Pdf copy 1

الحديث عن فؤاد شاكر أشبه بالحديث عن رسم لوحة مائية بالضوء، مثلما ينطبق جفنان على قطرة ضوء ليحبسان مشهداً، تعودت أصابع فؤاد شاكر الفتية على اصطياد الدببة بواسطة الكاميرا ،منفاه الاميركي جعله يحمل صور الغابات وبكاء الاشجار واغتيال الحلم، حين عاد الى العراق كان مطوّقاً بالعدسات وآلاف اللقطات التي كانت على وشك الولادة بين يديه الحزينتين.
الم تتعب قدماك من المسير أيها الشيخ؟أراك تحرث في البحر وتلقي بأيامك المثخنة في الرحيل، نوارس شيبك أطارتها الريح حين تمر على جسر الشهداء،الشهداء وحدهم من أثبت لنا ان الاوطان تجوع، لكني حتى الان لم اعرف سر صبغك لشاربك الابيض دون راسك؟ هل تريد ان تقنعنا بان صوتك مازال فتياً وهو يحمل فوق هامته جبلاً ثلجيا من كردستان، كل شيء أتوقعه منك سوى أن يكون موتك ضغطة زر من عزرائيل ع وهو يصوّرك قرب ساحة الطيران حين طارت روحك في سماء بغداد، هكذا مثل سقوط معطف كتلة واحدة، تكوّمت على رصيف قطعته الاف المرات!.
أتيقن انك كنت تتشوق لترى تقاطر الضوء من اصابعك على الورق، الشناشيل،وجوه العجائز المتغضنة، سجائرك التي تنتظر أصابعك لتلفها، صبغ شاربك المؤجل في زاوية مهملة من البيت، ثقل كاميرتك وحقيبتك الملآى بعبير بغداد…جمعتك الوحيدة مثل ظلك الذي يسعى بك بين الجمعات ليراه الناس بين أنفاسهم المتعبة، حين قالوا أنك أخترت أن تموت صباح الجمعة قرب ساحة الطيران ابتسمت، تصورت حجمك الثقيل الذي سيتعب الناس بحمله في سيارة أجرة، ربما سيسرق كاميرتك نشال خرج على باب الله قرب سوق هرج!، ربما تتطشر سجائرك الجميلة التي تلفها باصابع روحك، ربما يلوّنك التراب بغبار الشارع، ربما يتهدل شعرك الابيض ولايستطيع ان يمحو ابتسامتك الاخيرة التي ربما تذكرت فيها ابنتك فندّت دمعة رطّبت جفونك…ربما…. وربما…لكن الشيء الذي أنا متأكد منه أنك تركت مشاريعك المؤجلة خلفك…الشوارع التي لم تستطع ولوجها بقدميك، والنخيل الذي كسر رقبتك وأنت تنظر اليه بسعف، سجائرك المؤجلة التي لم تدخنها بعد، والكاميرات التي لم تتعلم على خصائصها بعد..كيف يمكن لمصوّر جوال أن يسقط من دون صوت اطلاقة او شظية مفخخة او حتى رصاصة كتمت حضورها وأخبرتك وحدك، كيف يمكن لفؤاد ٍشاكرٍ أن يصمت دون ان يدق جرس الانذار او حتى جرس فرصة بين حياتين؟
صديقي ايها القلب، يانورس بغداد الذي رفض الموت في اميركا وعاد الى التنزه بين حارات باب الشيخ والفضل وابو دودو……أيها الراثي الكبير…ايها الحزين حد الفجيعة على بغدادك العانس …ياحامل عبء الضوء في هذا الزمن الاعمى، وحدك الآن تعلم ان الموت ليس بحاجة الى معاملة وصورتين شمسيتين لاكمال معاملة دخولك الى مؤسسة التراب، إن أراد موظف الاستعلامات أن يرجعك بحجة ان صورتك فوتوغرافية،قل له انك سقطت في الشمس مثل وليد خرج من بطن أمه صباحا تحت شمس حارقة، وان اراد منك تصوير مستمسكاتك الملونة،قل له: جميع النساء يتشابهن في العر….اق او العري، قل له انك لاتملك تأييدا من مجلس بلدي لايعرف سوى نظافة الاموال من جيوب المحال التجارية، ملامحك الفارقة هي وجه من بغداد وقلب أشيب وصوت كهل وعينا صقر مازال يبحث عن شناشيل ليعلّق فوق أخشابها روحه القديمة، قل له أنك لم تشارك في تصوير المرشحين الى انتحابات روحك لانك لاتملك بطاقة تموينية تشبع منها صوت معدتك القديم.
ايها الكاميرات العمياء..ايها المصورون..ايتها الفلاشات التافهة…ياورق الطبع وياافلام الكونكا…ياشركة نيكي …نيكي نيكي على العافوج ياروحي نيكي….وسوني …وكانون …صار القلب ياصاح لمّن طفه….
فؤاد شاكر:هل مت حقا أم انه كلاو شرعي لتذهب بعيدا حيث ينتظرك ضوء وكاميرا عمياء؟

التعليقات معطلة