Pdf copy 1

    المستقبل العراقي/متابعة
 
«الحياة مدرسة»، هكذا يتردّد على لسان الكثيرين ممّن يعتقد أنهم اختبروا الحياة بمواقفها وتجاربها إلى حين أعلنوا بأنهم «تخرّجوا في مدرسة الحياة». اليوم، لم تعد هذه المقولة مجرّد نظرية، وإنّما تحوّلت إلى واقعة ملأت الفراغ الذي كان مصدر النطق بها.
نعم، هناك بالفعل «مدرسة الحياة» أما شعارها فهو بناء «أفكار إيجابية لحياتنا اليومية».هذه الطاقة الإيجابية التي تسعى مدرسة الحياة لنشرها، تلمسها منذ اللحظة الأولى التي تطأ قدمك بابها. من منّا لم يتساءل يوماً كيف يجد المهنة التي يحلم بممارستها؟ كيف يطوّر علاقته بالآخر؟.كيف يجعل الحب يدوم ويستمر؟ كيف يفهم الماضي ولا يدعه يؤثر على الحاضر؟ كيف يغذّي علاقات الصداقة؟ كيف يحافظ على هدوئه في مختلف المواقف التي تواجهه؟ كيف يطوّر قدرته على الفهم والاستيعاب؟ إلى حدّ التساؤل كيف يمكن أن يغيّر العالم ويوجّهه نحو المسار الأفضل؟
أسئلة كثيرة ترتبط بحقيقة وجوده في هذه الحياة والواقع الذي يعيشه، حقيقة هذا الصراع الخفي بين ما يمتلكه من قدرات ذاتية قد تكون مخفية وما يمكن أن يقدّمه لوطنه. أسئلة وجودية وكونية تطرح على مقاعد مدرسة الحياة على مدار ثلاث ساعات،  يتمّ خلالها إقامة نقاشات بين الطلاب والأستاذ من جهة، من خلال عرض آراء في الموضوع (محور الحصة) وعرض صور تعنى بالموضوع، ومقتطفات فيديو لأشخاص اهتمّوا في هذا الموضوع، ويشاركون في عرض تجربتهم، ونقاشات ما بين الطلاب أنفسهم من جهة أخرى. ثلاث ساعات يقوم خلالها الاختصاصيون من مجالات مختلفة بتقاسم تجربتهم مع الآخر، ومساعدته لاكتشاف قدراته الذاتية من جهة، وكيفية إدارة ذكائه العاطفي من جهة أخرى، بشكل فردي وجماعي في آن واحد. ثلاث ساعات تفتح الباب أمام كل شخص آمن بفكرة دخوله إلى مدرسة الحياة لإيجاد الجواب الذي يلبّي هدفه المرجوّ. وعليه، لا تسعى هذه المدرسة إلى طرح أفكار مركّبة، ولا إلى إعطاء جواب موحّد، وإنّما وضع الشخص على السكة التي تحفّزه لاستخلاص الجواب الذي ينبع من ذاته مباشرة، مهما كانت ثقافته الدينية، والسياسية والاجتماعية.  وهنا يوضّح الأستاذ جيروم فريزيرا مولي أنّه يسعى من خلال الصفّ الذي يديره «كيف نجد المهنة التي نحلم بها؟» إلى مساعدة الشخص في إقامة التوازن بين العقل والقلب، وأن يسمح أيضاً لمشاعره في مشاركته أيّ قرار، مضيفاً: «في المدرسة بمفهومها الأكاديمي كما في المؤسسات، يتمّ التركيز على العقل، أمّا في مدرسة الحياة، فنحن نسعى إلى جعل العاطفة إحدى الركائز في تحديد خياراتنا. فالإنسان كائن بشري وليس آلة ميكانيكية». هكذا تبدو مدرسة الحياة بوصلة، توجه حياة كل من يقصدها نحو المسار الذي يضمن له نمطاً إيجابياً في الحياة؛ كي لا يبقى كائناً تائهاً في طرقات الحياة اللامحدودة. وهذا ما نستشفه من خلال آراء بعض الطلاب، فإيمانويل، وهي سيدة في الثامنة والثلاثين من عمرها، ومديرة في إحدى المؤسسات الباريسية، سبق وشاركت في عدة صفوف منها: «كيف نقيم محادثات بطريقة أفضل؟» «هل يجب أن نبقى وحدنا أم في علاقة مع شريك؟»، «كيف نحافظ على استمرارية الحب؟». وقد وجدت أنّ الدروس إيجابية وفعالة، كذلك بالنسبة للجوّ الذي تصفه بالإيجابية «نخرج من الصف ونحن مبتسمون». هذا وأكّدت إيمانويل أنّ الأجوبة ليست مركّبة، وإنما نحاول استخلاص الأجوبة بذاتنا؛ استناداً إلى شروحات الأساتذة المبنية على ثقافة شاملة، سواء بعلم الاجتماع أو الفلسفة أو حتى الروحانية حول أسئلة تتعلّق بالوجود والكونية. وهو الأمر الذي اعتبرته إيمانويل من الوسائل المهمة في إضفاء غنى ثقافي، وعدم الشعور بالذنب، ويفسح المجال أمامنا للانطلاق نحو آفاق أوسع في مجال التطور الذاتي وفرص العمل. هذه هي «مدرسة الحياة»، التي جاءت لتظهر أنّ فكرتها لم تأت من العدم، هي بالتأكيد لن تكون المدينة الفاضلة في العصر الحالي، وإنما هي هيكل تربوي، ونموذج لمركز علاجي يحاول من خلاله الطاقم الإداري والتعليمي تحفيز الطالب؛ للتطلّع إلى الحياة بنظرة إيجابية، وتغذية منطقه بأفكار إيجابية مهما كان انتماؤه الديني، أو السياسي أو الاجتماعي. ولربّما يأتي اليوم الذي تصبح فيه هذه المدرسة، التي أطلقها الفيلسوف السويسري آلان دو بوتون عام 2008 في لندن، وذاع صيتها في بلدان عديدة، منها باريس في نيسان/ 2014، لعلها تصبح هي النموذج الذي يجب أن تسعى الدول العربية لوضع خطة عمل لاستيراده؛ من أجل استثمار كل طاقات أبنائها الإيجابية، وتحدّ بذلك من هجرة الأدمغة التي تُفقد البلاد رأسمالها الحقيقي، ألا وهو أبناء الوطن الذين هم أبناء الحياة. فبمجرد أن نهيّئ الإنسان ليكون قائداً ناجحاً لحياته، فإنّنا بذلك نبني وطناً ناجحاً، تحكمه القرارات الصائبة والتخطيط الإيجابي.

التعليقات معطلة