Feature

  المستقبل العراقي/متابعة
“علي الطلاق بالثلاث لتدخل وتشرب القهوة عندنا”، لم يجد الزوج أبو عدي سوى هذه الكلمات ليلح على جاره أبو إيهاب عند رؤيته أمام منزله، ولم يكن من هذا الجار سوى الاعتذار حتى لا يفوته موعد مراجعته للطبيب، ليمضي في سبيله.تقول زوجته “منذ تزوجت زوجي قبل أكثر من عشر سنوات وكلمة (علي الطلاق) لا تفارق لسانه على أي أمر، وهو لا يتفوه بها أمامي فقط بل مع كل من يتعامل ويتواصل معهم”.(علي الطلاق) سيمفونية لا يفتأ يرددها العديد من الأزواج، وكلمة استقرت على ألسنتهم وأصبحت دارجة في كلامهم، لا يكاد الواحد منهم يستقر في مجلس إلا ويتلفظ بها (علي الطلاق لأفعل كذا)، (علي الطلاق لتتغدى عندنا)، (علي الطلاق أن لم يحدث كذا لا اسمي نفسي أبو فلان).. وهناك من يتفوه بها مستعرضا وكأنه بهذه الكلمة لبس ثياب الرجولة، ضاربا بعرض الحائط مشاعر الزوجة واحترامها، وغير مدرك لخطورتها في إنهاء الحياة الزوجية وتأثير ذلك على أفراد الأسرة.الزوج صالح رجب وهو أب لثلاثة أبناء، يقول “لا أخفي عليكم أنني عصبي جدا وعلى أقل أمر أغضب وسهل على لساني أن ينطق بحلف يمين الطلاق وحتى لو لم يكن لزوجتي دخل فيه”.وعن سبب ذلك، يوضح رجب “أشعر حينما أحلف يمين الطلاق على أي أحد أنه بسهولة يستجيب لطلبي كونه يعلم أن يمين الطلاق مش لعبة”، على حد تعبيره، ومعظم من أحلف عليهم الطلاق “لن يرضوا أن أطلق زوجتي”.الاختصاصي النفسي د. خليل العبيدي ، يقول “في مجتمعنا الذكوري، وعند بعض الأزواج يكون التهديد بالطلاق ممارسة يومية عند كل صغيرة”، متابعا “قد يلجأون لهذا الأسلوب في أي لحظة انفعال حتى ولو كان غير مبرر، وأكثر الانفعالات عند هؤلاء الأزواج غير مبررة”، وفق العبيدي ، الذي يرى أنها “وسيلة ضغط لفرض أوامره قسرياً على زوجته ليمنعها من فعل شيء لا يرغبه، أو يفرض عليها أمرا لا ترغبه هي”.ويضيف “الغريب أن التهديد بالطلاق يكون في أغلب الأحيان لهفوات ومشاكل بسيطة لا تستدعي نطق تلك الكلمة وترديدها بين الحين والآخر لما لها من آثار نفسية مؤلمة عند الزوجة”.ويبين أن هذا السلوك يعبر عن “ضعف” في شخصية الزوج حتى وإن كانت مجرد عادة سارية على لسانه، فهو يتمسك ويهدد بأبغض شيء كي يجد التجاوب من زوجته، مع أن هناك طرقا كثيرة ومتعددة تمنع وقوعهما في فجوة عاطفية كبيرة بسبب هذا التهديد.الزوجة أم ماهر (42 عاما)، قالت بعد تنهيدة طويلة “زوجي غير مهتم على الإطلاق بي من ناحية حلف يمين الطلاق على الفاضي والمليان”، متابعة “إن جاءنا ضيف أراد أن يكرمه يقول له علي الطلاق غير تتغدى عندي”.وتضيف “في إحدى المرات حلف على أحد الضيوف بذلك، فرفض الضيف الدعوة بسبب يمين الطلاق، وعاتبه على ذلك، وما كان من زوجي إلا أن قال علي الطلاق لن أكرمه بعد اليوم”.
وكذلك حال الزوجة فدوى البدري، التي تقول “إن الحياة الزوجية هي حياة مقدسة، والزوج حينما ينتهك هذه القدسية بحلفه يمين الطلاق على الرايحة والجاية، فإنه بذلك ينتهك حق الله وزوجته وأسرته”.
وتابعت، أن الله أكرمها بزوج على خلُق، لكن لسانه أحيانا يزل بالحلفان بالطلاق، وتقول “لا أخفيكم أنه حينها أشعر بضيق كبير يكاد يفقدني صوابي والثقة التي بيني وبينه، فأنا لست في البيت من أجل الخدمة والمزاج فقط، إنما أنا أم وربة بيت يجب أن تحترم وتقدر ويراعى شعورها”.وكذلك حال السيدة  أم سرمد، التي تقول “زوجي لا يحلف إلا بالطلاق ولكنه يفعل عكس ما حلف من أجله، مثلا أطلب منه الذهاب إلى مكان ما فيرفض، أو أطلب منه شراء شيء ما من السوق فيمتنع وعندما ألح عليه بالطلب يثور ويغضب ويحلف بالطلاق أنه لن يفعل، وعندما تهدأ ثورة عصبيته يندم على غضبه ويتراجع عن كلامه ويسمح لي بالذهاب ويشتري لي الحاجة التي طلبتها منه”.
من جهته، يذكر استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان، أن الطلاق في الأصل شرعه الله سبحانه وتعالى “كحل أخير” لبعض المشكلات التي يستعصي حلها إلا بانتهاء الحياة الزوجية بشكل نهائي وبعد استنفاد الحلول الأخرى كافة، وذلك نظرا لأهمية الحياة الزوجية وأهمية الأسرة وضرورة الحفاظ عليها واستمراريتها ونجاحها.
وينوه سرحان إلى أن من التفوه بالطلاق باستمرار ومن يستسهل هذا اللفظ فنجده يكرره أكثر من مرة في اليوم ولأتفه الأسباب باعتباره أسهل الألفاظ على لسانه، هو شخص “مستهتر يتناسى عظم هذا الأمر وخطورته من الناحيتين الشرعية والاجتماعية”، متابعا “من الناحية الشرعية قد يقع هذا الطلاق بدون علم الزوجة وتصبح محرمة عليه في حين أنه مستمر في معاشرتها”.ويضيف “ومن الناحية الاجتماعية، فإن في ذلك “استهانة” و”استخفافا” بالحياة الزوجية ذات القداسة والاحترام و”تقليلا” من شأن الزوجة، التي كرمها الله سبحانه وتعالى، وجعل من ميثاق الزواج ميثاقا (غليظا) كما وصفه الله تعالى، وعلى مثل هؤلاء الأشخاص مراجعة أنفسهم والتوقف عن استخدام لفظ الطلاق وعدم اللجوء إليه وتعويد أنفسهم على ذلك نظرا للخطورة الكبيرة التي قد تترتب على وقوع الطلاق، فهو مدمر الأسرة ويشتت أفرادها، والأكثر خطورة أن يقع الطلاق بدون علم الزوجة وتساهل الزوج، والأكثر من ذلك أن بعض الشباب وهم غير متزوجين يكررون هذا اللفظ باستمرار؛ حيث تعودوا على سماعه من آبائهم أو المقربين إليهم، مما يفقد هذه الألفاظ المعنى المراد منها”.ومن جهته، يوضح السيد  احمدعبد الرحمن “ امام جامع “، :”أن الزواج ميثاق غليظ يجب إحاطته بالعناية والاحترام وعدم تعريضه لهزل أو مزاح أو تعريضه لأمور عبثية، ومن هنا يجب صيانة الزواج صيانة تامة لأنه تتعلق فيه حقوق زوجة وأبناء، ولا يتوقف على أمر شخصي للزوج، فالطلاق جُعل حتى يكون حلا لإنهاء حالة غير توافقية بين الزوجين”.ويلفت عبد الرحمن : إلى أن الطلاق بالذات إذا عبر عنه الزوج بنية، فإنه “يقع سواء كان مازحا أو جادا”، ولذلك لا يجوز تكراره؛ لأن النتائج ستكون حقيقية وجادة ويترتب عليه إنهاء رابطة مقدسة، والفرق بين يمين الطلاق والطلاق أن الأول “اتخذ الطلاق كأنه يمين لإلزام أي طرف، فهنا شرعا لا يقع الطلاق، وإنما لا بد من تكفير اليمين إذا وقع مثلا (علي الطلاق لا تروحي للسوق) ويتراجع عنه بذهاب الزوجة، فشرعا يطالب بكفارة اليمين”.ويتابع “إذا كان الزوج يوقع الطلاق بنية ويكرر ذلك له طلقتان، وإن تكرر عليه مراجعة القاضي الشرعي، فقد تكون محرمة عليه الزوجة، ويجب حكم القاضي أو المفتي فلا يجوز التساهل بتكرار الطلاق”.
ويضيف “حتى لو كان الطلاق على شكل يمين، فإنه يضعف العلاقة الزوجية وتشعر الزوجة بأنها لا تعني شيئا للزوج”، وكذلك تأثيره النفسي على الأولاد، فيشعرون بـ”انزعاج وتهديد، وقد ينتقل هذا الأمر السيئ للأبناء ويتخذونه في المستقبل وهذه مشكلة كبيرة”.

التعليقات معطلة