توني باربر وكيرين هوب
جدي، نشط، ويرتدي قميصا بلون أزرق مُشعّ مفتوح عند الياقة التي تتدلى بحرية تحت سترته الجلدية الطويلة. هكذا جال يانيس فاروفاكيس في عواصم أوروبا الأسبوع الماضي، بحثاً عن تخفيف عبء الديون، وعن اتفاق جديد بخصوص الاقتصاد اليوناني. وبحلول يوم الجمعة، كان يبدو أن وزير المالية اليوناني لم يُحقق تقدما يذكر على الصعيد السياسي. لكن الأمر المؤكد أنه قلب رأساً على عقب، المفاهيم التقليدية عن وزراء المالية الحديثين، بوصفهم مُعالجي أرقام مملين ورصينين.
بعض مُعلّقي الأزياء قالوا بشكل غير لطيف إنه كان يبدو مثل حارس في ملهى ليلي، الأمر الذي من المفترض أن يجعل أليكسيس تسيبراس، رئيس الوزراء، مالك الملهى. في الواقع، كلا الرجلين يملك الملامح الوسيمة مثل نجوم الأفلام، تسيبراس يبدو مثل شون كونري في فيلم “دكتور نو”. وفاروفاكيس يبدو مثل المُلاكم حليق الرأس الكبير في السن في فيلم “بالب فيكشن” عام 1994 للمخرج كوينتين تارانتينو. مثل شخصية بروس ويليز تلك، وصل فاروفاكيس إلى اجتماعه الحكومي على دراجة نارية من طراز ياماها بسعة 1300 سي سي، ولا ينقصه المعجبات. وكتبت إيزابيل موريرا، العضوة الاشتراكية في البرلمان البرتغالي، على صفحتها على فيسبوك، “تبّاً، وزير المالية اليوناني يبدو مثيراً”.
اللباس غير الرسمي الذي يفضّله فاروفاكيس، وغيره من الوزراء اليونانيين، هو أكثر من مجرد اختيار للموضة. إنه تصريح بأن سيريزا، الحزب اليساري المتطرف الذي يُهيمن على الائتلاف الحاكم في أثينا، هو حركة مناهضة للمؤسسة الحاكمة تنوي تحدّي العقيدة الاقتصادية التي تتزعمها ألمانيا.
لا يوجد حدث في أسبوع فاروفاكيس الحافل يُمثّل هذا أفضل من المؤتمر الصحافي الذي عقده في برلين يوم الخميس مع فولفجانج شويبله. بعد أن أبدى وزير المالية الألماني بلباقة ملاحظة أن الرجلين قد اتفقا على الاختلاف حول كيفية معالجة المشكلات في اليونان، كان ردّ فاروفاكيس: “من وجهة نظري، نحن حتى لم نتفق على أن نختلف”.
فاروفاكيس، الذي ولد في أثينا عام 1961 لعائلة من الطبقة المتوسطة ودخل مدرسة خاصة، هو مختص اقتصاد يمتد حماسه من الطعام التايلاندي إلى الأدب الإنجليزي. وبعد فوز حزب سيريزا في الانتخابات استعار من الشاعر الويلزي، ديلان توماس، حين كتب في مدونته: “الديمقراطية اليونانية اليوم اختارت أن تكون ذات معنى. الديمقراطية اليونانية قررت المقاومة”.قضى والد الوزير مدة سجينا في ماكرونيسوس، الجزيرة التي كانت تُستخدم سجنا في شكل معسكر تُديره الحكومة لإعادة تأهيل السياسيين لليونانيين الذين قاتلوا على الجانب الشيوعي في الحرب الأهلية (1946 – 1949). وعلى الرغم من ماضيه المتطرف، إلا أن الوالد أصبح رئيساً لأكبر شركة إنتاج للصُلب في اليونان. ووالدة فاروفاكيس كانت ناشطة متحمسة لحقوق المرأة في الاتحاد النسائي اليوناني، الذي أسسه أعضاء حزب باسوك الاشتراكي لتعزيز المساواة بين الجنسين.
وحصل فاروفاكيس الشاب على الإلهام لدراسة الاقتصاد بعد أن التقى أندرياس باباندريو، مختص الاقتصاد الذي أسس حزب باسوك وأصبح أول رئيس وزراء اشتراكي في اليونان. ودرس فاروفاكيس في المملكة المتحدة في جامعة إسكس، التي كانت مرتعاً للفكر المتطرف في الثمانينيات. وقد ألقى محاضرات في جامعتي إسكس وكامبردج قبل أن يهاجر إلى أستراليا في عام 1988. وباعتباره مُحاضرا شعبيا في جامعة سيدني، حاصل على الجنسية الأسترالية، كان له وقته الخاص في برنامج تلفزيوني محلي يخدم الشتات اليوناني، روج من خلاله آرائه الانتقادية حول الطريقة التي كانت تدير بها الحكومة المُحافظة السابقة برئاسة جون هاورد، الاقتصاد الأسترالي. وفي عام 2000 تلقى فاروفاكيس دعوة للعودة إلى اليونان لتدريس النظرية الاقتصادية في جامعة أثينا. وصاحب الدعوة هو يانيس ستورناراس، الأستاذ الذي يتولى الآن منصب مُحافظ البنك المركزي في البلاد. ويقول ستورناراس: “كان يانيس إضافة جديدة مثيرة للاهتمام (…) لقد قدّم مساهمة مهمة، من بين أمور أخرى، لخبرتنا عن نظرية الألعاب”.
هذه الخبرة كانت مفيدة في الولايات المتحدة، حين تم تعيين فاروفاكيس في عام 2012 مختص اقتصاد مُقيم في شركة فالف لتصميم الألعاب على الإنترنت. وبرز مُعلّقا رائدا على الأزمة المالية في اليونان بعد أن أطلق مدونة “أفكار للعالم ما بعد عام 2008”. وهو نادراً ما يكبح انتقاداته. بعد إحدى المقابلات التلفزيونية عقب الانتخابات، كتب: “باعتباري من المعجبين بشبكة BBC، لا بد أن أقول إنني ذُهلت من أعماق عدم الدقة في التقرير الذي تقوم عليه هذه المقابلة (ناهيك عن الوقاحة الكبيرة من مُقدّم البرنامج). مع ذلك (…) كان البرنامج ممتعا!”. فاروفاكيس متزوج من داناي ستاراتو، فنانة التركيب وزوجته الثانية، التي غالباً ما يُشاهد معها في الحانات الأنيقة في حي كولوناكي الراقي في أثينا.
وهو يصف نفسه بأنه “مختص الاقتصاد اللائق من الدرجة الثانية”، و”من أتباع الماركسية التحررية”. ويجلس مع مُشرّعي حزب سيريزا في البرلمان على الرغم من أنه ليس عضواً في الحزب. وطالما يتمتع بثقة تسيبراس، فهذا قد لا يكون ذا أهمية كبيرة، لكن إذا قام في أي وقت بإغضاب مجموعة حزب سيريزا اليسارية المتطرفة، فإن افتقاره إلى عضوية الحزب قد يتحوّل إلى نقطة ضعف تؤدي إلى طرده من الحكومة.
لكن في الوقت الراهن، يقول فاروفاكيس أنه يقاتل في “المعركة النبيلة”، محاولاً إقناع وزراء المالية الذين يرتدون ربطات العنق أن من مصلحتهم تخفيف عبء الديون في اليونان، إذا لزم الأمر من خلال “هندسة ذكية للديون” بدلاً من إلغاء صريح لبعض ديونها الأجنبية البالغة 315 مليار يورو.
ويعتقد أن التاريخ إلى جانبه. في حديث لـ “فاينانشيال تايمز” في لندن، يرسم ابتسامته الأكثر سحراً ويستشهد بدرس من تاريخ اليونان القديم: “أحياناً تعمل الديمقراطيات الأكبر والأقوى على تقويض نفسها من خلال سحق تلك الأصغر منها”.