د. خيام الزعبي
باتت تركيا اليوم مقراً للجهاديين القادمين من شتى الأصقاع، فهناك من يستقبلهم وينظم إقامتهم وترتيبات انتقالهم في أماكن معروفة للجميع، وكان من السهل على كل شخص يمر على المعابر في الجانب التركي أن يرى هؤلاء الجهاديين والمقاتلين منتظرين ختم الخروج من تركيا بالطريقة الشرعية، في ظل غض الطرف التركي عنهم، فهذه الرؤية ليست جديدة، ولكنها عادت بقوة من جديد لتطفو على السطح بعد أن شكل دخول حياة بومدين، صديقة أحد منفذي “هجمات باريس”، إلى تركيا، ومن ثم العبور إلى سورية، مثار جدل واسع عن التساهل التركي في عبور المقاتلين الأجانب إلى سورية، وفي إطار هذا تواجه تركيا إدانات واتهامات بأنها دعمت داعش منذ نشأته، كما أن الأجهزة الأمنية التركية لم تعمل على منع تدفق المتشددين الراغبين في الانضمام إلى التنظيم الذي يسيطر على مساحات واسعة من سورية والعراق.
بدأت وسائل الإعلام الغربية في الأيام الأخيرة بنشر وثائق خطيرة عن دور تركيا في الأزمة السورية وعلاقتها بداعش، وذلك انعكاساً للخلاف الحاصل بين إسرائيل وتركيا، كما تناولت صحيفة التايم البريطانية تقريرا صحفيا، يتحدث عن جهادي بريطاني ينتمي إلى داعش وموجود في سورية، كاشفاً عن علاقة تركيا والمسؤولين الأتراك مع التنظيم بالوقائع من خلال تجربته الشخصية وما حصل له في تركيا. وأهم ما جاء في التقرير هو التفاصيل التي كشف عنها هذا البريطاني والمتعلقة باحتجازه مع زملائه الآخرين من رجال داعش في تركيا، وطبيعة العلاقة بين التنظيم وتركيا، والمعاملة التي حظي بها هو وزملاؤه من المسؤولين الأتراك في تلك الفترة.
من الواضح ليس هناك سياسة تركية واحدة تجاه دول المنطقة، بل سياسات متعدّدة، وذلك تبعاً لمصالحها، ولم يعد سراً على الإطلاق أن تركيا دعمت وأرسلت المسلّحين المتطرفين إلى سورية، بهدف إسقاط الرئيس الأسد ولتحقيق مكاسب سياسية وإستراتيجية، ولم يكن ظهور تنظيم داعش بهذه القوة مفاجئاً، إنما يرجع تمكنه من السيطرة على معظم المناطق في سورية والعراق إلى دعم الاستخبارات الغربية وحلفائها في المنطقة، فبعد تشكيل التحالف الدولي بقيادة أمريكا لمحاربة داعش، رفضت أنقرة المشاركة العسكرية في هذا التحالف، مفضلة استخدامها كورقة ضغط لتحصل على المزيد من المكاسب. ورغم إقرار البرلمان التركي توسيع تفويض الجيش لشنّ عمليات عسكرية خارج الأراضي التركية، تمنّعت أنقرة عن المشاركة العملية في التحالف، واضعة شروطاً على مشاركتها، أهمها إسقاط النظام السوري، وفرض منطقة عازلة وحظر جوي على الحدود السورية ـ التركية، بالمقابل لم تلقَ هذه الشروط تجاوباً لدى واشنطن التي أرادت انضواء تركيا الكامل في التحالف من دون شروط، لذلك مضت تركيا في أجندتها الخاصة فيما يتعلق بدورها من الأزمة السورية، وليس خافياً على أحد أن هناك مشكلة جدية بين أنقرة وبقية الدول في التحالف لناحية الرؤية والأهداف، فأنقرة تريد أولاً إسقاط الرئيس الأسد، فيما تعلن دول التحالف تركيزها في الحدّ من خطر داعش.
في إطار ذلك نرى أن تنظيم داعش بدأ ينتشر بشكل متزايد ومتسارع يمكنه من حشد مقاتلين ذوي ميول سلفية في أوروبا أو مختلف دول العالم بسرعة كبيرة، كما أن المقاتلين المنضوين تحت رايته يعتبرون أكثر تدريباً ومهارة في استخدام الأسلحة والذخيرة قياساً للتنظيمات الاخرى، فهذا التنظيم استطاع أن يقلب فرنسا رأساً على عقب من خلال بضعة إرهابيين. لذلك من المحتمل جداً أن يتحول داعش إلى فيروس سرطاني ينتشر في جسد تركيا إذا ما نشطت خلاياه النائمة، فتركيا كانت قد فتحت ممرات مساعدات لحزب العمال الكردستاني، وبهذا فقد تحولت إلى هدف مباشر لداعش، وقد أصبح ممر كوباني خطراً كبيراً بالنسبة لتركيا التي يجب أن تفكر في حماية أمن أراضيها كونها جارة لتنظيم إرهابي لديه القدرة على تنفيذ العمليات الإرهابية الكبيرة في مختلف دول العالم.
من هنا لا بد لتركيا أن تستعد للعمليات الانتقامية التي سينفذها داعش في مناطقها، إذ أفاد تقرير لأجهزة الاستخبارات التركية بأن حوالي ثلاثة آلاف شخص يقيمون علاقات مع تنظيم الدولة الاسلامية، وحذر من مخاطر وقوع هجمات ضد مصالح غربية في البلاد، ما اعتبره مراقبون ضريبة لدور تركيا الضبابي في الحرب على الإرهاب وتحفظها على مقاتلة الدولة الإسلامية. والتقرير الذي نشرته صحيفة حرييت، يدعو الى مراقبة متنامية لهؤلاء الآلاف بهدف معرفة الدور المحدد لكل منهم. وتابع التقرير من جهة أخرى أن إنذاراً شديداً أرسل الى الأجهزة الأمنية محذراً من هجمات محتملة ضد سفارات دول غربية يشنها جهاديون من تنظيم داعش في غمرة الهجمات الدامية التي وقعت في باريس، وهنا يمكنني القول إن تركيا التي تعد معبراً للمتشددين نحو سورية بدأت تستشعر حجم الخطر الذي ينتظرها في ظل تحول أراضيها الى مرتع لمناصري الدولة الإسلامية، وهو ما يهدد أمنها واستقرارها بشكل واضح، وبالتالي فإن تركيا مهما تقدم من مساعدات للمتطرفين فان الخطر يحيط بها لأن الارهاب لا يستثني أحداً، واذا ما انتهت المصالح فستنطلق شرارة الدم في البلاد. والأمثلة كثيرة؛ ففي السادس من كانون الثاني نفذت شابة في اسطنبول هجوماً انتحارياً أدى الى مقتل شرطي، كما أحبطت الأجهزة الأمنية في وقت سابق مخططاً إرهابياً يستهدف مدناً وشخصيات تركية، عن طريق خلية نائمة تتبع التنظيم المتطرف، والذي اعترف أعضاؤها بتلقيهم تدريبات عسكرية في معسكرات التنظيم في سورية والعراق، كما أطلق مجهولون قذيفة صاروخية على مبنى حكومي يضم مركز الشرطة والمجمع السكني والمبنى الإداري لبلدة جيزرة التابعة لمحافظة شرناق بجنوب شرقي تركيا، وقد أعلن وزير الخارجية التركي أوغلو في وقت سابق أن 700 مواطن تركي يقاتلون في صفوف تنظيم داعش، محذراً من مخاطر وقوع هجمات داخل تركيا في حال عودتهم إليها.
لاشك في أن تنفيذ داعش لهجمات إرهابية داخل الأراضي التركية يعتبر أمراً أسهل بكثير من تنفيذه عمليات مشابهة في فرنسا.تركيا تدخل دوامة الإرهاب، ويبدو أنها عالقة في شباك الصراعات الإقليمية والدولية في كل من سورية والعراق. لذلك من المحتمل أن تغير مسارها في مكافحة التنظيمات الإرهابية بعد هجمة باريس، ويجب ألا نفاجأ إذا اتخذت أنقرة سياسة حذرة وأكثر دقة إزاء داعش والتعامل مع سورية وذلك لتقوية موقفها الدولي في الحرب على الإرهاب في الأيام المقبلة. الحرب الدولية على الإرهاب تظل قاصرة ما لم تضع أطرافها في حسبانها العامل التركي، فتركيا هي الرئة التى تتنفس منها الجماعات الإرهابية وتحصل على الدعم الذي هو عامل قوة كبير بالنسبة لهذا الجماعات، بل يمنحها الاستمرار. لذلك نأمل من تركيا كدولة إقليمية وإسلامية أن تبقى في إطار الإقليم لتعزيز روابط العلاقات مع أمتنا العربية، وبالضرورة يجب على أمتنا العربية أن تكون لها إستراتيجيتها حتى تستطيع مواجهة الإستراتيجيات والمؤامرات التي تحاك ضدها.