المستقبل العراقي/متابعة
“قطيعة بسبب عدم تلبية دعوة حفلة الزفاف”، بهذه الكلمات لخصت الثلاثينية شيماء منذر موقف إحدى صديقاتها التي لم تستطع حضور حفل زفافها، رغم محاولاتها المتكررة في إبداء الأسباب وتبرير الموقف.
تقول “أعلم تماما أهمية تأدية الواجبات الاجتماعية سواء مع الأهل أو الأصدقاء، وأضع نفسي في الموقف ذاته”، مضيفة “صديقتي امتنعت عن المجيء لحفل تخرج شقيقتي الصغرى، ولم تبادر حتى بالاعتذار”.
وتتابع “للأسف انشغالي بمهام ومسؤوليات عديدة جعلني أقصر تجاه أشخاص كثر، منهم الأقارب والأصدقاء، وهذا لا يتماشى مع شخصيتي وطباعي، وعليه قررت مجاملة الآخرين في مناسباتهم الاجتماعية حتى لا أخسر المزيد منهم”.
رغم التطورات الضخمة التي شهدها عالم الاتصالات والمواصلات والتي وفرت الجهد والوقت الكبيرين للعديد من الأشخاص مقارنة بالعقود الماضية، إلا أن فئة كبيرة من المجتمع تتعذر عن التواصل بعدم وجود الوقت الكافي لأداء الواجبات الاجتماعية أو مشاركة الآخرين مناسباتهم؛ مثل حفلات الزفاف والنجاح والتخرج، العودة من الحج، زيارة المريض، المشاركة في بيت العزاء وغيرها.
ولعل امتناع البعض عن أداء هذه الواجبات يعود، وفق مختصين، لـ”توفير النفقات واختصارها لكثرة المتطلبات المعيشية”، لذا فإن غيابها يؤثر على علاقات أبناء المجتمع و”ينذر بالتفكك الاجتماعي”.
وتشتكي السيدة أم فؤاد من تخلف زوجها عن أداء واجباته الاجتماعية تجاه الأقارب، وتذكره دوما بأهمية تأدية الواجبات الاجتماعية تجاه الأقارب ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.
تقول “رغم أن أوضاعنا المالية ليست جيدة، إلا أنني أبادر بتأدية بعض المناسبات الاجتماعية بمفردي وتقديم اللازم، وتبدأ إحاطتي بالسؤال والملامة، لماذا لم يحضر أبوسهيل، وأختلق لهم أحد الأعذار، لكنها أصبحت غير مقنعة لأنها تكررت أكثر من مرة”.
خبير التراث كمال لطيف سالم ، يبين أن الحياة تتسارع بوتيرتها المطلبية وتغير الأساليب والأنساق الاجتماعية في التغيب مع الدخل، فالدخل الاقتصادي يؤثر على أداء هذه الواجبات، بالإضافة إلى أن الإنسان الأردني غير كثيرا من عاداته تجاه الواجبات بسبب تغير النمط المعماري.
ويضيف، أن تراخي الأجيال الجديدة تحت ضغط الحياة عن الالتزام بهذه الاجتماعيات كالواجبات المتصلة (بالأفراح والأتراح)، وقد استجدت أعداد كثيرة بسبب وجود الثورة التكنولوجية الخاصة بالاتصالات والمواصلات، فقد اكتفى الكثير مما كانوا يلتزمون بإحياء هذه الواجبات عيانا بأنهم وجدوا في الإنترنت والهواتف جسورا للعبور لأداء هذه الواجبات بشكل سريع.
قديما، كانوا يقولون عن الواجبات الاجتماعية بما يتعلق بالأتراح “كل شيء قرضة ودين حتى الدمع في العين”، وفق سالم ، وكذلك الأمر في الأفراح، وتغيرت أنماط الواجبات واكتفوا بالقليل منها، فاستبدل الاحتفال بالعرس لمدة أسبوع بيوم واحد لتحصيل (النقوط).
ويقول “نحن بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من العادات التي تثقل كاهل الناس في الزمن الحاضر بسبب كثرة المتطلبات المعيشية وتراجع الدخل عن تحقيق شيء من هذه الواجبات، فالكثير من شباب اليوم أعادوا النظر لمثل هذه المسائل”.
أكرم منصور (36 عاما)، يقول “في ظل ازدياد مشاغل الناس وتواجدهم لساعات متواصلة خارج المنزل وخصوصا في مواقع العمل، لا بد وأن يقلص وقتهم ويحد منه لإنجاز العديد من الواجبات الاجتماعية”.
منصور يحاول التغلب على ضيق الوقت بتنظيم وقته وعمل برنامج للمناسبات؛ حيث يضرب مثالا على ذلك أنه استطاع تنظيم وقته لتأدية خمسة واجبات اجتماعية باليوم ذاته، منها استقبال أخيه في المطار ومشاركة صديقه أفراحه في يوم زفافه، وحضوره في جاهة ابن الجيران، واصطحاب والدته للمستشفى حتى تتلقى العلاج اللازم، وأخيرا معاونة عديله في الرحيل.
يقول منصور “شعرت بضغط كبير في ذلك اليوم، لكنني لا أستطيع التخلف عن القيام بأي منها”، مشيرا إلى أن الذين يتهربون من واجباتهم الاجتماعية “عليهم ألا ينتظروا من الآخرين المجاملات أو مشاركتهم في الأفراح والأحزان”.
ويرى مصعب الجبوري (26 عاما) أن موقع “فيسبوك” أسهم في تخفيف ضغط الواجبات الاجتماعية عنده، فبعد أن كانت مهمة أداء الواجب تستغرق منه ساعات فإنه أصبح الآن يقضيها بدقيقة أو دقيقتين عن طريق إرسال رسالة أو الكتابة في صفحة صديقه الشخصية أو أحد أقاربه.
يقول الجبوري “هذه الوسيلة لا تروق لوالدي الذي يؤكد أنها تضعف العلاقات الاجتماعية وتزيلها، كما أنه يوبخني لامتناعي عن مرافقته في أداء المناسبات الاجتماعية من حفلات زفاف أو اجتماع أفراد العائلة في الديوان أو تقديم التعازي للأقارب”.
ويلفت استشاري الاجتماع الأسري د.مفيد سرحان، إلى أن نجاح الإنسان يقيم بقدرته على إدامة الاتصال والتواصل مع الآخرين، وإن كان “واجبا شرعيا ومطلبا اجتماعيا” ضمن دائرة الأسرة والأرحام، فإن الإنسان “يؤجر عليه ويثاب ويحاسب على تركه”.
ويضيف سرحان “قد تكون الخلافات الأسرية وعدم القدرة على التعامل معها وحلها سببا في ضعف العلاقات والقطيعة في بعض الأحيان، وأيضا التباعد الكبير في السكن مما يصعب الاتصال الشخصي بين الناس، وهنا لا بد من التواصل عبر وسائل الاتصال الأخرى كالهاتف والإنترنت وغيرها”.
هناك بعض الناس يمتنعون عن أداء الواجبات الاجتماعية بسبب ضعف الإمكانات المادية، وفق سرحان، وهذا يؤدي لعدم التواصل مع الآخرين، وهنا لا بد من التأكيد أن العلاقات الاجتماعية يجب أن تتم بأقل التكاليف وأن نبتعد عن المغالاة.
ويبين أن هناك أثرا سلبيا على الأبناء بكل الأحوال بغض النظر عن السبب في ذلك، لفتور العلاقة أو انقطاعها، فالأصل أن يكون الآباء قدوة حسنة لأبنائهم، ويعلموهم على التواصل مع الآخرين وخصوصا الأرحام والأقارب.