رحيم شامخ
استحوذت التطورات الدراماتيكية التي يشهدها اليمن على اهتمام الاعلام العربي والعالمي وبشكل خاص منذ يوم الثلاثاء الماضي لدى بدء محاصرة السلحين الذين ينتمون الى جماعة انصار الله الرئيس اليمني عبد ربه منصور.
وتاتي أهمية احداث اليمن من كونها ساحة أخرى للصراع بين القوى الإقليمية والعالمية في المنطقة الى جانب الساحات الأخرى كسوريا والعراق وليبيا من جهة ولان الاحداث فيها تتسارع بشكل مخيف تبدو كل الأطراف عاجزة عن إيقافه او حتى تغيير اتجاهه. هذا إضافة الى ان الساحة اليمنية ازدادت أهميتها بعد الهجوم الذي تعرضت له صحيفة شارلي ايبدو الفرنسية لكون الهجوم تم بتخطيط وتمويل من تنظيم القاعدة في اليمن الذي تواصل الولايات المتحدة حربها للقضاء عليه منذ سنوات عبر الطائرات المسيرة بالتعاون الاستخباري مع الحكومة اليمنية.
وتتعرض حركة انصار الله الى تشويه كبير في الاعلام العربي وخصوصا الخليجي منه من خلال تصويرها كمليشيا تاتمر باوامر ايران وتسعى الى تنفيذ اجندتها في المنطقة. ما يعطي صورة مشوهة عن حقيقة ما يجري في اليمن وعن طبيعة التدخلات الإقليمية في شؤونه الداخلية وخصوصا من قبل الدول الخليجية كالسعودية والامارات وصورة مشوهة أيضا عن العوامل الداخلية التي أدت الى زعزعة الاستقرار في اليمن بما فيها المطالب الشعبية والفئوية ودور العوامل الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي للمواطنين في هذا الصراع.
فمن هم الحوثيون؟ وماذا يريدون؟
الحوثيون هم قبيلة يمنية من السادة الاشراف الهاشميين تدين بالمذهب الزيدي وتمثل العائلة التي ينتمي اليها عبد الملك الحوثي زعيم جماعة انصار الله المعروفة إعلاميا بالحوثيين مراجع الزيدية الدينيين الذين لعبوا دورا كبيرا في الحفاظ على الهوية الدينية للزيدية بعد ان كادت تذوب في الإسلام السني الشافعي الذي يمثل مذهب الأكثرية من اليمنيين والإسلام السلفي الوهابي المدعوم من قبل السعودية. يعيش الأكثرية من الحوثيين في صعدة وهي مدينة جبلية تقع على بعد 242 كم من صنعاء العاصمة. تعرض الحوثيون الى ظلم واقصاء وتهميش بعد سقوط حكم الائمة الزيدية الذي حكم اليمن طوال اكثر من الف سنة في 26 أيلول 1962. واتهم الحوثيون بمحاولة احياء حكم الامامة في اليمن بالرغم من نفيهم ذلك في اكثر من مناسبة. وقد تعرض الحوثيون وسكان صعدة من الزيدية الى التهميش والاقصاء والظلم بشكل خاص في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح على الرغم من انه هو نفسه كان زيديا لكنه قام بتشجيع الجماعات السلفية والوهابية في اليمن لبث الفرقة والطائفية في اليمن بغرض احكام سيطرته وللحصول على الدعم المالي السعودي. وقد برز التحريض الطائفي ضد الحوثيين بشكل خاص في العام 1979 لدى عودة رجل الدين السلفي الوهابي مقبل الوادعي الى اليمن بعد ان قضى سنوات في السعودية وأسس برعاية من علي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر المستشار العسكري للرئيس ودعم من السعودية مدرسة سلفية في صعدة معقل الزيدية سماها دار الحديث وهي مدرسة سنية حنبلية وهابية كما ساعدته حكومة علي عبد الله صالح للسيطرة على المساجد والمنابر والمدارس الحكومية في المناطق الزيدية وكان في الوقت نفسه يحصل على دعم خارجي كبير من السعودية لبناء المساجد والمدارس والمراكز. واطلق الوادعي حملة تكفيرية ضد الحوثيين من خلال الكتب والخطب واشرطة الفيديو واتهمهم بالخروج عن الإسلام ووصفهم بانهم اهل بدعة ودعاهم الى الرجوع الى الإسلام. وكان الحوثيون في ذلك الوقت في اضعف حالاتهم ولم يبدا نشاطهم الحقيقي الا بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 وبداية الانفتاح السياسي لليمن فاسس الحوثيون منتدى الشباب المؤمن ومن ثم حزب الحق لكن هذا الحزب لم يحقق نتائج جيدة في الانتخابات البرلمانية نتيجة للانشقاقات التي حدثت فيه وانضمام كثير من اعضاءه الى حزب المؤتمر الشعبي (حزب عبد الله صالح).ابتدا الحراك السياسي لجماعة الحوثيين بعد غزو العراق عام 2003 حيث استنكروا موقف الحكومة اليمنية المؤيد للغزو. وهذا ما جعل الحكومة اليمنية تنقلب مرة أخرى ضد الحوثيين وتعود الى تشجيع الجماعات السلفية والوهابية ضدهم. وبدا معارضة الحوثيين لصالح تتضح يوما بعد يوم وشن ضدهم الحرب الأولى عام 2004 التي قتل فيها زعيمهم حسين بدر الدين الحوثي. لكن لم تكن تتوقف حرب ضد الحوثيين حتى تبدا أخرى حتى بلغت سبعة حروب، شاركت في احداها السعودية بشن غارات جوية ضدهم سنة 2009. وبعد كل حرب كان الحوثيون يزدادون قوة وانصارا وتمكنا من خلال انضمام كثير من الناس المتضررين من سياسات التهميش والفقر الحكومية خصوصا في مناطق صعدة ومناطق شمال اليمن. وبعد نشوب ثورات الربيع العربي عام 2011 كان للحوثيين الدور الأبرز فيها والذي أدى في النتيجة الى تخلي علي عبد الله صالح عن الحكم وفقا للمبادرة الخليجية وتاسست بموجبها الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة عبد ربه منصور هادي.
وكان دخول صنعاء من قبل الحوثيين في شهر أيلول من السنة الماضية بعد رفع الحكومة للدعم عن أسعار المنتجات النفطية بمثابة استعراض للقوة المتصاعدة لهذه الحركة التي بدات محلية وتصاعدت واشتدت قدراتها بفعل ازدياد التاييد الشعبي لها وتبنيها لمطالب وطنية عامة غير فئوية وكرد فعل من الشعب اليمني على التدخلات السعودية في شؤونه الداخلية. وقد نفى الحوثيون وخصوصا من خلال خطب زعيمهم الشاب عبد الملك الحوثي أي نية لهم بإقامة امامة زيدية في اليمن او أي حكومة دينية متاثرة بالنموذج الإيراني بحسب ادعاءات الحكومة اليمنية بقصد تشويه صورتهم امام المجتمع اليمني والدولي بقصد الحصول على مساعدات من السعودية والدول الغربية. ويعارض الحوثيون الدستور اليمني الجديد الذي يدعو الى تشكيل ستة أقاليم يمنية لما يعتبرونه شرعنة لتقسيم اليمن. كما انهم يعتقدون ان الحكومة الانتقالية الحالية غير قادرة على تحقيق الأهداف التي رفعتها الجماهير في انتفاضة 2011 بسبب بقاء البرلمان اليمني القديم الذي يسيطر عليه حزب علي عبد الله صالح (المؤتمر الشعبي) وحزب الإصلاح السلفي. ويعتقد الحوثيون ان الوقت الراهن هو افضل فرصة للقضاء على التهميش وإقرار العدالة لتشمل جميع أبناء الشعب اليمني بما فيهم الحوثيون الذي لا يوجد أي ممثل لهم في الحكومة الحالية.
اذا كان هناك من عبارة تنطبق على وصف الصراع في اليمن فهي العبارة الشهيرة (لا يوجد في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة) حيث يتبادر الأصدقاء والاعداء الأدوار من وقت لاخر، السعودية التي كانت في الستينيات من اشد المدافعين عن نظام الامامة الزيدي هي الان من اشد أعداء الحوثيين الزيدية، وعلي عبد الله صالح الذي كان صديقا للسعودية هو الان عدوها اللدود وصديقا مقربا من الحوثيين. لا دائم الا المصالح اما أصحاب المبادئ فلهم الله.