المستقبل العراقي/متابعة 
– أصيبت السيدة أم بشار بصدمة كبيرة إثر تدهور الظروف المادية لأسرتها المكونة من ثلاثة أطفال بأعمار مختلفة، فكان نتيجة هذه الأزمة المالية شعورها بالغضب والعصبية والإنكار بداية وإحساسها بسواد الحياة.
تقول “وقفت مع نفسي وأعدت حسابات، ونظرت إلى الأمور من حولي، فأصبح زوجي عصبي المزاج وأنا كذلك، وتساءلت كيف يمكننا تنظيم حياتنا بعد هذا الخلل الذي طرأ في حياتنا، فهناك صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد”.
وتضيف “قررت الاقتراب من زوجي أكثر بالود والهدوء، ومساعدته في مشاكله المادية بتقليل الطلبات المادية قدر المستطاع، وتحاورنا في كيفية التأقلم مع الوضع الجديد، فالمهم هو وجودنا وبقاؤنا مع بعضنا بعضا”.
إن الأسرة نواة المجتمع تنشأ فيها العديد من المشاكل، ومنها بسبب الأوضاع المادية المتردية التي تحل بالعائلة فجأة، فالأسرة المثالية هي التي تحافظ على بقائها وتتغلب على محنتها، والبعض الآخر يسودها التوتر والاضطراب بين الزوجين والأبناء، مما يؤدي إلى انهيار الأسرة وتفاقم الخلاف بينهما وحلول الكراهية وأحيانا الطلاق.
أما إسماعيل وضاح (38 عاما) فكانت الظروف المادية سببا في انفصاله عن زوجته، التي أحبها قبل عامين وتم الزواج بعد محاولات كثيرة في إقناع الأهل بسبب الفروق المادية الكبيرة بين العائلتين.
ويقول “قبل الزواج أخبرت (طليقتي الآن)، بوضعي المادي، وكيف ستكون حياتنا المستقبلية، ووافقت على مشاركتي الحياة بحلوها ومرها، وكانت تقول إن المال ليس كل شيء”.ويضيف “بعد الزواج كثرت المشاكل بسبب الظروف المادية الجديدة التي لم تستطع التكيف معها، وتدخل عائلتها أسهم أيضا في تصعيد الخلافات التي أدت للطلاق، وبعد هذه التجربة لن أتزوج بفتاة إلا من بيئتي المادية نفسها”.وفي هذا الصدد، يشير الاختصاصي النفسي خليل أبو زناد، إلى أن الضغوطات النفسية بسبب الظروف المادية ذات تأثير سلبي على النفس البشرية، وردود فعلها متنوعة.
ويضيف “حينما تكون الضغوطات فوق طاقة الفرد، لا يستطيع التكيف الإيجابي معها لمواكبة متطلبات حياته الآنية والمستقبلية، فإن آثارها النفسية ترتد عليه سلبيا، متمثلة بالشعور بالقلق والإحباط النفسي، أو الشعور بالعجز والتذمر والعصبية”.
ولهذا القلق تأثير على نواح جسدية كثيرة، بحسب أبو زناد، وأغلب أعراضه النفسية الصداع، والمغص، وضيق النفس، واضطراب المعدة والقولون العصبي، ويسارع الأغلبية بالذهاب للطبيب للكشف عن المرض، ويقومون بعمل الفحوصات المتعددة، والسبب الحقيقي في هذا القلق هو سوء الأوضاع المادية.
وبسبب الظروف المادية الصعبة، اضطرت الخمسينية أم ماجد للانتقال من منزل كبير تتوفر به مختلف وسائل الراحة إلى شقة صغيرة تكاد لا تكفي أفراد أسرتها، فلم تكن متهيئة لهذا التغيير المفاجئ، ولم تعرف كيف ستتكيف وأسرتها مع الوضع الجديد الذي طرأ عليها.
واجهت أم ماجد الكثير من الصعاب، فلم يتقبل أبناؤها الأمر، وكثرت المشاكل داخل العائلة، وحاولت إقناع أبنائها بالتأقلم مع الوضع الجديد، فليس منه هروب، وتمكنت وزوجها من التفكير بإحدى الوسائل التي تدر عليهم دخلا جيدا.
تقول أم ماجد “أكثر ما أزعجني في الأمر هو عدم مصارحة زوجي لي بأزمته المالية منذ البداية، وخسارته الكبيرة في العمل، فحاول أن يعالج المشكلة، لكنه لم يتمكن، وقمنا ببيع جميع أملاكنا لسداد الدين”.
يشير أستاذ علم الاجتماع ، مجد الدين خمش، إلى وجود معيار اجتماعي ضابط هو معيار التماثل أو التكافؤ الاجتماعي بين الشخصين أو الشريكين، وإذا كان هناك عدم تماثل أو تكافؤ فتضعف العلاقة الاجتماعية ويقل الانسجام بين الشركاء بأي علاقة من العلاقات.
ويضيف “ففي حالات الزواج، يجب أن يكون تكافؤ اقتصادي متعلق بالدخل والمستوى المعيشي، لذا فإن الاختيار محكوم بهذا المعيار وهو الذي يوجهه، وفي حالات نادرة وغالبا لا تنجح يكون الانسجام صعبا بين الطرفين، للاختلاف الكبير في النظرة للأمور واهتمامات الحياة، وينجم عنه النفور والخلافات”.
ويرى خمش أن بعض الأشخاص الذين يعملون في التجارة أو في إحدى الشركات يتعرضون للخسارة أو الإفلاس، وبالتالي يتغير المستوى المعيشي لديهم، وعليهم التكيف معه والتأقلم فيواجهون صعوبات متعددة، لكن عليهم محاولة بناء حياة جديدة والفرص متاحة.
ويصف الأربعيني أبو صبري، أن تغير الأوضاع المالية للأسرة يقلب الأمور رأسا على عقب، وهذا ما حدث لعائلته بعد تردي أوضاعه المالية، واضطر وزوجته وطفلاهما للسكن مع والديه بالمنزل ذاته.ويقول “لم تستطع زوجتي التأقلم مع الوضع الجديد، مع العلم أنني أخبرتها أنها فترة مؤقتة وسوف ننتقل بعدها للعيش بمنزل مستقل، وكثرت المشاحنات بينها وبين والدتي، وقررت حينها استئجار منزل حتى لا أخسر إحداهما”.تؤكد الاختصاصية الأسرية والمرشدة التربوية سناء أبو ليل، أهمية الفكر السليم لدى الأسرة وتنشئة الأبناء عليه، فلا يعلم الإنسان ماذا يحدث غدا، فمثلا إذا اعتادت الأم من قبل على وجود عاملة منزل، فيجب عليها إذا تعرضت لأزمة مالية أن تربي أبناءها على تدبير أمورهم بأنفسهم، أو أن يعلموا أنه ليس بإمكانهم شراء الألبسة الفاخرة كما كان عليه الوضع من قبل.ويستطيع الإنسان الواقعي التكيف والتأقلم مع أنماط الحياة المختلفة، حسب أبو ليل، فنراه ينجز ويبدأ ويشحن طاقته من جديد في العمل، وكذلك الزوجة يمكنها تجاوز هذه الأزمة بالحوار والبحث عن الأسباب والحلول، حتى لا يحدث انشقاق بين أفراد العائلة إثرها.وتشير أبو ليل إلى ضرورة القناعة في الحياة، فالأيام تدور ولا تبقى كما هي، إذا سعى الإنسان واجتهد، فيرضى بما هو موجود لأن الرضا مفتاح السعادة، ويتعاون مع أفراد الأسرة كافة لتجاوز الأزمة، فالبعض يقف أمام المشكلة بدون حلها، ويدخل بأمراض نفسية متعددة.

التعليقات معطلة