إدوارد لوس 
من الشائع في الولايات المتحدة النظر إلى فرنسا على أنها أمة تتلاشى. لكن مذبحة الأسبوع الماضي في باريس ذكرت الأمريكيين بالأمور التي يعتبرونها قيمة في حليفهم الأقدم. صحيح أن فرنسا تعاني بطالة حادّة وقطاعا عاما مُتصلّبا، لكنها تظل حليفاً انتقائياً للولايات المتحدة، بدلاً من تبني أسلوب الحليف الثابت على غرار بريطانيا. غير أن تعاملها الفعّال مع الهجوم على المجلة الساخرة “تشارلي إبدو” – والطبيعة الرمزية للهدف – أثار شيئاً في الحمض النووي في أمريكا. ظهرت كلمة “التضامن” باللغة الفرنسية على غلاف مجلة “نيويوركر” على خلفية رسم كرتوني يصوّر برج إيفل على شكل قلم رصاص – صدى بارع للعنوان الرئيسي في صحيفة “لوموند” بعد أحداث 11 / 9 “كلنا أمريكيون”. الشعار “أنا تشارلي”، ربما يكون مبالغاً فيه. لكن هذه المأساة أظهرت تعاطف أمريكا الكامن مع فرنسا. الأمر المؤسف أكثر هو أنه لم يتمكن أحد من كبار المسؤولين في الولايات المتحدة من حضور مظاهرة الوحدة يوم الأحد في باريس.
نظرة المحافظين الجُدد لفرنسا أنها أمة “قردة خاضعين يأكلون الجبنة”، مع أنها نظرة حديثة العهد، إلا أنها أصبحت الآن ذكرى. لكن دروس غزو العراق تبدو ذات صلة أكثر من أي وقت مضى. في عام 2003 كان كثير من الأمريكيين ينظرون إلى فرنسا على أنها شخص ضعيف الإرادة يحاول استرضاء حكّام العالم الثالث المستبدين – كان صدام حسين آخرهم. بعض من هذا كان صحيحاً. الفرنسيون لديهم وازع قليل في التعامل مع أنظمة البلطجية عندما يكون هناك ربح يمكن تحقيقه. لكن فرنسا – وألمانيا – وقفت ضد غزو العراق (للكويت) من حيث الشكل والمضمون. لكن بعد وقوع الأحداث بزمن نعرف الآن أنهما كانا يتمتعان ببعد نظر. والتاريخ سوف يعامل جاك شيراك بطريقة ألطف من توني بلير. إلى جانب ذلك، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تملكان تاريخا في تسليح الحكام الأقوياء الخاصين بهم – في إحدى المرات تضمن ذلك صدام. وسواء كنت تنظر إلى النضال ضد فاشية الإسلاميين على أنه حرب، أو عملية شرطة دولية، فإن الفرنسيين يفعلون بعض الأشياء بشكل صحيح. الرعب في الأسبوع الماضي يُذكرنا أن قيم التنوير عالمية – وفرنسا تبقى واحدة من مواطنها الأقوى. بعض المعلقين أشاروا إلى النقص غير المبرر للذوق في “تشارلي إبدو”. يقولون إن المجلة كانت استفزازية بلا هوادة. إنه نقد عادل. لقد صنعت مجلة “إبدو” لنفسها سمعة من خلال إهانة الأشخاص من المعتقدات كافة، ومن بينهم المسلمين. لكن النقد يخلط بين الدفاع عن حرية التعبير وبين مضمونه. قال فولتير: “أنا لا أتفق مع ما تود أن تقوله، لكني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله”. يُقال إن الفيلسوف أدلى بهذه الملاحظات في عام 1766 بعد أن أعدمت الدولة الفرنسية أحد البارونات بتهمة التجديف – دنّس الجاني صليبا وبصق على صور دينية. النظرة العالمية للفيلسوف هي السائدة الآن. اليوم، مثل هذه المواد من الأرجح أن تكون معروضة في أحد معارض الفن في باريس. لا أحد مُلزما بأن يُحب مجلة “إبدو”، لكن نحن جميعاً الآن من أتباع مذهب فولتير.
لقد التزمت فرنسا بالعلمانية بشكل أكثر صرامة من أبناء عمومتها في الولايات المتحدة. رسومات المسيح غير مرحب بها في الصفوف الدراسية في فرنسا بقدر الحجاب الإسلامي. بعض المسلمين المدافعين عن حقوق المرأة يجادلون بأن هذا يؤدي إلى نتائج عكسية – ارتداء الحجاب يُشجّع الفتيات من الأُسر المحافظة على الخروج إلى العالم. لكن فرنسا تفرض المبدأ بإنصاف. في أجزاء من الولايات المتحدة، مثل تكساس، المنهج يُدرّس أن الإله المسيحي هو مؤلف الحرية الأمريكية. وهذا بعيد للغاية عما كان يؤمن به معظم الآباء المؤسسين (…) لقد كان ذلك قريباً من الإلحاد بالقدر الذي سمح به العصر.
اليوم، القليل من السياسيين في الولايات المتحدة قد يجرؤون على الاعتراف بالإلحاد. ووفقاً لوكالة بيو، 2.4 في المائة فقط من الأمريكيين يقولون عن أنفسهم إنهم ملحدون. لكن الإيمان لا يُكافأ سوى بشكل انتقائي في الولايات المتحدة.
كذلك فرنسا ليست مترددة في ردها على تهديد الإسلاميين. فمع نتائج متباينة، قادت الحرب ضد ليبيا في عهد معمر القذافي – الرئيس باراك أوباما اكتفى بالقيادة من الخلف. كما أخذت المبادرة لقتال تمرد الإسلاميين في مالي، إلى جانب أنها الأكثر تشكيكاً من بين الثلاثة في الاتحاد الأوروبي في نظرتها إلى طموحات إيران النووية – بريطانيا وألمانيا أقل تشدداً.
هناك كثير من المتشككين في العالم الناطق باللغة الإنجليزية ممن يشيرون إلى استعداد فرنسا لدفع فدية لمحتجزي الرهائن المرتبطين بالقاعدة في شمال إفريقيا وأماكن أخرى. وهم قلقون أيضا من تصاعد موجة العداء للسامية – عدد قياسي من اليهود الفرنسيين ينتقلون إلى إسرائيل. علاوة على ذلك، المسلمون البالغ عددهم خمسة ملايين في فرنسا هم من بين الأقل اندماجاً في أوروبا. حزب الجبهة الوطنية اليميني المتشدد برئاسة مارين لو بين، سوف يكسب الدعم بلا شك بعد أهوال الأسبوع الماضي. مهما كان رد الفعل الذي سيحدث، إلا أنه سيعمل على تشجيع المزيد من المسلمين الفرنسيين على الانضمام إلى تمرد “داعش”، وهذا جدول مريب آخر تتصدره فرنسا. لكن هذه مخاطر تشترك فيها فرنسا مع الولايات المتحدة. فقد قام أوباما، بنفور واضح لكن دون خيار يذكر، بجمع تحالف خاص يهدف إلى “إضعاف وفي النهاية تدمير” أحدث تهديد من الشرق الأوسط. هذا المرة تشارك فرنسا، إلى جانب بريطانيا، عن طيب خاطر. اثنان من الإرهابيين الذين نفذوا عملية “إبدو” تلقيا تدريبا لدى القاعدة في اليمن. ولا بد أن آخرين تعلموا أساليب جديدة من “داعش”. وعلى الأرجح ستكون مسألة وقت قبل أن تحاول إحدى المجموعات شن هجوم آخر على الأرض الأمريكية. اليوم، كما في القرن الثامن عشر، فرنسا والولايات المتحدة متشابهتان كأنهما توأم. كل منهما يعتبر نفسه مميزا بصورة خاصة، لكن ما يجمع بينهما يتجاوز مواطن الغرور القومية. حين تكون فرنسا على اتفاق تام مع الولايات المتحدة، يكون هناك أحيانا تناغم في تاريخهما.

التعليقات معطلة