرة وكل شي ما بيهه ينرادلهه شكران لرب العالمين.للمكانيس والرارنج علاقة طردية مع نفسية الحملدار، لهذا ما أن تنتهي مراسيم زيارة اولاد مسلم عليهم السلام حتى تمتلئ الحافلة برائحة الرارنج المغلفة بسعف المكانيس، نفس المشهد يتكرر قرب جامع القبلتين في المدينة المنورة بمحمد صلى الله عليه واله، كل نزول اختياري لزيارة مسجد صلى فيه النبي الغريب ص، يزيد سيارة الحجاج أوزان الرارنج ومكانيس السعف التي لم تشترها زائرات قبر اولاد مسلم ع، وصوت الحملدار يهتف بين الحجيج:
– يمعودين دخيل الله عله كيفكم لا تصرفون فلوسكم…حجّيات ما عدنه نداينجن…مو يجي وقت ذبح الهدي وانتن صارفات فلوسجن على الدشاديش وملاعيب العيد! مرة محيسن تتنسّه وينرادلهه دشداشة نزورهه مكة، ومرة إعليوي بشهرهه السابع وينرادلهه تمر فاطمة…وابو طويلة يريد يتزوج وجايبتله نزلة جرباية….وننوحة يريد ينزّل وزنه وجايبتله جهاز رشاقة….حجيات تره فلوس الذبح عليجن…قرب المساجد السبعة اكتشفنا انها ستة، الخندق الذي حفره المسلمون مازال يتذكر كلمات أبي القاسم صلى الله عليه واله وسلم، وهو يقول: برز الإسلام كله الى الشرك كله…ليطير بعدها رأس عمر بن ود العامري بضربة علي “ع”،لكنه هناك………..على يمين الخندق…. بناء حزين مغلّف يشرق بالخضرة وكأنه يختنق بالعبرات…هنا بيت أحزان فاطمة.مغلق يبحث عمن يسلّم عليه، كالعادة يقف أحدهم ليقول أنها حديقة عامة لا تختلف عن حديقة الأمة في الباب الشرقي!، أو أنها مسكن لـ (آل حرام!)، ولا أدري هل هناك آل حرام قرب بيت أحزان (آل حلال)؟…أيتها الغريبة التي أورق دمعُها هذه الشجيرات الخضر…مباركة أنت بين النساء…أيتها الصديقة الطاهرة…السلام على دموعك التي ملأت خندق هذا العمر وهو بانتظار عمر بن ود العامري الذي يولد كل يوم بانتظار علي جديد ليبرز إيمان الحزن كله الى الشرك كله لترتفع رؤوسنا عالية بيد الغد المجهول.الحملدار أبن عيسى لا يشبه حملدارا آخر، لم يقل للحجيج يوما: التزموا بتعليمات الحملدار ليعيدكم الى العراق قبل العيد، هو يعرف ان المناسك تستمر بعد العيد بثلاثة أيام، لم يقل لأحدهم البس حجابا على وجهك لأنك تحج بالنيابة عن أمك، لم يقل للنساء ان يحلقن(نمرة صفر) وواجبهن التقصير، لم يقل للحاجة العراقية أن تغير لهجتها وهي تستمع الى ادعية الهنود وهم يصطرخون (الهَرَمُ هَرَمُكْ) وهم يقصدون (الحَرَمُ حَرَمُكْ) خشية أن يندار لسانها وتعود الى أكل العنبة الهندية الحارة، لم يقل لأي حاجة ان تختلي بالله سبحانه وتعالى وتكشف له كل افعالها ومغامراتها القديمة،يتذكر كيف انه كان يبيت في (منى) ويصلي ركعتين واحداهن تتكلم بصوت عالٍ مع زميلتها في الحملة الحليبية: – خيّة رجْلي تزوّج عليّه…الله لا ينطيه ولا يخلف عليه…عافني وحدي الليل كله…شسّوي لا عندي أتاري ولا عندي دي في دي ولا سي دي…خيه ليلية من يروح ينام وياهه…تدرين الي بيه ما يخليني…اروح اباوع عليهم من فتحة الباب..خيّه هذا الشايب تسودن من تالي…
تكَولين عليه ما شايف مرة بعمرة…ما يستحي ابو الصبغ انوب هاي الي يسموهه فياغرا يسرط بيهه سرط وهيه الي ما تستحي على روحهه تتنغوص اتنغوص عبالك ام 14 سنة وهيه طابه بالعُمرين…هنا يقول الحملدار: اتممت ركعتين وقلت لها: حجية دخيل الله مو حرام ليش تحجين على الناس مو الحج لا رفث ولا فسوق ولا جدال وانت طابة طول وعرض بالقضية شنو القصة مالكَيتي غير مكان تحجين مغامراتج الليلية؟ قالت لي الحاجة: خوية صوج صاحبك هذا النايم هوه كَال احجي ملاعيبج كلهه اليوم واكشفي اوراقج علمود يغفرلج الله سبحانه وتعالى!!!.
في تصريحة لمراسل قناة العراقية عدنان الكعبي الذي سقط في الماء فكواه البخاري في احدى حلقات برنامجه الشعبي (اهازيج)، أكد الحملدار أن الحاجّة مليحة التي ضاعت في زيارته الجماعية الاخيرة الى (مسجد قباء) في المدينة المنورة كانت القشة التي قصمت ظهر الحملة المباركة وأجبرت الحملدار على الاسراع في اعلان اعتزاله وتقديمه اللجوء المكي الى قافلة الحج السودانية تعبيرا عن امتعاضه من الاساليب اللاإنسانية التي يمارسها بحقه بعض الحجاج الجدد، في حين اكد الحاج فيصل جيحان للـ(عراقية) أن سبب فقدان الحجية “مليحة” كانت بسبب شرائها الفجل والخيار والبصل من أحد الباعة القريبين، وتوجهها الى احد الفروع الشبيهة ببيتها في الشعلة، الأمر الذي أدى إلى احدهم أن يكتب:
قل للمليحة نحن في مسجد قِباْ جيس الخيار اليوم أتوزّع ثواباتْ
كانت عيون الناس أشبه بالسِباْ طاح الفجل بالكَاع مثل الطماطاتْ
طاف الحجيجُ عليكِ ياأمّ العِباْ شافوا سوادة اليوم راحت حراماتْ

التعليقات معطلة