إيزابيل ويلكرسون
في أيام 2014 الأخيرة، غزا سيل من المحتجين على عنف الشرطة الأميركية محطة النقل المركزية وأغلقوا جسر بروكلين وطريق بحيرة شور في شيكاغو. وعلا صوتهم وهم يغنون ويهتفون: «آي كانت بريث» (لا استطيع التنفس)، وعلت أصواتهم من بوسطن الى أوكلاند، واستحضرت اطياف مسيرات مرحلة الحقوق المدنية وذكرى هجرة عدد كبير من الافارقة الاميركيين الى مدن الغرب والشمال الاميركي الكبرى. وانضمت عشرات المدن الى هذه التظاهرات.
ولا شك في أن أيام التظاهرات الاولى وحالات عنف الشرطة في الاشهر الاخيرة، رسمت خريطة مصب الهجرة (النزوح) الكبرى: نيويورك وشيكاغو وكليفلاند وسان لويس، وفيلاديلفيا وواشنطن ولوس انجليس وأوكلاند. فهذه المدن استقبلت اجيالاً من الافارقة الاميركيين الهاربين من العنف المكرس في قوانين ولاياتهم، وهي تضوي اليوم المتحدرين منهم والذين يواجهون العنف في الشمال والغرب. ومنذ ما قبل الحرب الأهلية الأميركية، اتجهت الانظار الى الجنوب الاميركي كمركز الضيم العرقي والظلم. ولكن الشمال الاميركي، وهو لم يضطر في السابق الى التعامل مع عدد كبير من السكان السود، يجبه أخيراً تناقضاته: رفع لواء مبادئ التعايش المتنورة والتمسك باللامساواة العرقية. والتظاهرات هي في مثابة ناقوس يدق لتنبيه الناس الى ان المشكلة ليست في الجنوب البعيد بل تحت أنفهم. «الأجواء تذكر بأجواء الجنوب في الخمسينات»، يقول المؤرخ تايلور برانش.
وموجات الهجرة الكبرى هي وراء انتشار الافارقة الاميركيين في كل ولايات الاتحاد الاميركي. وفر 6 ملايين جنوبي أسود من قوانين جيم كرو (نظام تمييز عرقي وفصل عنصري) بدءاً من الحرب العالمية الاولى صولاً الى السبعينات. وطلب المهاجرون اللجوء السياسي في كنف بلدهم نفسه. وحركة اللجوء هذه كانت أبرز التظاهرات الجماعية ضد الافتقار الى العدالة.
وفي مطلع القرن العشرين، ساد نظام كاست (نظام طبقي عنصري في هذا المعرض) في الجنوب الاميركي. وبلغ القمع مبلغ سحل افريقي – اميركي كل أربعة أيام جزاء على تجاوزات بسيطة او اتهامات سخيفة على غرار سرقة 75 سنتاً أو مجامعة بغل. وحملت هذه الظروف كل عائلة سوداء على التفكير في سبيل العيش في أمان وحرية. «إلى أين العزم؟ أين نشعر بالأمان الذي يشعره الآخرون»، تساءلت سيدة سوداء في ألاباما في 1902. ولكن، بعد أجيال، تردي الشرطة كل أسبوع افريقياً – اميركياً عقاباً على تجاوزات بسيطة. والنسبة هذه أعلى بثلاثة أضعاف من نسبتها في اوساط البيض. وفي حالة تامير رايس، ابن الاثني عشر عاماً الذي اطلق عليه الشرطي النار بعد ثوانٍ على وصوله الى متنزه كليفيند، يظهر شريط فيديو نشر أخيراً ضباطاً يصارعون شقيقة الفتى التي تكبره بعامين ويطرحونها أرضاً ويكبلون يديها ويحولون دون اقترابها منه وهو ينزف ويلفظ أنفاسه الأخيرة. ومثل هذه الحوادث تحمل العائلات السود على التساؤل عن سبل حماية أولادهم من العنف الصادر عن جهات رسمية يفترض بها حمايتهم. ويعيد الأكبر سناً التعليمات نفسها التي كررها اسلفاهم على مسمع جيل الابناء: «قل نعم سيدي، لا سيدي والتزم الحذر في التعامل مع ابناء الطبقة الاعلى والشرطة».
وما يغفله كثر من الاميركيين أن الحادي الى النزوح الداخلي كان، شأن حركة الهجرة من الخارج الى أميركا، الرغبة في الحرية والتوق إلى «تنفسها» والرغبة في الانتخاب وكسب لقمة العيش والفرص وحيازة الاشياء. وتعود المشكلات اليوم في الشمال الاميركي الى النقمة على وصول السود الجنوبيين الى مناطق الشمال وعرقلة اندماجهم في متن الحياة الشمالية. وجُمع الواصلون السود في حارات مكتظة من طريق حظر اقامتهم في مناطق معينة وإضرام النار في المنازل التي يبتاعها السود خارج «مناطقهم» وينتهكون جدار الفصل الرمزي والراسخ في الواقع. وعلى خلاف المهاجرين الاوروبيين، لم يسِع الافارقة – الاميركيين التخفف من ماضيهم الأليم والثقيل المفترض والاندماج من طريق تعديل اسمائهم تعديلاً «يؤمركها». وهم في اعين البيض ابناء العبودية ونظام جيم كرو.ولم ينقطع سيل الهجرة الى الشمال، وتواصلت فصوله في السبعينات بسبب سوء الأوضاع في الجنوب الاميركي. وحين بدأت موجة الهجرة كان 90 في المئة من الافارقة – الاميركيين يعيشون في الجنوب، وحين انتهت صار نصف الافارقة – الاميركيين يعيشون في مكان آخر ويتوزعون في كل الولايات. والشمال هو مسرح أبرز حوادث الشرطة العنيفة الاخيرة. وفي الجنوب، حوكم شرطيان أطلقا النار على سود غير مسلحين بالسجن.ويبدو ان الطريق نحو العدالة الاجتماعية لا يزال طويلاً. ولكن الجنوب الاميركي بعد عقود من لفظ تاريخه، بدأ يجبه اللاعدالة. واليوم الشمال الاميركي، بعد عقود من زعمه انه أكثر عدلاً وإنصافاً، مدعو الى مكافحة العنصرية واللاعدالة. ولا يخفى ان الهجرة الكبرى غيرت وجه الثقافة الاميركية، وولدت من رحمها موسيقى الجاز وموتاون ومسرحيات وولَّدت أدباء، وساهمت في تغيير الجغرافيا الاجتماعية في كل مدينة خارج الجنوب. وخلاصة حوادث العام الماضي هي أن تحديات لون البشرة والقبيلة ليست من ذكريات قرن أفل، ولا تقتصر على منطقة من دون غيرها، بل هي مشكلة وطنية وتقتضي أن تتصدى الامة الاميركية مجتمعة لها.

التعليقات معطلة