Pdf copy 1

المستقبل العراقي/  توماس كنتلوب وبيير بيشو
يعد أمرا غريبا أن تتشدق دول مثل فرنسا والولايات المتحدة بتنظيرها للحرية ودفاعها عن حقوق الإنسان على الرغم من علاقاتها الوطيدة مع النظام الذي يرتكب مثل هذه الممارسات
ولكن الأكثر غرابة هوأن تكون هذه الدّول التي تعتبر الإرهاب أكبر خطر يهدّد العالم حليفة إستراتيجيّة للسّعودية. وفي هذا السّياق يقول إد حسين الباحث بقضايا الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الدّولية أنّ “تنظيم القاعدة وتنظيم الدّولة الإسلاميّة في العراق والشّام وبوكوحرام وحركة الشباب الصّومالية ومجموعات إرهابية أخرى كثيرة هي كلّها مجموعات سلفيّة والجميع يعلم أنّ العربية السعودية  كانت على مدار الخمسين عامًا الماضية ولا تزال تقوم بتمويل ودعم الفكر السلفي في العالم.”ولا أدلّ على ذلك من أنّ أسامة بن لادن كان سعوديًّا وثروة عائلته جاءت من العقود التي حصل عليها والده لصيانة مساجد المملكة. كما أن خمسة عشرة من اصل التسعة عشرة إرهابيّ الذي أسقطوا الطّائرات على مبنى مركز التّجارة العالمي والبنتاغون وكثيرين من المتورّطين معهم أيضًا ينحدرون جميعهم من السّعوديّة. ورغم هذه الحقائق الملفتة فإن السّعودية لم تكن هي المعرّضة للقصف والغزوبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011 بل كانت أفغانستان والعراق هي المستهدفة.وقد ذكّر عدّة أعضاء سابقون وحاليون في الكونغرس مرة أخرى في بداية شهر يناير الماضي أنّ 28 صفحة من التّقرير البرلماني المتعلّق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر لا تزال مصنّفة كوثائق سرية خاصة بوزارة الدّفاع. ويؤكّد بعض الذين اطّلعوا على هذه الوثائق أنها تتعلّق بالسّعوديّة، فقد صرّح السيناتور الدّيمقراطي السّابق بوب غراهام  لمجلّة نيوز وييك أنّ “هناك العديد من الملفات التي بقيت مغلقة والتي إن تمّ فتحها ستمكّننا من فهمٍ أعمق للدّور الذي لعبته السّعوديّة في دعم أولئك الإرهابيين.” وقال النّائب الجمهوري وولتر جونز لنفس الصّحيفة  أن” ليس هناك أي مبرر لإخفاء هذه الصفحات الثمانية والعشرين  فالأمر لا يتعلّق فعلا بالأمن القومي بل يتعلّق بحقائق قد تحرج إدارة الرّئيس السابق جورج بوش بسبب علاقاته بالسّعوديين.”وإذا كان البيت الأبيض في عهد الرئيس بوش قد عارض نشر هذه الوثائق لأنّ السفير السعودي في الولايات المتّحدة وعضوالعائلة المالكة بندر بن سلطان بن عبد العزيز كان مقرّبًا جدًّا من عائلة بوش لدرجة أنّه كان يسمّى “بندر بوش” فإن إدارة أوباما أيضًا اختارت المواصلة في نفس النّهج. ولتبرير ذلك يقول  اليوم عدد من الدبلوماسيين والمسؤولين أن دور السّعوديّة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر هوأمر أصبح من الماضي وأنّ المملكة قامت بعد تلك الأحداث بمراجعة جهازها الإستخباراتي التي تورّط في علاقات مع تنظيم القاعدة ووضعت آليات مراقبة للحيلولة دون حصول أيّة تنظيمات إرهابية في المستقبل على التمويل من العائلات السّعوديّة الثرية. ولكن في هذا الشّأن يقول دبلوماسي أوروبي عمل سابقًا في منطقة الخليج أنه “من الواضح أنّ هناك تنظيمات إرهابية متعدّدة مازالت تحصل على التمويل من السّعودية، ورغم أن الإرتباط بينهم ليس مباشرًا فإن التمويل يحصل عبر التبرّعات التي يقدّمها الأثرياء لمنظمات خيرية ووسطاء يرسلون بدورهم الأموال عبر الحوالات. وعندما تتمّ مواجهة السعوديين بهذا الأمر يجيبون غالبًا بأنهم يقومون بأعمال خيريّة بدافع ديني. ولكن الحقيقة هي أن الكثيرين منهم لا يرون أي مانع من تمويل تنظيمات تعتنق الفكر الوهابي وتدّعي القتال باسم الرّسول.”تكشف المقارنة بين النّموذج السعودي ونموذج الدّولة الموعودة من قبل تنظيمات مثل داعش وبوكوحرام أن الإختلافات بينهما ليست كبيرة. فقد قام موقع متخصص في قضايا الشرق الأوسط بمقارنة بين نظام العقوبات على الجرائم والأخطاء في كلا النموذجين وبين عدم وجود فرق حقيقي بينهما. إذ تمثّل الأحكام والفتاوى التي يصدرها رجال الدّين في السعودية مرجعية تستند عليها كل التنظيمات الإرهابية في العالم ورغم أن هذا معروف لدى الجميع يبقى هؤلاء الأئمة ومؤسّساتهم مدعومين ماليًّا وقانونيًّا من قبل ملوك السّعودية.في سنة 2007،  وصف دبلوماسي أردني العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة بأنها “زواج كاثوليكي لا يسمح  فيه بالطلاق “، ولكن تدلّ الوقائع على أن الأمر يتعلق بعملية احتجاز وليس فقط عملية زواج. إذ تمارس السّعودية الضّغط والإبتزاز فيما يتعلق بالتّعاون على مكافحة الارهاب وفيما يتعلق باستقرار منطقة الشرق الاوسط، وتعمد إلى تهديد الغرب بأن الأمور ستصبح اكثر سوءًا بدون تعاونها رغم أنّ الوقائع تثبت أنّ كلّ تدخّلات السّعودية وسياساتها لم تكن إلاّ صبًّا للزيت على النار. وتمارس السعودية نفس هذا الإبتزاز فيما يخص النفط وخاصة في تعاملها مع الأمريكان، فقد قطعت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة خطوات هامة على طريق تحقيق الإستقلال الطّاقي بفضل التّزايد الكبير لاستغلال غاز الشيست الذي فرضه الإرتفاع المتواصل لأسعار النّفط. وهوما جعل سياساتها الخارجيّة أقل تبعيّة للخليج العربي. ولكن بما أنّ إلتفات أمريكا للحلول البديلة يحرم السعودية من ورقة الضغط الأهمّ لديها فقد سجلت الستة أشهر الأخيرة إنخفاضًا حادًّا في أسعار النفط الخام وهوما أعاد خلط الأوراق من جديد، فقد عاد هذا الخفض المتعمّد من السعودية لسعر برميل النفط بالنّفع الكثير على الأمريكان إذ استفاد باراك أوباما من دفعة إقتصاديّة منعشة من خلال إنخفاض أسعار وقود السيارات للنصف خلال ستّة أشهر وهوما جعل شعبيّته تسجل ارتفاعًأ حسب استطلاعات الرّأي المُعلنة. وقد منحته هذه التغيّرات ثقة وصلابة سياسيّة في تعامله مع روسيا وإيران اللّتان تعانيان من انهيار أسعار عملتيهما. ولكن هذه الإنتعاشة السياسيّة والإقتصاديّة أعادت أمريكا لمربّع التبعية الطاقيّة  بما أنّها تبقى رهينة المزاج السّعودي الذي يحدّد أثمان الذهب الأسود في العالم.

التعليقات معطلة