المستقبل العراقي/ رحيم شامخ
توفي العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز فجر يوم الجمعة 23 كانون الثاني 2015 تاركا لخلفه الملك سلمان بن عبد العزيز ارثا ثقيلا من المشاكل المعقدة ومستقبلا مفتوحا على احتمالات شتى ومملكة يحيط بها الخصوم من كل جانب من جنوبها وشرقها وشمالها ومن داخلها!
فعلى الحدود الجنوبية للمملكة وقبل يوم واحد فقط من تتويج الملك الجديد سيطر الشيعة الحوثيون في اليمن على مقر الحكومة واقالوا رئيس وزراءها كرها واستقال رئيسها خوفا بعد ان بسطوا سيطرتهم على معظم محافظات البلاد الشمالية مواصلين زحفهم تجاه ما تبقى منها الذي هو ليس الا مسالة وقت لا اكثر. الامر الذي اثار هلع السعوديين الذي وصفوه بانه يمثل (تهديدا وجوديا) لهم. وإذ كان هذا يمثل نصرا اخر لعدوهم اللدود ايران التي أضحت يوما بعد يوم تستحوذ على مزيد من المناطق التي كانت تعد قلاعا حصينة بالنسبة للسعوديين وتحكم الطوق الذي يحيط بالمملكة من اليمن الى البحرين الى العراق وسوريا ولبنان. وإذ كانت المملكة في عهد ملكها الراحل وبمساعدة من الدول الخليجية الأخرى وضغط من الولايات المتحدة الامريكية قد فشلت في استعادة قبضتها على جارها الجنوبي من خلال مقتضيات المبادرة الخليجية فان هذا الامر سيكون وزرا ثقيلا على الملك الجديد ويضع قدراته على محك الاختبار منذ اليوم الأول.والى الشرق من المملكة يمثل الصراع في البحرين بين الأكثرية الشيعية من السكان والعائلة المالكة في البحرين ووجود جزء من الجيش السعودي تحت عنوان درع الجزيرة لحماية النظام هناك تحديا اخر لايقل خطورة سواء في تهديده لاستقرار أنظمة الحكم الملكية في المنطقة او لجهة اتصاله بالمنطقة الشيعية في شرق المملكة والتي لم يهدا الحراك الشعبي فيها منذ العام 2011 الا تحت الضغط والتهديد بقوة السلاح لكن جمرته ظلت مشتعلة تحت الرماد وقد تتاجج في أي لحظة قادمة خصوصا في ظل الحكم بالاعدام على قائد الحراك الشيعي هناك الشيخ نمر النمر الامر الذي من شانه اذا نفذ ان يطلق العنان لانتفاضة في مناطق شرق المملكة وقد تمتد الى أجزاء أخرى حيث الشيعة الاسماعيليون في الجنوب والحركات الليبرالية المطالبة بالإصلاحات الجذرية والتي اخذت تشتد ويزداد تاثيرها من خلال تحريكها للراي العام الدولي ومنظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني وناشطي الحقوق المدنية. ان تجدد المظاهرات في البحرين في الوقت الراهن على خلفية اعتقال الشيخ علي سلمان زعيم المعارضة البحرينية دلالة واضحة على فشل الإجراءات العسكرية التي تبنتها للسعودية في معالجتها لملف حقوق الانسان والمطالبة بالإصلاحات السياسية في البحرين الامر الذي يضعها في موقف لا تحسد عليه فان هي دفعت جارتها الى مزيد من الإصلاحات فسيدفع هذا شيعتها الى المطالبة بالمثل وان أصرت على المضي في طريق الحل العسكري فستكون له تداعيات خطيرة تؤثر بالنتيجة على الوضع الأمني في المنطقة الشرقية المتوتر أصلا. هذا فضلا عن التكاليف الباهظة التي تتحملها السعودية لدعم الاقتصاد البحريني الذي يرزح تحت تاثير انخفاض أسعار النفط العالمية والذي هو المورد الوحيد لهذه المملكة الصغيرة.اما الى الشمال فلم تستطع السعودية على مدى اكثر من ثلاث سنوات وبرغم حجم الانفاق المالي والعسكري لدعم الجماعات المسلحة ان تحسم مسالة اسقاط الرئيس السوري بشار الأسد. بل يبدو على العكس ان الأمور تجري في الاتجاه المعاكس وان موازين القوى في المنطقة بدا يميل لمصلحة بقاء النظام. الامر الذي يعد اكبر انتصار يحققه عدوها اللدود ايران على جبهة المواجهة الإقليمية بين البلدين للسيطرة على دول المنطقة وفرض الهيمنة والنفوذ عليها. ان تخلي إدارة الرئيس الأمريكي أوباما عن مبدا اسقاط نظام الأسد وقبولها بالتسوية السياسية للازمة في سوريا يعد نكسة كبيرة للسياسة السعودية في المنطقة الهادفة الى قطع الجسر الواصل بين ايران وحزب الله في لبنان ليتسنى لها ترتيب البيت اللبناني لصالح القوى الحليفة لها وفرض شروطها السياسية عن طريق اضعاف الطرف الرئيس في المعارضة اللبنانية – حزب الله.وفي الشمال الشرقي هناك العدو الأكبر ايران الذي تناصبه المملكة العربية السعودية العداء في سياق الصراع التقليدي بينهما للسيطرة على المنطقة. خصوصا بعد الخطوات التي اتخذها الرئيس الأمريكي أوباما للتقارب مع ايران سواء لجهة تمديد المفاوضات بشان ملفها النووي لمدة ستة اشهر أخرى او لمنع الكونغرس الأمريكي من فرض أي عقوبات جديدة عليها او لعدم معارضة مشاركتها في محاربة تنظيم داعش في العراق او تقديم الدعم والاسناد للجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي. ان الانتصارات التي تحققها القوى الحليفة لإيران في المنطقة يمثل احدى الملفات التي لها الأولوية امام الملك الجديد لما تمثله من انتكاسة للاستراتيجية السعودية التي قادها الملك الراحل لفرض هيمنتها على القرار السياسي لدول المنطقة باعتبارها الممثل الوحيد للعالم الإسلامي.ان الانخفاض غير المسبوق في أسعار النفط والذي قادته المملكة أواخر السنة الماضية يمثل تهديدا اخر للملكة على المدى البعيد خصوصا في ظل العجز الذي تشهده الميزانية السعودية لأول مرة في تاريخها الذي يبلغ اكثر من ثلاثين مليار دولار والاستحقاقات المالية الهائلة التي تترتب على دعمها وتبنيها لسياسات بعض الدول في المنطقة والتي أهمها الالتزام بدعم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ماليا بما يتضمنه ذلك من التزامات مالية ضخمة في ظل التدهور الكبير للاقتصاد المصري نتيجة لقطع موارد السياحة المصرية والتي هي الشريان الرئيسي الذي يغذي اقتصاد البلاد. إضافة الى الدعم الذي تقدمه لدول موالية لها كالباكستان والبحرين فضلا عن الدعم المالي والعسكري للجماعات المسلحة في ليبيا وسوريا. كل هذا سينعكس على الاقتصاد السعودي ومستويات دخل الفرد فيها في ظل الاحصائيات المتوفرة حاليا والتي تشير الى ارتفاع مؤشرات البطالة فيها علما ان الاحصائيات تشير الى النسبة العالية للشباب بين سكان المملكة والذي يبلغ اكثر من 47 %. ان استنزاف الاحتياطي السعودي الذي يبلغ ما يقارب الثمانمائة مليار دولار لتغطية هذه الاستحقاقات سينعكس على المدى الطويل على امنها الداخلي والذي يستند كثيرا في استقراره على نوع من الرفاهية المتحققة بفضل العوائد المتاتية من صادرات النفط. لكن الخطر الأهم الان الذي يتربص بالمملكة يأتي من شمالها وداخليها في وقت واحد ذلك هو تمدد تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا وكسبه المزيد من الاتباع سواء في هذين البلدينالمحاددين للمملكة او من مختلف انحاء العالم. ولم يكن الهجوم الأخير الذي قام به تنظيم داعش الأسبوع الماضي على الحدود السعودية الا دليلا واضحا على التهديد الحقيقي الذي يمثله هذا التنظيم للمملكة خصوصا في ظل تسرب معلومات عن تعاون عناصر من القوات المسلحة السعودية مع التنظيم في تدبير هذا الهجوم الذي يعيد الى الاذهان التهديد الذي اطلقه زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي ضد السعودية بعد أيام قلائل من احتلال التنظيم الإرهابي لمحافظة الموصل. وتظهر استطلاعات الرأي تأييدا متزايدا للتنظيم الإرهابي بين الشباب السعودي الامر الذي يشكل تهديدا خطيرا للعائلة المالكة التي تستمد شرعيتها بشكل خاص من التاييد الذي تحظى به بين رجال الدين. ان الحفاظ على تاييد رجال الدين في السعودية خصوصا المحافظين منهم المتمثلين في هيئة كبار العلماء يعد رهانا كبيرا امام الملك الجديد الذي تظهره التسريبات الإعلامية بوصفه رجلا محافظا على العكس من سلفه الذي يعد الى حد ما رجل اصلاح وفقا للمعايير المحلية في المملكة. ان الحفاظ على استقرار المملكة وابعادها عن حركة التغيير التي عصفت بالمنطقة اثر انطلاق ثورات الربيع العربي منذ العام 2011 يعد الهدف النهائي لاستراتيجية المملكة في المنطقة بوصفه الضمانة الاكيدة لاستمرار نظام الحكم الملكي فيها المستند الى الملكية المطلقة التي ترفض أي إصلاحات سياسية او تغييرات دستورية في نظام الحكم يمكن ان يؤدي على نحو ما الى تقليص الصلاحيات المطقة للملك والخوف ان يجر ذلك الى تداعيات خطيرة يصعب السيطرة عليها. ان ادامة اشعال الصراعات خارج حدود المملكة يعد احدى السياسات المهمة للملكة في الحفاظ على استقرار الحكم فيها وتجنيبها المصير الذي يتربص بها. ان نجاح المملكة في الخلاص من المصير الذي خيم عليها عقب انطلاق ثورات الربيع العربي قد تم من خلال تشويه هذه الثورات وربط أي توجه للمطالبة بالتغيير السياسي ومزيد من الحريات والحقوق السياسية بالعنف المنفلت والإرهاب الذي اطلقته قوى هي في الأصل مدعومة من المملكة في وقت ما لتحقيق مصالح سياسية. ويبقى على الملك الجديد ان يدرك عدم جدوى هذه السياسة على المدى الطويل وان الاجدى هو عدم استغفال الشعوب واحترام مطالباتها بحرية التعبير والمشاركة السياسية وإدارة ثروات بلدانها. ان هذه السياسة التي تسير عليها المملكة سوف لن تؤدي الى الغاء المطالبة بالتغيير السياسي والدستوري بل ستؤجلهما فقط.ولكن واقع الامر وطبيعة المعلومات المتحصلة عن شخصية الملك الجديد لا تنبئ بإمكانية حصول أي تغيير ذي أهمية سواء على مستوى السياسة الداخلية فيما يتعلق بالحقوق والحريات او على مستوى السياسة الخارجية في اتباع سياسة بديلة تقوم على تهدئة الأوضاع في المنطقة وتحسين العلاقات مع دول الجوار كأساس لاستقرار المنطقة.ان ما يزيد من تعقيداتالمرحلة القادمة هو ان الملك الجديد نفسه متقدم في السن – 79 سنة – كما انه يعاني من المرض وقد سبق له ان اجرى عمليات جراحية في السابق وقيل انه يعاني من الخرف وغير قادر على التركيز. وهذا إضافة الى وجود خلافات تحت السطح بين الافراد الكثيرين للعائلة المالكة خصوصا مع تعيين ولي لولي العهد الجديد الامر الذي سيشكل مرحلة جديدة يتم فيها انتقال السلطة من الأبناء الى الاحفاد وهؤلاء لكثرتهم وطموحات بعضهم يمكن ان يكونوا احد أسباب القلق للمطلعين على بواطن الأمور في المملكة.