Feature

  المستقبل العراق/ ترجمة: رحيم شامخ
أولئك الذين يتذكرون ذلك اليوم الربيعي من سنة 1995 في الموصل عندما كان الطلاب الجامعيون من كلا الجنيسين يتنزهون سوية حيث تشاهد بنات الموصل بلا حجاب سيصاب بالذهول للتغيير الذي طرأ على المدينة بحلول العام 2002 قبل الاحتلال بسنة حيث اصبح عدم ارتداء المراة للحجاب داعيا للتشهير بسمعتها. ان معرفة كيف تحولت الموصل الى مدينة محافظة يكشف لنا عن جوانب من سيطرة الإسلاميين عليها منذ ذلك الوقت.
فمع بداية العام 1990 اصبح للإسلاميين حضوراً واضحاً في مدينة الموصل مستثمرين الغضب الشعبي إزاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق والإحباط من نظام البعث. 
وقد شكل الأطباء الأثرياء والصيادلة والتجار المناصرون لفكر الاخوان المسلمين الكادر الرئيسي منهم. ولم تكن العقوبات الاقتصادية مؤثرة على هؤلاء المتدينين الميسوري الحال لكن اطلاق صدام حسين لـ(الحملة الايمانية) والتي اشتملت على تدريس القرآن في المدارس وانشاء الجامعة الإسلامية بدا هو الوقت المناسب لمحاولة فرض نفوذهم. 
لقد وفرت حملة صدام الايمانية لكسب تاييد المعسكر الديني لمناصري الاخوان المسلمين منبرا جديدا. وكان واضحا أن الإسلاميين كانوا يشكلون تنظيماتهم ويكسبون الناس اليها وكان الكثيرون يتساءلون عن سر غض صدام النظر عنهم وتاييده بشكل غير مباشر لنشاطاتهم التي كانت تشمل شراء وتوزيع احذية وكتب مدرسية لابناء الاسر الفقيرة التي انهكتها سنوات العقوبات الاقتصادية.
فليس مما يثير الدهشة ان يعتبر كثير من الناس هؤلاء الاسلاميين بمثابة بصيص أمل في الأوقات الصعبة، الذين عملوا أيضا على تعزيز علاقاتهم بالطبقات الراقية من المجتمع الموصلي. حيث قام الإسلاميون ببناء المساجد الخاصة ذات الطرز الحديثة المكلفة كما قاموا بتنظيم رحلات حج الى مكة المكرمة الامر الذي اثار غضب بعض الفئات الاجتماعية في المدينة واعتبروه مجرد تبذير للاموال يراد به الرياء والتفاخر.
وفي الوقت نفسه كان خطاب هؤلاء الإسلاميين موجها ضد القيم المدنية مساويا بينها وبين القيم الغربية اللاأخلاقية. وإذ كان كل ذلك يجري تحت غطاء الحملة الايمانية المستمرة والمدعومة بالكامل من صدام فقد بدت هذه الاجندة كانها تحظى بموافقة النظام. وعلى الرغم من ان هؤلاء المناصرين للاخوان المسلمين لم يكونوا من أعضاء حزب البعث لكنهم اعرضوا بمكر عن توجيه أي انتقاد للحزب الحاكم. بالرغم من انهم في اجتماعاتهم الخاصة كانوا يردون تدهور أحوال الدول العربية والعراق الى ان حكوماتهم لم تكن إسلامية.
وعندما اخذ تأثيرهم ينمو ويتعزز ابتدأوا بالمرحلة الثانية من خطتهم وهي شن حرب ثقافية ضد كل من ليس اسلاميا وذلك من خلال الانتقاد والتشهير بسلوكياتهم.
وكانت لائحة المحرمات تشتمل على عدم حضور صلوات الجمعة التي كانوا يقيمونها، والاختلاط بين النساء والرجال والملابس التي لا تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية وعدم الاتفاق معهم على ان الحكم الإسلامي هو الخيار الوحيد للتقدم في الموصل وفي العراق. وكانوا يتهمون من لا يقوم بهذه الأمور بانه اما ملحد او متغرب او بعثي.
وعند سقوط نظام البعث كان معظم العراقيين متفائلين بحذر على الرغم من ان مستقبل بلدهم بدا غير واضح. ولكن بحلول منتصف العام 2003، أخذت الأمور منحى مختلفا. فقد شاهدت ما يقرب من 500 امرأة تقودهم الدكتور سامية محمود وهي طبيبة أمراض نساء معروفة، يرددن هتافات إسلامية أمام عجلة همفي أمريكية ولم تكن احتجاجاتهن موجهة ضد الاحتلال الأمريكي، ولكن ضد امراة كردية ليبرالية كانت لها علاقة مع الامريكان. وكان الشعار الذي تردده الطبيبة ومن معها (لا اله الا الله، لا، لا للتغريب).
وفي الوقت الذي كانوا يشنعون فيه على أي علاقة مع المحتلين الامريكان، كانوا هم انفسهم يتسابقون للفوز بتمثيل العرب السنة في المجالس البلدية التي شكلها الامريكان. كما ان العديد من الإسلاميين الذين كانت لهم مكانة محترمة بين أهالي الموصل كانوا يسعون للاستيلاء على المناصب الإدارية المهمة في مؤسسات التعليم العالي فيها. 
وفي حركة دالة على الدهاء السياسي وقف الإسلاميون ضد إعادة تعيين البعثيين الى المؤسسات المهمة بالرغم من ان هؤلاء قد تم استثناؤهم من قانون اجتثاث البعث وكان يحق لهم العودة الى مناصبهم لكن الإسلاميين عارضوا ذلك بقوة. وانني لاتذكر قول احد أعضاء الحزب الإسلامي لتسويغ معارضته لأستاذ من جامعة الموصل: (إن الشيعة سيصوتون لصالح الشيعة، والأكراد سيصوتون لصالح الأكراد، ولكن أهل السنة قد يصوتون لصالح هذا الأستاذ).
كان هذا النهج المثير للسخرية والطائفي يحمل في داخله تناقضات عديدة كامنة في استراتيجية الإسلاميين وهي حاجتهم للعمل مع الحكومة الجديدة في بغداد ومع قوات التحالف وفي الوقت نفسه قيامهم بالترويج لخطاب حزبي ضد (النفوذ الفارسي) ورفع شعارات (مقاومة) الاحتلال الأمريكي. 
وقد وجهت حملة قاسية ضد النساء، فعلى سبيل المثال كتب إسلامي معروف قصة في منتصف التسعينيات مفادها ان على المراة اذا تعرضت للاغتصاب ان تتحول الى انتحارية وتفجر نفسها ضد الكفار.
كل ذلك كان في الماضي القريب اما الان فكما يشير كثير من اهل الموصل الى ان دائرة التطرف قد اخذت تكمل دورتها مع احتلال الموصل من قبل تنظيم داعش – النسخة الأكثر تطرفا من الإسلاميين _ والذي أعتبر حتى أعضاء الحزب الإسلامي كافرين.
(رشا العقيدي)

التعليقات معطلة