د. هادي حسن عليوي

في شبابنا كانت لنا أمنيات لا تنتهي .. تبدأ بالتحصيل العلمي والتفوق والحصول على وظيفة جيدة ، إلى الخارج والدخول في عش الزوجية مع بنت حلال جميلة ومن عائلة يشار إليها بالبنان والسمعة الطيبة ، وبناء بيت يتوافر على كل ما يتمناه الإنسان ، وكان احدنا يكد بشرف ونزاهة لتحقيق أمانيه ..
أما الشباب الملتزم سياسيا فكان ينشط دون كلل أو ملل لتحقيق أهدافه السياسية لا لتحقيق أمنية أو مصلحة خاصة أو الإثراء على حساب مبادئه ، في حين كان الشباب ذوو الموهبة الأدبية أو الشعرية أو الفن وغيرهم ، من هذه الشريحة العبقة ينحتون بالصخر لتحقيق أمنياتهم في أن يكونوا أدباء أو شعراء أو فنانين أو سواهم .. كان الموظف في زماننا يمثل النموذج المثالي للمواطن في إخلاصه وسلوكه.. كان شامخا لا يحني رأسه لأحد ،لا يقبل أية هدية ويعدها رشوة وانتقاصا من شخصه وإهانه لكرامته وإساءة لسمعته ، فنجد الموظف ينتفض كالأسد الهصور إذا ما حاول احد أن يرشيه بأية طريقة كانت .. كان المسؤول قدوة يقتدى به في النزاهة والإخلاص وشرف المهنة ، وتاريخنا المعاصر يزخر بشخصيات فذة .. وطبيعيا لكل قاعدة شواذ، فالمجتمع ليس خاليا من المسيئين والمرتشين والوصوليين والكسالى والمجرمين وحتى الجواسيس وغيرهم من الناس غير الأسوياء مع ذلك لم يكن هؤلاء يشكلون جميعا نسبة تذكر ..
وخلال العقود الأخيرة أفرزت الظروف ظواهر سلوكية مدانة بكل المقاييس ،ويبدو إنها من إفرازات الحروب والاستبداد والحصار والاحتلال .. واليوم تقتصر أمنيات الشباب الأسوياء على اثنتين أولاهما : توفر الأمن ، واالامنية الثانية : الركض للحصول على عمل أو على عمل إضافي لتوفير مستلزمات الحياة ، أما أمنياتنا الأخرى فقد انزوت اليوم وتضاءلت .. ما يلفت النظر إن الممارسات المدانة أصبحت اليوم حالة شبه اعتيادية ، ولم يعد الكثير من الناس يخجلون من قيامهم بأعمال السرقة أو المطالبة بالرشوة أو التدليس، بل نجد البعض يتباهى كونه أجرم أو سرق أو أثرى بشكل غير مشروع أو حصل على شهادة علمية (بالفلوس)، أو انه استطاع أن (يبلف) إحدى القوائم الانتخابية للترشيح إلى المجلس النيابي كل ذلك يعتبره هؤلاء شطارة .. المضحك المبكي إن هناك مكاتب تعلن عن استعدادها لإعداد وكتابة اطاريح الدكتوراه في أي موضوع ، وما على الشاري إلا يدفع الثمن ويأخذ الأطروحة كاملة ، ويستطيع دفع رسم مناقشة حيث يسلموه 50 سؤالا وإجابتها يقرأها ويحضر المناقشة .. يا للسفاهة والسقط في الهاوية ..ما أثار استغرابا إن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات شطبت أكثر من 600 مرشحاً من الانتخابات النيابية في شهر نيسان الماضي ، لكونهم سراق ،ومرتشين ،ومزورين ،ومجرمين ،وقتلة ، وسماسرة في الدعارة ،وبغايا ،ولواط .. وقل ما تشاء .. فناقوس الخطر يدق ، وان الواجب يقع على المثقفين الملتزمين قبل غيرهم في التوعية والتوجيه لتخليص المجتمع من هذه السلوكيات وتداعياتها ..من اجل إعادة المجتمع إلى مساره الطبيعي ..

التعليقات معطلة